الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 447الرجوع إلى "الثقافة"

تولستوى

Share

قليل هم الخالدون الذين نشعر بهم دائما وكأنهم مازالوا يعيشون بيننا بالرغم من مضى تلك السنين الطويلة على مغادرتهم دنيانا ، وقلما نجد كاتيا مجيدا امكنه أن يؤثر على العالم بأجمعه بكتاباته كما فعل تولستوي ، فهو ذو ملكة فنية جبارة وشخصية ممتازة

ولد ليونيكلوفتش تولستوي عام ألف وثمانمائة و ثمانية وعشرين والملعقة الذهبية في فمه ، وتقلب في اعطاف النعيم ، وعاش عيشة الرفاهية وتمتع بمسرات الحياة جميعها ، وقضي شبابا فائرا ، انتهب فيه اللذات ، من خمر ونساء

حتى المبسر كان له فترات حية في صدر شبابه . والتحق بالجامعة مرتين ثم زهد فيها ، وحاول ان يكون موظفا ولكنه فشل . ولما مل حياته العابثة انضم إلي فرقة القوزاق وحارب معهم . . ثم عاد إلى حياته المدنية وروي ظمأه حتى الثمالة من اللذات الدنيوية وتمتع بمسراتها ما شاء له التمتع . . وإذا به وقد تقدمت به السن يبدأ في ذلك التحول الذي ملك عليه لبه وتفكيره . ونشاء له فلسفته التى اعتنقها أن يبدل من حاله ، فيتنازل عن أملاكه جميعها وبعيش معيشة التقشف وبعمل في الأرض بيديه

ويلبس لباسا خشنا كأحقر الفلاحين ويشعر بلذة كبرى وسعادة دافقة لكل ذلك

ولو وقفنا قليلا نتدبر أسباب ذلك التحول الغريب ، وهو الرجل الذي قضى سنين طويلة من حياته غارقا في اللهو والعبث واللذات . . نجد ان تولستوي كان ذا نفسية قلقة متبرمة دائما ؛ ولعل من أسباب هذا القلق النفساني ذلك التنازع بين شخصيتين ، شخصية الرجل الملحد العابث اللاهي ، الباحث عن لذائد الحياة دائما ، وشخصية الرجل الديني الأخلاقي الذي يضع نصب عينيه ان يتأمل ويبحث في معاني الحياة قبل أن يلامسها . ويبدو أن الدافع إلي زهده هو خوفه من الموت بينما كان هذا الخوف ذاته سببا مباشرا في إقباله علي ملذات الحياة واحدة واندفاعه في التشكك والإلحاد .

والحقيقة أن تحوله هذا لم يكن مفاجأة ، فإن مبادئ الدين كانت موجودة في زوايا نفسه ، غير ان كل ما في الأمر أن نقطة الارتكاز بين شخصيتيه قد انتقلت من ناحية إلى اخرى ، وكان ذلك التحول الذي لا بد منه نتيجة لظروف حياته وعمله السابقين

ويقول الكاتب النمسوي الشهير " ستيفان زفايحج " عن هذه الناحية : " إنه من العبث تسمية ذلك القلق الداخلي في نفسية تولستوي الذي جعل منه متأملا ومفكرا ومعلما  للحياة ، والأرجح أنها حالة لابست حياته عند درجة محدودة منها ، كالخوف من تقدم سنه والموت ، حالة من الكأبة النفسية التي ارهفت أعصابه وتحولت إلي اضطراب روحي عابر " .

ولم يرض الكثيرون عن هذا التحول ، حتى إن الكاتب الروسي تورجنيف ، وكان يعتبر تولستوي اعظم كتاب عصره ، كان يراقبه في قلق لمدة سنوات وهو يتحول من الأدب ليفقد نفسه في فلسفة رمزية صوفية ، وكان يحزنه ألا يصبح على المائدة الأدبية لذلك الرجل الذي

بز غيره في تصوير الطبيعة والإنسان ، سوى تلك الابحاث في اللاهوت ونسخة من الكتاب المقدس . وكان تورجنيف يخاف على تولستوي ان يفقد اهم سنى حياته ونبوغه الفني - كما فعل جوحول من قبل - في الاهتمام بالنظريات الدينية التي لا يهتم بها العالم ، ولذلك قام إلى قلمه في السابع والعشرين من شهر يوليو  عام ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين وهو في اشد حالات المرض ، وكتب ذلك الاستعطاف المؤثر إلي نابغة عصره . رفع إليه آخر ضراعة يتوسل بها رجل على حافة القير . فقال : " عد إلى الأدب بإصديقي . . إن موهبتك الحقيقية إيمان هي كامنة فيه يا كاتب روسيا العظيم . ورجائي الحار هو أن تحقق أملى . .

ولم يتمكن تورجنيف ان يتم خطابه ، إذ لم تساعده بدء وصحته على ذلك فأرسله كما هو إلى تواستوي الذي لم يرد عليه وقت وصوله إليه . ولكن لما خطر له يوما ان بكتب الرد ، كان الوقت متأخرا ، فقد مات نورجنيف قيل ان يستيقن مما إذا كان صديقه قد حقق امنيته أو لم يحققها . ولعل تولستوي كان يجد صعوبة في الرد على صديقه ، لانه كان حينئذ مندفعا إلى البحث عن الله في قوة تقف دونها إرادته .

لقد كان شعوره نحو الطبيعة شعورا بدائيا ، فهو يحس داعا انه جزء لا يتجزأ منها ، ولعل ذلك هو أحد اسباب هيامه بطبقة الفلاحين ، لمعيشتهم الطبيعية الساذجة ، مما دعاه لأن يحمل على المدنية الحديثة الفاسدة ؛ فهذه النظرة مسحوبة بماطفته التي تسوقه نحوها تكوين بان ناحية من نواحي عقلية تولستوي . أما الباحية الآخر فهى خوفه الدائم وتشككه وتحليله كل ما يعترضه مما دعاه للانفراد الذاني الذي هو طبيعة كل من ينطوي علي نفسه ، وإذا هو بعد ان يشبع غريزته في التأمل يجد ان السعادة هى في المعاونة والحب والخير بين البشر وبعضهم ، ويجد ان

المدنية الزائفة تحول دون ذلك ، فيدعو إلي الأخذ بالحياة الأولى . الحياة الطبيعية الهادئة التي تقوم دعائمها على تلك الخصال الحميدة ، ولقد اوضح نظريته هذه بأسهاب في كتابه " اعترافات " عام ألف وثمانمائه وتسع وسبعين .

أما أعماله الأدبية فهى معروفة لكل من يتذوق الأدب . وأهم ما يلفت النظر في كتاباته في الجزء الأول من حياته تلك الحرارة المتدفقة منها يضفيها على كل ما يلمسه فيها ، كما تشعر بذلك في كتابه الأول " الطفولة الذي أخرجه عام ١٨٥٢ وفي قصة " القوزاق " التى اتمها عام ١٨٦٢ حيث يمزج حبه بحياة القوزاق البسيطة بكراهيته للمدنية ، ثم يزداد شعورنا بذلك في روايتيه الخالدتين " الحرب والسلم " التي أتمها ما بين عامي ١٨٦٢ ، ١٨٦٩ و " أنا كارنينا " التي كتبها بين عامي ١٨٧٥ ، ١٨٧٧ ، وهما المتبرتان اشهر روايات القرن التاسع عشر .

فالأولى وهى " الحرب والسلم " تعتبر الحلقة للفقودة بين الحقيقة والخيال ، وبين الأدب والتاريخ ، فهي مزيج رائع من الأولين ، وصورة فاتسة من الآخرين . وهى تتناول موضوعا تاريخيا خطيرا هو كفاح روسيا المرير ونضالها النجيب ضد نابليون وجبوشه القمة . ويقول جاززورثي عنها " إنها أحسن ما كتب من القصص " .

أما الثانية وهي " أنا كارنينا " فهي مأساة إنسانية ترسم البواهث والأحوال النفسية المختلفة لامرأة أخطأت وهي قصة من الحياة كثر منها قطعة فنية دقيقة الصنع ، الحياة التي رآها المؤلف بعين داخلية واحس بها في زوايا نفسه وعاش فيها ثم كتبها بإحساس وشعور قويين . وهى آخر رواياته التي كتبها قبل ان يتحول مجرى حياته ؟ وأعلمنا نلاحظ فيها ظلا لذلك الانقلاب . ثم هى تشترك مع قصة " الحرب والسلم " في انها تغلب عليها الواقعية ، فشخصياتهما ومواقفهما طبيعية ، حتى إن القارئ يتوقف أحيانا عن القراءة بين كل فترة وأخرى ويقول لنفسه :

" حقيقة هذه حقيقة . . وهكذا تسير الأمور " . وتتآلف المناظر والحوادث في أنا كارنينا " لتعطي صورة فجتمع المدنية الحديثة التي بدأ تولستوي يحتقرها ، وجمل ذلك الاحتقار لها يزداد ويثبت في نفسه على صي الأيام حياة الطبقة الروسية المالية . . الطبقة المادة الهارية من السنوليات والتي لا يمكن مقارنتها بطبقة الفلاحين الروس وحياتهم ، الحياة الخشنة الناضة عمرانها وأفراحها الساذجة وقناعتها بأعمال الأرض وإيمانها بالقوة الإفية السامية ، ويقول دستويفسكي عن هذه القصة : " لقد سمت م نحو الكمال الذي لا يضارعها فيه أي عمل أدبى آخر " .

والملاحظ أنه كثيرا ما يصور تولستوى نفسه وبعضا من جوانب شخصيته واجزاء من حياته في رواياته ، كما قيل في كل من شخصية البرنس اخررو ، وبير في " الحرب والسلم " وشخصية ليفين في " أنا كارنينا " .

وبطبيعة الحال كان لتحوله أثر في كتاباته ، فها هو قد وكر جهوده كلها في الكتابات العقلية والدينية مثل " عقيدتي " ماذا نفعل حينئذ " في الحياة . " مملكة ان في باطك " يا هو الفن " يا هو الدين وغيرها . . وكلها توضح انحرافه الأساسي وتبسيطه لشكلات صبة وميك إلى ان يحمل من نظرياته قوانين ثابتة تتبعها الإنسانية من بعده . ولحسن الحظ فإن هذا التحول قد بسط أسلوبه وأ كرض من كتاباته اكثر من قبل . . وأهم أعماله الفنية في تلك الفترة هى " موت إيفان إليش " السيد والرجل " ،

" أنشودة كرونزر " تلك الدراما الريفية القائمة ، سلطة الظلام " وروايته المنصوفة " البث " . ومن قصصه الخائدة " الأب سرجبوس " ، " الشيطان " بعد الحفلة الراقصة " حاج صراد " ، " البطاقة

المزيفة " ومأساته " الجثة الحية "

وكما نري فإن الناحية الفنية قد تغلبت في نفس تولستوى على ناحية الفلسفة في الجزء الاول من حياته ، بينما اصح في الجزء الأخير منها فليسوفا أكثر منه فنانا . وإنه ليسرنا كل السرور أن نري فنانا كبيرا مثله يجعل من نفسه مثلا اخلاقيا عاليا كرجل ؛ فبدلا من ان يتحكم في الجماهير من طريق شهره إذا هو يخدم الإنسانية ويرضخ كفاحه ، في سبيل حقيقة مثلى ، إلى أهم السلطات على الأرض ، الا وهي ضميره الحي الذي لا يتطرق إليه الفساد أبدا

ولما بلغ الثانية والثمانين من عمره أثر الحرب من بيته وزوجه ليقضي بقيمة ايامه في عزلة ، ولكن لحقته النية بعد أيام من هربه في السابع من توفير عام ألف وتسعمائة وعشرة .

وهكذا بدأ حياته مترفا واختتمها مناقشا ، وقضى فترة منها مرتابا منشككا وأخرى منصوفا . ومات تولستوي ذلك الارستقراطي الغرور في بدابة حياته ، والفلاح المتواضع في نهايتها . كما يموت غيره . ولكننا تحس دائما أنه يعيش خالدا بيننا بكتاباته التي لا تلى جدتها أبدا

اشترك في نشرتنا البريدية