الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 388الرجوع إلى "الثقافة"

توحيد المرحلة الأولى، فى التعليم

Share

أخذ المجلس الأعلى للتعليم في بحث هذه المسألة وما يتصل بها ، ولا نغالي إذا قلنا إنها في نظرنا أهم المسائل التعليمية وأجدرها بالعناية والدرس . فالمرحلة الأولى من التعليم هي التي تخلق الجيل الجديد وتكونه وتصقلة فإذا أرادت الأمة لمستقبل أبنائها وللسواد الأعظم من شعبها صلاحا ونجاحا وسعادة فسبيلها الطبيعي إلى تحقيق ذلك هو العناية بالمرحلة الأولى من التعليم لتهيأ فيها كل الوسائل الفعالة الضرورية لتحقيق هذه الأمنية القومية العزيزة .

هذه حقيقة لا نظن أنه يختلف فيها اثنان . فالناس من قديم الزمان يعلقون أهمية كبرى على التعليم في الصغر ، وفيه قال الحكماء أقوالا عديدة مأثورة توارثها الناس جيلا بعد جيل . وجاء العلم الحديث . مؤيدا وجهة النظر هذه ، وذهب رأي من أحدث الآراء إلى أن الطفل

يكاد يكون قد تكون تماما من الناحيتين العقلية والخلقية في نهاية هذه المرحلة الأولى من حياته بل وقبل نهايتها .

لذلك رأينا الأمم الراقية على اختلاف اتجاهاتها وتباين طبائعها تولي هذا التعليم وافر عنايتها وتتعهده بكل ما في طاقتها وتغدق عليه نسبة كبيرة من ميزانيتها المرصودة للتعليم بوجه عام . ونحن في مصر قد نكون أحوج من هذه الأمم كلها إلي انتهاج هذا النهج واتباع هذه الخطة وتأييد كل حكومة تسير في هذا السبيل ومقاومة كل حكومة تكبه أو تحيد عنه أو تتيمه ظاهرا وعن طريق الكلام وتخالفه عند التطبيق والتنفيذ مخالفة قد تكون مستترة .

وإنا نصارح المجلس الأعلى بأن الوسيلة الوحيدة لإصلاح هذه المرحلة الأولى من التعليم هي توحيدها توحيدا

صادقا لامواربة به ولا استثناء ، توحيدا يدفع بأبناء حضرات أعضاء المجلس الأعلي إلي نفس المدرسة التى يؤمها أبناء مرءويسهم أو أمثال هؤلاء ، المرءوسين من طبقات الشعب .

ولا أقصد أن يتحقق ذلك في الحال اليوم أو غدا ، ولكني أقصد أن يتحقق في القريب العاجل أو في زمن معقول يقتضيه التطور الطبيعي ويكون ذلك عن طريق حشد القوي جميعا إلى النهوض بهذه الرحلة الأولى من التعليم الموحد وتوجيه الجهد الرئيسي ومعظم المال المرصود للتعليم إلى هذه المرحلة .

أما أن يقال إنه لا مانع من العناية بهذا التعليم على صورته الغالبة في التعليم الأولى والعناية في الوقت نفسه بهذا التعليم على صورته الموجودة في التعليم الابتدائي وعلى الصورة الجديدة التي طرحت للبحث في المجلس الأعلى هذه المرة وهي المدارس الخاصة ، فهذا طريق قد جربنا بعضه من قبل وكانت النتيجة إهمالا للتعليم الأولى الذي هو لعامة الشعب وعناية نسبية بالتعليم الابتدائي الذي هو للخاصة ، وليس هذا من العدل في شيء .

وإني أقرر هنا أن تعليم الغالبية العظمي من الشعب في أمس الحاجة إلى الإصلاح العاجل الشامل الذي يتطلب مالا وافرا وجهدا مضنيا . وأما التعليم الابتدائي فيصح أن تظل مدارسه الموجودة قائمة تؤدي مهمتها ريثما يرتفع مستوي المدرسة الموحدة فتندمج فيها تلك المدارس الابتدائية ، ولا يصح أن يزاد في عدد المدارس الأخيرة أو يتوسع فيها ، فإن ذلك سرعان ما يرهق الميزانية ويعجزها عن العناية بالتعليم الشعبي .

وإصلاح المدرسة الابتدائية الحالية ينحصر في نظرنا في إصلاح الروح السائدة فيها والعناية بالتهذيب والتربية بقدر يوازي العناية الحالية بالتلقين والاعداد للامتحان .

وأما المدارس الخاصة فإني أقرر هنا أنها ليست من عمل وزارة المعارف ، وما ينبغى لها أن تشغل وقتها بها ، وليس

لديها من الوسائل ما يكفل النجاح في مشروع كهذا ، وذلك لعدة أسباب نشير إلي بعضها فيما يلى :

إن فكرة المدرسة الخاصة مرتبطة تمام الارتباط بالشخص المشرف عليها ، وهي في الغالب من وحي تفكيره ومستمدة من فكرة مسيطرة على صاحبها تكيف روح المدرسة وتسيطر على كل نواحيها سيطرة إيحاء وتوجيه لا سيطرة رياسة وقمع ، وهذا هو المشاهد في بلاد كانجلتر في معظم المدارس الخاصة بها إن لم يكن في كلها .

وقد مضي علينا زمن ليس بالقليل منذ تسلمنا مقاليد أمور التعليم ، فلم نشهد رجلا اعترفت له الوزارة بأصالة الرأي وصواب الفكرة وسلمت إليه مدرسة ترك حرا في تسييرها وتوجيه سياستها والنظر إليها والتكلم عنها كمدرسته الخاصة التي ترجع كل خصائصها ومميزاتها إلي شخصه . بل الشاهد أن النظار يتغيرون كل عام كقطع الشطرنج بغير أدنى استثناء .

والواقع أن العمل في أية مدرسة من مدارسنا يجري نتيجة لعدة تيارات متباينة وقد تكون في كثير من الأحيان متعارضة ؛ فالناظر له رأي والمفتش له آخر والمراقب له ثالث وهكذا . فهل يصح لنا أن ننتظر أن نظاما كهذا تنبت فيه وتنمو مدرسة خاصة تستحق هذا الاسم المستمد من فكرة خاصة ومميزات خاصة وأسلوب خاص الخ ؟ هذا بعيد عن تصورنا .

ولكن هبه كان ممكنا ، فهل وظيفة الدولة أن تنصرف لنوع من المدارس لن يضم جزءا من مائة ألف جزء مما تضمه المدارس الشعبية ؟ كلا . إن كل ما تستطيعه الدولة تجاه مدارس كهذه أن تشجع الأفراد القائمين عليها تشجيعا أدبيا وماديا محدودا . أما هذه المدارس الخاصة فيجب أن تقوم على أكتاف أصحاب الفكرة فيها ، وأن يتحمل نفقاتها الأبناء الذين يختارون التعلم فيها ، وهذا خير لهم وأوفر ، لأن الفرد حين يدير مدرسته يديرها إدارة تدبير واقتصاد ،

فلا تتكلف عشر ما تتكلفه لو قامت بإدارتها الحكومة .

ثم إن الدولة تستطيع أن تعين أصحاب المدارس الخاصة بوسيلة أخرى فنية ، وذلك عن طريق الدراسات النفسية الفنية على أيدى العلماء المتخصصين عندها ، وإسداء النصح وإبداء الرأي الفني إذا طلبه أصحاب تلك المدارس الخاصة

هذا رأينا أوردناه بكل صراحة ، ونرجو أن يتدبره أولو الأمر وأعضاء المجلس ويصرفوا جهدهم كله أو معظمه على الأقل في سبيل إصلاح تلك المدرسة الموحدة التي نرجو أن تكون بمثابة العمود الفقري الصحيح القوي الذي يشد أزر الجيل الجديد ، وتكون منبع الثقافة والنور للقرية كلها كبارها وصغارها ومركز الإرشاد والإصلاح الاجتماعي في الوسط الذي تقوم فيه .

لقد انقضي العهد الذي كانت الإصلاحات التعليمية تبدأ فيه في المدارس الراقية غير الأولية ، وأصبحنا الآن في عهد ينبع فيه الإصلاح الحقيقي من هذه المدارس الشعبية التي كنا إلى عهد قريب نقلل من شأنها .

ولقد شاهدت بنفسي قبيل الحرب في أوربا كيف أن معظم جهود الإصلاح موجهة إلى تحسين هذا التعليم في المرحلة الاولى التي تعمم على جميع أفراد الشعب بلا استثناء ، ورأيت أحدث الآراء تطبق في مدارس هذه المرحلة .

ومنذ أيام قليلة عثرت على وصف جميل لدرسة أولية حديثة بزت كل ما تقدمها في أساليبها ، وهي في الواقع مدرسة خاصة أنشأها رجل اكتوى بنار التعليم الأولى الرجعي وقاسي في حياته المدرسية الأولى آلاما مبرحة ، فآلى على نفسه أن يخرج للناس بمدرسة يحقق لتلاميذها السعادة والهناء إلى جانب التعليم ويذيقهم طعم الحياة الحقة التي يكسبون بها المران والخبرة التي تعينهم على حسن التصرف في حياتهم العملية المستقبلة ، وحسن التصرف في المواقف هو في رأينا أعظم كفيل للسعادة في الحياة .

نظر هذا المعلم إلي كل ما كان يضايقه في صغره في

حياته المدرسية فاجئته من أساسه في نظامه الجديد ، ووفر لتلاميذه في مدرسته الحرية وأسباب المسرة ومرغبات الدرس ، بحيث أصبحوا راغبين في البقاء بها من تلقاء أنفسهم من أول النهار إلى أن تحين ساعة نومهم . وهو لا يثقل عليهم في واجباتهم الدراسية ولا يكلفهم بأكثر من ساعة واحدة إجبارية في النهار كله .

وقد نستطيع أن نأتي في أحد الأعداد التالية من هذه المجلة على وصف لهذه المدرسة ، لعلنا نجد فيه شيئا ينفعنا ونحن نرسم لأنفسنا صورة لما نحب أن تكون عليه هذه المدرسة الموحدة الجديدة التي نرجو أن تقوم بمصر بأول فرصة فتقضي علي فروق الطبقات كما تقضي على تعاسة الحياة المدرسية . والله الموفق الهادي .

اشترك في نشرتنا البريدية