مقدمة :
تورانشاه هو ثامن ملوك الدولة الأيوبية . كان السلطان صلاح الدين أول ملوك هذه الأسرة وكان الملك المعظم تورانشاه آخرهم .
وكانت مدة حكم صلاح الدين في مصر ٢٤ سنة ، أما مدة حكم تورانشاه فكانت واحداً وسبعين يوماً . وقد توفي صلاح الدين بدمشق عقب مرض لم تطل مدته ولكنه ألزمه الفراش نحو أحد عشر يوماً ، فلما أصبح في اليوم الثاني عشر ( الأربعاء ٢٢ صفر سنة ٥٨٩ ه ) صلى الصبح ومات عقب الصلاة - أما توارنشاه فإنه في يوم الاثنين ٢٩ محرم سنة ٦٤٨ ه تناول طعامه وشرابه كالمعتاد مع حاشيته وأمرائه ووسط علمائه وندمائه في المضرب الخاص الذي كان أعده لأمثال هذه المجالس على ضفة النيل بفارسكور ، ثم قام عن جلسائه وقصد إلي قصره ليستريح . فهجم عليه أحد المماليك (1) بسيف متهور فضربه به ضربة عظيمة واحدة رفع لها الملك راحتيه كي يتقيها وليغطي بهما وجهه ، فأصاب السيف أصابعه ولم يصب منه مقتلا ، وتخاذل الملوك إزاء فشل ضربته فخانته أعصابه وسقط السيف من يده ولاذ بالفرار ... ...
ولكن تورانشاه لم ينج من الموت في ذلك اليوم العصيب ، فانه لقي حتفه بعد ذلك بلحظات . وكانت ميته معقدة لم ير لها التاريخ مثيلا ...
فإنك إن قلت إنه مات بالحريق لم يعد قولك الصواب ، فإن قتلته أحرقوا البرج الخشبي الذي كان يعتصم منهم فيه . وإن قلت إنه مات غريقاً صدقت ، فإنه مات وهو يسبح في نهر النيل فراراً من هؤلاء الأعداء . وإن قلت إنه مات مضروباً بالسهام كنت تقرر الواقع فان الماليك أو الأمراء الذين وقفوا له على الشاطئ أغرقوه تحت وابل من سهامهم .
وإن قلت إنه مات بالسيف صدقت ، فإن من رمي نفسه في النهر خلفه أعمل فيه السيف حين ادركه فتقطع جسمه تحت أسيافهم إربا إربا .
ونحن في هذه الكلمة نحاول أن نأتي علي ملابسات هذه الميتة المركبة ، ونمهد لوقوعها بوصف ما سبقها من الحوادث ... ... ...
صفحة من تاريخ الحروب الصليبية : كان على فرنسا في أيام الملك الصالح بن الكامل - والد غياث الدين تورانشاه - ملك يقال له لويس التاسع . وكان هذا الملك مصابا عرض عضال حار في علاجه أمهر أطباء زمانه ، فلما فشل فيه الطب عاد به أهله إلى الشعوذة ؟ فأوقدوا الشموع وأحرقوا البخور وتقربوا إلى القديسين بكل أنواع القرابين ، فلم يجدهم شئ من ذلك نفعاً ، فعادوا إلي رحاب الله الفسيحة في الكنائس والمعابد يقيمون الصلاة ويكثرون من الدعاء عسى الله ان يستجيب لهم فيشفى مريضهم . ولكن طالت الصلوات ، وترددت الدعوات ، والمريض لا يزال تحت أرديته واغطيته مشلول اللسان ، مفلوج الجسد لا يقدر من أمره على شيء .
وكان بيت المقدس في ذلك العهد في يد المسلمين بعد أن استخلصه صلاح الدين من أيدي الفرنج ؛ وكان الصلح الذي تم بين صلاح الدين وكبار الصليبين في سنة ٥٨٨ ه . قد فتح بيت المقدس لمن شاء من أهل الملتين ليدخله الجميع إخواناً متصافين متحابين . ولكن بقى المتعصبون من المسيحيين يحسون الحرج كل الحرج في أن يشاركهم المسلمون في بيت يرون أنهم وحدهم أصحاب الحق المطلق في القيام عليه ، والاستئثار به . وكانت الأمنية التي ما تزال تختلج في جوانح هؤلاء القوم هي أن تتهيأ لهم الظروف لطرد المسلمين من ذلك البلد المقدس . وكان الملك لويس قد أشربت نفسه هذا التعصب الحاد ضد المسلمين ، لكثرة من كان يحيطه من قساوسة ذلك العهد ، الذين كانوا ينظرون إلي المسلمين على أنهم من الكفرة الأنجاس . فنذر لله في محنته أن لو أخذ الله بيده ، ومسح عليه بيد العافية فنهض مرة أخري علي قدميه وأمسك السيف بيمينه ، ليطهرن بيته من الأيدي القذرة التي لوثته ؛ وليعملن على إجلاء المسلمين عن مهبط وحيه ومنبت دينه المسيحي .
والعقيدة قوة - والأمل حياة - والإيحاء شفاء ...
وهكذا هيأ الله لعبده التاسع من " لويسات " فرنسا أن ينجو من مرضه وأن ينهض من كبوته ، وأن يعود مرة أخرى آدمياً كبقية الآدميين يسعي على قدميه ويضرب بهما في الأرض وهو مختال فخور .. .
وكان أول ما وفي به الملك من نذره أن أرسل إلي البابا يستأذنه في القيام إلى القدس . وما كاد يصله الإذن منه حتى أعد الحملة الصليبية السابعة . وأقام أمه على عرش فرنسا بدلا منه . ثم أبحر في مائتي سفينة ومعه أقاربه وزوجته فوصلوا قبرص في بضعة أسابيع ، وهناك قضوا شهور الشتاء في إعداد العدة لحملته . ولما حان وقت العمل نشر أشرعته موليا وجهه نحو مصر ، وهي في ذلك الوقت قلعة الإسلام وحصن المسلمين .
الملك الصالح :
وكانت مصر في تلك الأيام تحت سلطة الملك الصالح ابن الكامل الأيوبي : وكان الملك الصالح رجلا وقوراً ، قليل الكلام كثير العمل ، يهابه كل من رآه . وكان من توفيق الله له أنه وقع على جارية تركية حسناء ذكية العقل ذات فراسة وتدبير ، فاتخذها لنفسه خليلة ، فولدت له غلاما سماه " خليلا " تزوجها وأشركها معه في الحكم , فكان إذا سافر إلي الشام أو ما جاورها لإخماد الفتن التي كانت تضطرم بها تلك البلاد في عهده خلّفها على عرشه في مصر ، وأقامها مقام نفسه ، فكانت تحسن الخلافة ، وتسوس الناس سياسة حسنة حتى أحبها الجميع واحترموها - تلك شجر الدر التي أصبحت بعد الدولة الأيوبية ملكة على مصر ، والتي ما زالت يذكر لها التاريخ أنها أول امرأة في الإسلام تقلدت الملك وجلست مجلس السلاطين . .
الحملة الصليبية السابعة :
كان الملك الصالح في الشام حين أقلعت سفن لويس التاسع من قبرص . وكان قد كسر شوكة العصاة وقمعهم واصاب مقاتلهم ، وتأهب للعودة إلى بلاده ، والرجوع
إلي بيته وزوجته . ولكنه بدت عليه أعراض داء عضال منعته من الحركة والانتقال ، فقد ضربه ناصور في مكان حساس من جسمه ، فألقاه طريحاً في فراشه . وتعذر شفاؤه ، فبقي يعالج سكرات دائه حتى جاءه رسول شجر الدر يخطره بحملة الصليبيين التى تحركت من قبرص متجهة إلي مصر . فرمى بنفسه على هودج وطلب إلي رجاله أن يحملوه إلى مصر ، فبلغ المنصورة بعد سفر أيام قاسي خلالها أشد المتاعب وأعظم الآلام .
وكانت دمياط محط أنظار الصليبيين ، فبدأ بها الملك الصالح ، فحصنها وأودع فيها من الجنود والذخائر ما اطمأنت إليه نفسه . فلما أقبلت عليها جيوش الصليبيين ورأوا مناعتها أشفقوا منها ، وأرسل لويس إلي الملك الصالح رسالته المشهورة يحاول أن يوقع بها الرعب في قلبه . وهي ترينا لونًا قديماً من ألوان حرب الأعصاب ، ولذلك نرى إثباتها هنا لطرافتها في هذا الباب . قال كاتبها - شفاه الله حيث كان - :
" أما بعد ، فإنه لا يخفي عليك أني أمين الأمة العيسوية كما أنه لا يخفى على أنك أمين الأمة المحمدية . وغير خاف عليك أن عندنا أهل جزائر الأندلس وما يحملونه إلينا من الأموال والهدايا ، ونحن نسوقهم سوق البقر ونقتل منهم الرجال ونرمل النساء ، ونستأسر البنات والصبيان ، ونخلي منهم الديار . وأنا قد أبديت لك ما فيه الكفاية ، وبذلت النصح إلي النهاية . فلو حلفت لي بكل الأيمان ، وأدخلت على الأقساء والرهبان ، وحملت قدامى الشمع طاعة للصلبان لكنت واصلا إليك ، وقاتلك في أعز البقاع عليك الخ " .
فلما قُرئ الكتاب على السلطان الملك الصالح ، وقد اشتد به المرض بكي واسترجع ، ثم طلب إلي من معه أن يكتبوا الجواب . فتقدم القاضي بهاء الدين زهير بالرد التالي :
" بسم الله الرحمن الرحيم . وصلواته علي سيدنا محمد

