الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44الرجوع إلى "الثقافة"

تواضع، (بقية المنشور على صفحة ٨), باطلُ الحمدِ ومكذوبُ الثَّنَا، وهي من روائع الشعر الاجتماعي لمعالي الشيخ محمد رضا الشبيبي، وزير المعارف العراقية سابقا, ذكريات سعادة

Share

الأغنياء حقًا قد فرضه الله وفرضه العقل ؛ ولا تقل إن الله أمر الدولة بأن تأخذ من أموال الأغنياء لترد على الفقراء ؛ ولا تقل إن الفقير الذي يجند ليبذل حياته في سبيل الوطن أحق بعناية الوطن ورعايته من الغني الذي يستطيع أن يفتدي نفسه من الخدمة العسكرية بعشرين جنيهًا ورقًا لا ذهبًا . لا تقل هذا فإنا لم نبلغ بعدُ أن نفكر على هذا النحو ولا أن نقدر على هذا النحو ، وإنما نحن نفكر ونقدر على قد نفوسنا المتواضعة ، لا على قد وطننا العظيم !

ودع التعليم ، فإن حديث التعليم طويل أليم ، وخذ ناحية الإصلاح الاجتماعي ، فسترى أن تفكيرنا فيه وغايتنا فيه متواضعان ، كما أننا نحن متواضعون . أليس من الإصلاح الاجتماعي البعيد الأثر العظيم الخطر ، أن تنشأ المواويل وأن تغنى وأن تذاع في الراديو لتحض الناس على صوم رمضان ؟ أليس من الإصلاح الاجتماعي البعيد الأثر العظيم الخطر ، أن تدير مفتاح الراديو فتسمع تقاسيم طوالا وليالي حلوة عِذابًا ، حتى إذا فرغت من ذلك وانتظرت من المغنية أن تسمعك غناءً يلائم هذه الليالي العِذاب ، وهذه التقاسيم الملاح ، سمعت هذا النشيد الرائع الذي يفطر القلوب ، ويقطع الأكباد ، ويزلزل النفوس ، والذي تعمدت أن احفظ بعضه وأن أرويه لك ، لأنه يصور أصدق تصوير تفكيرنا وإنتاجنا على قد أنفسنا المتواضعة ، لا على قد وطننا العظيم .

يا مصر ياللي ضيا عيني ونور فكري نيلك وحيد الطبيعة وابنها البكري والدنيا شبت في حضنك في التريخ بدري أليس من الإصلاح ذي الأثر البعيد والخطر العظيم أن

نفكر في أخذ الناس بما أمر الله أن يؤخذ الناس به من الزكاة التى تطهر أصحابها وتزكيهم ، فنشفق من فرض ذلك بالقانون ، ونكتفي من ذلك بالتطوع ، ندعو إلى ذلك في الصحف ، وندعو إلى ذلك في الراديو بالمحاضرات والمواويل والأغاني ، وندعو لذلك بالتطويف على الناس والتوسل إليهم او الإلحاح عليهم ، ثم نصنع لذلك مئات من الصناديق وننشر عددها في الصحف ليعلم الناس أننا نصلح شؤوننا الاجتماعية ، وأن عنايتنا بالفقراء تنغص أيامنا وتؤرق ليالينا ؛ ولا تقل إن حب الوطن لا يكتسب بالمواويل ، ولا تقل إن الزكاة أصل من أصول الإسلام ، فيجب أن تأخذ الدولة أمرها بالجد ، فإنا لا نبلغ بعدُ أن نفكر ولا أن نقدر على هذا النحو ، وإنما نحن نفكر ونقدر على قد حالنا المتواضعة لا على قد وطننا العظيم .

صدقني أني لأضيق بتفكيرنا الصغير وتقديرنا المتواضع وآمالنا الضئيلة وأنظارنا القصيرة ، حتى أستيئس أو أكاد أستيئس من هذا الجيل الذي لم يعرف بعدُ أن وطنه العظيم في حاجة إلى أن يعمره شعب عظيم ، وصدقني أنى لأتمنى على الله في بعض الأحيان أن أكون معلمًا أوليًا لأرسم في قلوب الجيل الناشئ من أحداثنا صورة لمصر تطابق حقيقتها ، صورة لمصر العظيمة الخالدة ، التي لا ترضى من أبنائها إلا بالأعمال العظيمة الباقية ، والآمال البعيدة الباسمة ، والجهود التي تردها إلى حيث كانت مشرق النور ، ومصدر القوة ، ومستقر السلطان الواسع البعيد .

كم أحب أن يشعر الشباب بأن وطنهم عظيم ، وبأنه لا يسيغ من أبنائه أن يكونوا صغارًا ، فإما أن يعظموا مثله ، وإما أن يلتمسوا لأنفسهم مهاجرًا في وطن من تلك الأوطان الصغار ، التي تقنع من أبنائها بصغر الأعمال والآمال .

فتنة الناس وُقينا الفتنا

باطل الحمد ، ومكذوب الثنا

رب جهم حولاه قمرًا

وقبيح صيراه حسنا

أيها المصلح من أخلاقنا

أيها المصلح ألداء هنا

كلنا يطلب ما ليس له

كلنا يطلب ذا حتى أنا

ربما تعجبنا مخضرَّة

أربع بالأمس كانت دمنا

لم تزل - ويحك يا عصر أفق -

عصر ألقاب كبار وكُنى

حكم الناس على الناس بما

سمعوا عنهم وغضوا الأعينا

فاستحالت - وأنا من بعضهم -

أذني عينا وعيني أذنًا

إننا نجني على أنفسنا

حين نجني , ثم ندعوا : من جنى؟

بلغ الناس الأماني حقةً

وبلغناها ولكن بالمُنى

أخطأ الحقَّ فريقٌ بائس

لم يلومونا ولاموا الزمنا

خسرت صفقتكم من معشرٍ

شروا العار وباعوا الوطنا

أرخصوه ولو اعتاضوا به  

هذه الدنيا لقلت ثمنا

يا عبيد المال خيرٌ منكم    

جهلاء يعبدون الوثنا

إنني ذاك العراقي الذي

ذكر (الشام) وناجى (اليمنا)

إنني أعتد (نجدًا) روضتي

وأرى جنة عدني (عدنا)

***

أيها الجيل اكتشف لي حاضرًا

كلما خرب ماضيك بنى

ينهض الشعب فيمشي قدما

لو مشى الدهر إليه ما انثنى

غير راقي النفس والروح فتى

وضع الروح ورقى البدنا

حالة النفس التي تسعدها

وتريها كل صعبا هينا

ففقير مَن غناه طمعٌ

وغنيٌ من يرى الفقر غِنى

من عذيري ، إذا شكوت غرامي

في النوى ، للخمائل الفيحاء !؟

وجثت الشكوى إليك مع الأن

سَامِ , في جنح ليلتي الليلاء !

وتوسلت بالدموع , وبالشو

ق , إلى طيفك الضنين النائي

هاتفًا باسمك الحبيب , كأني

مستجيرٌ به من البأساء !

ضارعًا للسماء , لو أبصرتني

في ضنى لوعتي , عيون السماء

أَملي أن ينام عني زماني

ساعة أو ينام عني قضائي

فأرى أوجه المُنى في جواري

وأرى وجهك الصبح إزائي

وأحسن الوجيب من قلبك الرا

حِم , في عطفه على برحائي

عندها , تصبح السعادة مِلْكي

وتكونين أول السعداء . . . ! !

طهرت روحي التدامع والآ

لامُ , في طول عمر ذاك الشقاء

وأراني أصبحت أنقى فؤادًا

من فؤاد الغمامة البيضاء !

أهب الحب للرياض وللطي

ر , وللناس كلهم بالسواء

فهي لي نُعمى رضاك على البع

د , فإن الرضى سبيل اللقاء

واسمعيني إذا تغنيت , إنى

نغمائي أصوغها من وقائي

وغنائي جميعه لك , والتو

حيد في الحب مذهبي في الغناء

اذكري عهدنا ، وحني إليه

إنما الذكريات كل عزائي

واذكري ساعة الرضى ، إذ تهادي

زورقي ناسما لوجه الماء

ضمنا النيل في ظلال من الطه

ر ، بعيدًا من أعْيُنِ الرقباء !

وسبحنا في لُجة مِن خيال

عشقتها خواطر الشعراء !

تتناجى منا العيون بصمتٍ      هاتف بالنداء بعد النداء

ونرد الأبصار في صفحة الني   ل , و في موجه على استحياء

ثم مالت شمس الأصيل وقام الْ

غرب يبكي فراقها بالدماء

وانتبهنا على دعاء من اللي

ل , فقمنا نجيب زجع الدعاء !

***

أنت يا رب موئل الضارع القا

في , مجيب السؤال , محيي الرجاء

قد رأيناك في الجمال وفي الحب

وفي كل فكرة حسناء !

وسمعناك في الحنين الذي فا

ض على كل جنة غناء

وعرفناك بالحنان وبالرح

مة للمشتكين صرف القضاء

إن روحين أصبحا في ائتلاف

كيف تقضي عليهما بالتنائي ؟!

اشترك في نشرتنا البريدية