كان تولستوي حذرا في مسألة الزواج ، وكان يعتقد دائما انه شئ رهيب يخافه ويخشاه وكانت علاقاته الأولى مع نساء كثيرات لا تتعدى الحب ، ولو حبا عفيفا أو حبا جنسيا في بعض الحالات ، كحبه لامراة ريفية تدعي اكسينيا اثرت عليه تأثيرا عميقا دام مدة طويلة ، ولعل قصته معها هي اصل قصة (الشيطان )، التي كتبها حينئذ ولقد دامت علاقته بها مدة ما ، ولكنه تخلص اخيرا من عبوديتها اوعبودية جسده بمعنى اصح ووجد نفسه في اشد الحاجة إلى الزواج وجعل يفكر في زوجتة الستقبلة وقد اشترط فيها شروطا خاصة ، إلي أن وقع في حب سونيا بهر ، وهي الابنة الثانية لعائلة يعرفها فكتب عنها في يومياته ، في ٢٣ أغسطس سنة ١٨٦٢ : اني خائف
ماذا لو دلت تلك التجربة على رغبة خاطفة في الحب ، وليست حبا دائما حقيقيا ، ولكنه عاد فكتب فيها يوم ٣ سبتمبر : " لا اعتقد ان مستقبل حيائي مع أية زوجة يضارع ما يبدو لي الآن مع سونيا المستقبل السعيد الهادي الخالي من المخاوف ، أو أي بادرة من بوادر الأسف ؟ .
وفي ١٣ سبتمبر كتب : " أنا أحب حبا لم احبه في حياتي من قبل أنا مجنون . . وسأطلق الرصاص على نفسي إذا سارت الامور على ما هي عليه . لا يمكن وقف عواطفي نحوها ( وفي اليوم التالي كتب : " كل يوم يمر اعتقد فيه أني لن احتمل المزيد من شعوري بالسعادة سأذهب في الغد إليهم وسأصرح لهم بكل شئ . وإلا فاني انتحر " .
ومع ذلك لم يتقدم إليهم إلا بعد ثلاثة أيام ، فطلب يد ابنتهم ، فقبلوه زوجا لها في الحال ، وطلب منهم زفافا سريعا .
لم ينم في الليلة التي سبقت عقد قرانه فقد كان مثقلا بالشكوك والمخاوف والريب . كان يشعر برغبة في الفرار هاربا ، وكان الزواج قد حددت له الساعة الثانية مساء وكان من غير اللائق ان يطرق الخطيب منزل خطيبته يوم عقد قرانهما ، إلا انه ضرب بالتقاليد عرض الحائط وذهب إليها وجعل يسألها : اتشعر انها تحبه حقا ، أم هل من الارفق ان ينفصلا قبل فوات الوقت . وبكت سونيا وهي تؤكد له حبها ، وانه ما من شيء يستدعي قلقه هذا
وشعر بحمافة فعلته هذه ، فقرر الزواج منها . ولم يهرب بعد الزواج كما كان بتوهم ، فقد كتب في يومياته بعد ثلاثة شهور من زواجهما لا اعتقد ان احدا يشعر بمثل سعادتنا
وجرفته عواطفه حتى أصبح يؤدي كل أموره في سرعة وبدون تفكير أو ترو كسابق عهده ، وهدأت فورة شهور الزواج الاولي ، فتكشف له الوهم ، وابتدأ يأخذ الغضب مكانه في مجرى حياتهما ، لم يظهر منه أي اعتراف بفشل ذلك الزواج إلا بعد ستة عشر عاما أو ثمانية عشر ، وما من أحد خلال هذه الأعوام الطويلة شك في توفيقه في زواجه ولكن الحقيقة أن تولستوي ، بعد ستة أشهر من زواجه لا أكثر ، قد كشفت الهوة الروحية التي تفرق بينه وبين زوجته ، فيكتب إلي شقيقتها الصغري ذلك الخطاب الرمزي الذي جاء فيه :
" لقد حدث شئ عجيب يا عزيزتي ثانيا . . إنك تعرفين ان شقيقتك آدمية من لحم ودم مثلنا ، وتعلمين أنها تتنفس أنفاسا كانفاس الناس حارة ، وتحرك اطرافها في كل الجهات كما يحرك الناس ، وبالاختصار هي من مادة البشر . ولكن انظري ماذا حدث :
فجأة في ٢١ مارس سنة ١٨٦٣ في الساعة العاشرة مساء ، حدث ذلك الحدث الفادح الذي ازعجنا معا . ثانيا ! أنا أعرف أنك أحببتها دائما ، ولا ادري
ما هو الشعور الذي سببته هذا الحادث في كيانك الآن .
لقد استيقظت مبكرا في ذلك اليوم ، وقت نزهتي المعتادة ، وتناولنا معا طعام الغداء ، ثم العشاء . وكانت هي تقرأ ( كانت ما زالت تقوى علي القراءة ) وكنت أشعر بالهدوء والسعادة . وفي الساعة العاشرة مساء قمت إلى فراشي ، وأخبرتني سونيا انها ستتبعني إلي الفراش .
وأثناء نومي سمعتها تفتح الباب ، وطرقت أذني زفراتها ، وكانت تخلع ملابسها ، ثم احسست بها تتقدم إلي الفراش ففتحت عيني ورأيت لم تكن سونيا التي نعرفها جميعا هي التي رأيتها . . بل سونيا أخري مصنوعة من الخزف ! وإنك تعرفين الدمى الخزفية ذات الأذرع العارية ، تلك الدمىي تشبه الأجسام البشرية تماما ، فها هو الشعر المطلى بالسواد يعلو رأسها ، وهاهما العينان الواسعتان بحدقتهما المرسومتين ، وهاهي ثنايا القميص على الجسد العاري تبدو كالطبيعة تماما هكذا كانت سونيا فلمست ذراعها ولكني وجدتها ناعمة باردة ، وخيل إلي أبي مازلت نانما ، فتيقظت . . ولكنها كانت مازالت واقفة أمامي جامدة لاتتحرك . فسألتها : " هل أنت مصنوعة من الخزف ؟ ؟ " وإذا بها تجيبني دون ان تفتح فمها ذا الشفتين المدهونتين باللون الأحمر : " نعم . . أنا من الخزف !
فشعرت برعشة تسري في جسدي . . ونظرت إلي ساقيها فوجدتهما من نفس المادة ، وكانتا مستندتين إلي حامل خزفي ايضا . وعليك يا عزيزتي ان تتصوري ما اعتراني من الرهبة والخوف . حينئذ لم أصدق شعوري وبدأت اناديها . ثم تحسبها ثانية ، فكانت ناعمة الملمس باردة ، كانت جامدة ذات مظهر خارحي فحسب ، كانت أجزاء وجهها وجسدها هي هي التي اعرفها جيدا ، حتى قميصها ، فقد دققت النظر إليه ، فإذا به نفس القميص الذي كانت تلبسه من قبل ولكنها كانت تمثالا من الخزف ! !
ووجدتني في حالة مؤلمة لا أدري ماذا أفعل أو أقول ولعلها كانت ترجو أن تعينني علي ما أنا فيه . ولكن كيف تقوى على المساعدة مثل هذه المخلوقة الخزفية ؟ كانت لا تنظر إلي . . كانت تنظر إلي الفراش ، وفقدت سلطاني علي نفسي فأمسكت بها ، فلم اشعر بأي تأثير لاصابعي في جسدها الخزفي البارد . ومما زاد في محيي انها اصبحت خفيفة كوعاء فارغ ، ثم إذا بها فجأة تنكمش ويصغر حجمها حتي اصبحت في حجم إبهام بدي . . فوضعتها على الفراش ، واذا بي اسمعها تقول : " لماذا اصبحت من هذه المادة ؟ " فلم أدر كيف أجيبها ! وإذا بها تقول ثانية : " هل تشعر بفارق بيني أولا وبين الآن ؟ " فلم أرض ان أبعث الألم إلي نفسها فقلت : " إن هذا شيء لا أهمية له بالنسبة إلي
ونمنا تلك الليلة . وفي الصباح تركت الحجرة دون ان انظر اليها . ولما عدت في الظهيرة وجدتها كما كانت أولا ودائما ، من مادة البشر ، فلم أرغب في أن أخبرها بما حدث بالأمس حتى لا تتألم . . إنها مخلوقة آدمية أمام الناس دائما، ولكن حين ننفرد في حجرتنا أعود فأراها على هيئة ذلك التمثال الخزفي الصغير "
ويبدو لنا من هذا الخطاب كما اسلفت بعد الشقة بين روحيهما ، ويظهر الشعور الذي احس به تولستوي ازاء زوجه .
وتجد أيها القاريء رأيه في الزواج في رواية " الحرب والسلم "، وهي أولى رواياته التى كتبها بعد زواجه . قال على لسان الأمير اندرو وهو يخاطب بيير : " لا نتروج ابدا باصديقي العزيز ، هذه هي نصيحتي لك ، لا تتزوج إلى ان تقنع نفسك بأنك قد قمت بكل ما تقوى عليه وحتى تكون قد هدأت ثورة حبك للمرأة التي اخترتها، فيمكنك رؤيتها على حقيقتها . إنك ترتكب بغير هذا خطأ شنيعا تزوج حين تتقدم بك السن وتشعر انك لا تصلح لأي شئ
سوي الزواج ، وإلا فقدت كل ما هو عظيم ونبيل في شخصك . نعم - نعم لا تنظر إلي في دهشة . فاذا تزوجت ، وكنت ترجو لنفسك ان تكون ذا خطر في المستقبل ، فانك ستجيب ، وستشعر في كل خطوة ان كل شئ بالنسبة إليك قد انتهى وان الأبواب كلها قد أغلقت في وجهك . . إلا باب حجرة الجلوس حيث تجتمع بامرأة غبية جاهلة ! "
وقبل نهاية الرواية المذكورة يحدثنا تولستوي عن بيير الذي تقمص شخصيته كما تقمص شخصية الأمير اندرو فيقول : " وأصبح بيير رهن اشارة زوجته ، فمنذ أيام زواجهما الأول أعلنت ناتاشا رغباتها وأصدرت اوامرها وتولت بيير الدهشة من نظرته الجديدة التي احسها نحو زوجته ، واحس ان كل لحظة من لحظات حياته اصبحت ملكا لها وللعائلة "
وكتب تولستوي بعد ثلاثين سنة من ذلك ، في مايو سنة ١٨٩٣ ، يقول : " إني أذكر ماذا فعل ذلك الزواج بي إنه شئ فظيع !
وهكذا تطورت أفكار تولستوي عن الزواج بعد هذه التجربة القاسية . واذا به - في قصة أنشودة كروتزر - يعلن رأيه ونظريته التي اصبح يؤمن بها والتي تقول : " إن الحياة الزوجية تتسمم إذا ما قامت على علاقات متبادلة أساسها الرغبة الجنسية فقط . إن الاستسلام إلي هذه الرغبة نتيجته الدمار دائما "

