الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

تونس، بين الشرق والغرب

Share

" ٥ "

تعرض المحاضر في بدء محاضرته الى الاستقلال الذي كلل كفاح " تونس الجديدة " والى مسؤوليات الاستقلال والى المشاكل المعقدة المتعددة التى ورثها العهد الجديد عن العهد القديم فبين انه يجب حل تلك المشاكل جمعها لا بالاستناد الى مبادىء افلاس عقلية الامس في ظلمة اوهامها وجهالاتها بل على ضوء اصول العقلية التونسية الجديدة التى آلت " ان تصلب قناتها الى ان تلين الحوادث والا تلين قناتها مهما صلبت الحوادث " ثم انتهى الى مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب فقال :

. . قد تكون المشكلة التى تجمع بين كل المشاكل وتهيمن عليها فتخلط بين كل الحقائق وتحيط كل الامور بجو من اللبس القاتل مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب !

تونس بين الشرق والغرب ؟ هذا هو المشكل الرئيس ... الذي يجب علينا طرحه وتبيان بعض عناصره ومعطياته ...

هذا هو المشكل الذي يحب ان نعطف عليه بكل ما اوتينا من قوى التمييز والتبصر وبكل ما لدينا من نور الحدس كى لا تخفى علينا دقيقة من دقائقه او لطيفة من لطائفة وبكل ما لدينا من حماسة صادقة وحمية بصيرة كى يمكن لنا ان نجد له حلا لا يكون حكيما الا اذا بني بآجر الاخلاص لجميع خصائصنا الجوهرية والبر بها ...

وليس يكفى ان نحشر انفسنا فى زمرة الدراويش والمشعبذين وان ننفخ في بوق العروبة والاسلام وان نصم آذاننا دون ما ليس العروبة والاسلام لنوفق الى الحل المنجي !

فالمشكلة دقيقة ما امكنت الدقة ، معقدة ما امكن التعقيد . . ولهي تتطلب جرآة فى متفحمها وبعد نظر وعلو همة وقدرة على الابتكار والكشف واخلاصا للذات مثلما تتطلب خبرة دقيقة فى ميادين مختلفات لاشتمالها على جوانب متنوعة ناهيك انها تنطوى على معطيات تاريخية وجغرافية وسياسية واقتصادية وفنية وثقافية وخلقية وروحية ! هي مشكلة جزئية فى الظاهر ولكنها فى الحقيقة صورة مختصرة من الحضارة الانسانية فى شمولها . . ولذلك فانها تستحق تأليفا ضخما يكون تحليلا دقيقا مستفيضا يستوعب جوانبها كلها ! وقد يحتاج مؤلفه الى انوار علوم عديدة وفلسفات ليضيء كل تلك الجوانب !

فليس اذن بالاستناد الى مبادىء افلاس عقلية الامس ولا فى ظلمة اوهامها وجهالاتها ولا على نغمة قضايا دجلها وتمويهها يمكن حل هذه المشكلة ولا غيرها من مشاكلنا الحيوية ...

ان لتونس موقعا ممتازا من الناحية الجغرافية . فهي تقف فيصلا بين الحوض الشرقي والحوض الغربى من البحر الابيض المتوسط . ولهذا الموقع الجغرافي يرجع جزء غير قليل من العوامل التى جعلت من تونس أداة الوصل بين الاقطار الشرقية وغربى البحر الابيض المتوسط والمغرب العربي . لذلك كانت معبرا طبيعيا كثيرا ما عبر منه الغزاة الزاحفون شرقا او غربا . ولذلك كانت على اتصال دائم بما يجد من الحضارات على سواحل البحر الابيض المتوسط . . فانتقلت طورا بعد طور من اتصال بالفينيقيين فى عهد قرطاجنة الى احتكاك عنيف بالرومان الى اتصال بالعرب وبالاسلام الى اتصال بالاسبان الى اتصال بفرنسا والفرنسيين فى العهد الاخير... فكان لكل هذا آثاره البليغة فى نحت " ملامح الشخصية التونسة " نحتا خاصا وفى تلقيح القريحة التونسية تلقيحا متجددا مع العصور فأضحت قريحة خصبة ، ثرية ، ممتازة ، تتقد ذكاء ، وتضطرم عزما رغم ما يبدو عليها من لين العريكة ودماثه الاخلاق وحرص على الآداب واللطف وحسن المعاشرة ...

ولست مغاليا في شئ عندما اقول ان القريحة التونسية ثرية ما امكن الثراء بكنوز ذهنية وكنوز ارادية وكنوز وجدانية قد تغبطها عليها غير ما أمة من الامم التى تعد فى زمرة اعرق الامم في الحضارة ... وليس فيما اقول ما يخدش التواضع التونسي أو ما يمكن ان يلصق بنا تهمة الادعاء ... فما اقوله هو الحق ، بدليل من انجبتهم تونس من شخصيات عديدة تعد من افذاذ رجالات التاريخ فى الماضي وفى الحاضر بالرغم من انها اجتازت ظروفا تاريخية عصيبة لم تكن دائما لتساعد على ظهور تلك الشخصيات الفذة . وانه ليمكن ان يؤلف تأليف رائع عن خصب " الحقيقة التونسية " وعن كنوزها الذهنية فيكون ذلك التأليف مشاركة فى وصف الانسانية عامة بوصف نماذج من اروع نماذجها فى أعلى قممها الفاتحة !...

ومما لاشك فيه ولاخلاف ان الحادث التاريخي الحاسم الذي طبع الشخصية التونسية بطابع لا يبلى مع ممر الدهور هو الفتح الاسلامي فاضحت امة من الامم العربية لغة وادبا وفنا ، الاسلامية احساسا ومعتقدا ومبادئ وقيما !

فتونس - من هذه الناحية - جزء لا يتجزأ إلا بضرب من العسف - من الانسانية العربية الاسلامية . . . والاخلاص لذاتها يحتم عليها ان تخلص لماضيها ولما ورثته عن الماضى من لغة و آداب وقيم ... ولما بقى في قرارة نفسها وحى احساسها من رواسبة الرائعة ...

لا جدال في هذا ! فهو أمر جوهري ، وليس يمكن ان يتطرق الجدال اليه فيمس دون المساس بالذاتية التونسية وبمقوماتها الجوهرية ...

وإنما الجدال فى طريقة الاخلاص للذاتية التونسية وفى معرفة مقومات الذاتية التونسية فى حقيقتها الصافية لا فيما انطلت به من ضروب قطران الدهور وفي تسطير دائرة اتساع ذلك الاخلاص للذاتية التونسية ولمقوماتها : اين تبتدىء واين تنتهى ؟

ولنسجل فى هذا الصدد ان المشكلة لا تهم تونس فحسب بل تهم الاقطار الاسلامية كافة !...

فالهيكل الاسلامي تراكمت عليه اكداس مكدسة من الاوهام والجهالات خلال عصور افلاسه فالتصقت بعناصرة الجوهرية فاضحى البعض يظنها من الهيكل وليست منه !..

وإنه ليمكن لك ان تقول إن " الهيكل الاسلامى " اصبح له لا وجه بين الملامح ، واضح الخطوط ، بل وجوه مطموسة لست تميز دائما الجوهري منها

من العرضي ولا اللبوب من القشور ...

وليس من شك فى ان الادباء والمفكرين الاسلاميين الذين انتبهوا لذلك - دقيق الانتباه متبصره - إنما هم الادباء والمفكرون الذين احتكوا بالغرب وبالغربيين واطلعوا على طرق تفكيرهم ، ومناهج ابحاثهم ، ومذاهب فلسفاتهم ووسائل صنائعهم ، وكشفوا عن اسرار تفوقهم وهيمنتهم على شؤون الحياة وشؤون العالم !

ولست ممن يقولون بضرورة تقليد الغرب والغربيين فى كل ما يذهبون اليه وفى كل ما يصطنعونه لانفسهم من العادات والتقاليد والازياء ... لايمانى الراسخ بان " البعث الشرقى " ليس يقع عن طريق التقليد وسفه التقليد وانما يقع عن طريق يفاع الاجتهاد ورشد الابتكار واقتدار الخلق ،

فلئن دعا بعض الادباء الاسلاميين من ادباء الجيلين الماضيين الى مثل ذلك التقليد فلهم عذرهم بل اعذارهم . . لانبهارهم بالحضارة الغربية ولعدم نفاذهم الى اغوارها ولعدم تيقظهم الى ما ينخر " الهيكل الغربى " من جراثيم هدامة جعلته يشكو -هو ايضا - ازمة معنوية لا مثيل لها فأبدلت بوجوه مطموسة وجها كان نيرا فى عنفوان شبابه ونخوته !

لذلك ارى - فيما يخصنى - ان المشكل اليوم بالاضافة الى الاقطار الاسلامية عامة والى " تونس الجديدة " خاصة ليس ينحصر فى تقليد الغرب او فى عدم تقليده بل فى تصفية " الحساب الغربي " وتصفية " الحساب الشرقي " حاسم التصفية للاهتداء الى " الحلول المنجية " فى جميع الميادين !

وانى لاومن بأن " تونس الجديدة " تتمتع في هذا الصدد بمنزلة ممتازة من شأنها ان تمكنها من قدرة استثنائية على المشاركة فى تلك التصفية طريف المشاركة ! فهي تطل على الشرق مثلما تطل على الغرب ! ولهى تشعر شعور الدقة ، وشعور التمييز ، وشعور الوضوح ، بما لهذا وذاك من صارخ المساوى ومن رائع المحاسن !

وإن اهتداء " تونس الجديدة " الى " المعارج الناموسية " التى هى عندي نير معارج الشعور بالذات فى استقلال انفاسها وقداسة اشواقها ليلقى على عاتقها مسؤولية شريفة هى مسؤولية الاخلاص لجوهرى الامور وجوهرى القيم مما

هضمته رائع الهضم من هذا وذاك فاضحى لحمها ، ودمها ، وقبض احساسها ، ونور فكرها ، ونار عزمها !

وان نحن اردنا ان نجمل القول عن موقف " تونس الجديدة " من الشرق والغرب قلنا :

ان كان جوهر الشرق إنما ينحصر فيما لأعلامه الاحياء من اخلاص لجوهرى الامور من شؤون الحق والخير والجمال على نمط اخلاص الجاحظ ، وابن المقفع ، والامام الجويني ، والامام الاشعري ، وابى حيان التوحيدي ، وابن سينا ، وأبى حامد الغزالى ، وابن رشد وابن خلدون وزملائهم العديدين وفيما نمت عليه مؤلفاتهم واثارهم من تفاعل حى بين مورث القيم الاسلامية والعوامل النفسية الفردية فنحن شرقيون تجول نفوسنا فى " ابعاد فكرية " عربية اسلامية حولات الانفاس الحرة والانفاس المخلصة للذات ، في سن اجتهادها الخلاق الفاتح !

على أن هذا ليس معناه أنا نوصد أبواب نفوسنا دون تفكير الاعلام من المفكرين الاجانب ، مهما تكن جنسيتهم ، مثلما انهم لو يوصدوا أبواب نفوسهم في عصورهم الخوالي دون اروع ثمار الفلسفية اليونانية والتفكير الفارسي ، والحكمة الهندية ...

أما إذا كان الشرق ما ورثناه عن عصور انحطاطه من غباوة التقليد وضيق آفاقه ، وقصر نظره وجبنه العقلي أمام الواقع ، وتغافله عن سنن الواقع وفراره امام الاضطلاع بمسؤوليات الحياة الفكرية ورشد الحياة الفكرية فان " تونس الجديدة " ليست من الشرق ولا الشرق منها !...

فتونس الجديدة أحرص ما تكون على أن تخلص لماضيها ولما بقى راسبا في قرار نفسها من رائع رواسب الماضى ولكن مع الاخلاص لواقعها الحاضر ولاخص خصائص العصر الحاضر أعني لحرصها الجوهرى على ان توفر لنفسها فى " العالم العصري " عوامل العزة والقوة واسباب الحياة الحرة السعيدة !...

وفي هذا ما يحدد بالضبط موقفها من الغرب : فان كان الغرب بصرا بالواقع وكشفا عن نواميس الواقع وسنة عقلية صارمة تقصد إلى معرفة اسرار الواقع والى معرفة وسائل الهيمنة على الواقع ، ونظاما

دقيقا يربط فوضى شؤون الواقع فى عقد نضيد " فتونس الجديدة " من الغرب والى الغرب ترنو!...

اما اذا كان الغرب كفرا بالانسان وبقيمه العليا وصلفا يقصد الى استغلال الانسان والهيمنة على الانسان حتى عن طريق هضم الحقوق الانسانية ودوس الاخلاق في نطاق جشع الاطماع وضراوة الغرائز " فتونس الجديدة " ليست من الغرب ولا تريد ان تكون من الغرب لان عصور الانحطاط وجهالات الانحطاط لم تمح من ذاكرتها ان مشعال الشرق حمله - على حد تعبير ميخائيل نعيمة الكبير - " نبى عزيمة الارض فى رجليه وقوة السماء فى ساعديه وبهاء الحق في ناظريه ووداعة المعرفة في لسانه وحلاوة المحبة فى قلبه "

وصفوة القول فانى اومن بان " تونس الجديدة " في امكانها ان تكون في طليعة الامم الاسلامية من حيث انها تشعر - حاد الشعور - بضرورة تصفية " حسابها الفكرى " وبضرورة رفع كل ما تراكم على " الهيكل الروحى " الاسلامي من الغبار ايام عصور الانحطاط كي تحرك منه ما سكن ، وتمرن ما جمد ، وتضرم ما خمد ، وتقوى ما وهن ، وتصلح ما فسد ، وترمم ما انهدم ، وتنظم ما انصرم على ضوء ما كرعته من علوم العصر وقنون العصر في الجامعات الغربية وعلى ضوء ما يسطع فى اعماق احساسها من نجوم الحق والخير والجمال !

وانها اذ تشرع لنفسها هذا " الشرع الفكرى " لموقنة بأنها لا شرقية ولا غربية لانها تجمع - جمع الروعة - بين الشرق والغرب في ازكى معانيهما واسمى قيمهما وتستقل عن هذا وذاك اذ تخلص لاعمق مشاعرها وعرائس تفكيرها وصدفات بكر احساسها !

ولو كان لنا متسع من الوقت لبينت لكم انه ليس هنالك منافاة او تضاد بين قيم الغرب وقيم الشرق عندما نحسن تصفية حسابيهما ! وليس في الجمع بين قيم الغرب وقيم الشرق ما يمكن ان يلصق بنا تهمة الخلط الرخيص او التلفيق الشائن !

لو كان لنا متسع من الوقت لبينت لكم ان دراسة العلوم والفلسفات العصرية فى الجامعات الغربية هى التى مكنت " تونس الجديدة " من الغوص عن روائع التفكير الاسلامي والفلسفة الاسلامية .

لذلك كانت عناصر عقلية الامس اعجز الناس عن فهم التفكير الاسلامي والسنة الفكرية الاسلامية فى اروع مظاهرها واعمق معانيها واوسع ابعادها - واعجز الناس ، بالتبعية ، عن الوقوف للدفاع عنها والانتصار لقيمها . فافلاسها الصارخ فى هذا الميدان يحرمها حق الدفاع عن المباديء الاسلامية لانها اضحت لا تستطيع الاضطلاع بهذه المهمة الشريفة اضطلاع البر والتبصر ....

وذلك الافلاس يحتم عليها امرين اثنين : ان تلازم الصمت فتنتهي عن زرع بذور الفوضى والبلبلة فى العقول والأوضاع وان تتتلمذ ، من جديد ، لمحاولة إدراك ما هى غير قادرة على ادراكه الآن ....

ولو كان لنا متسع من الوقت لاطنبت القول فى شرح " الكفاح السياسي " التونسي العصري فهو يقف حجة دامغة على نضج " تونس الجديدة " بل على توفيقها الى سن شرع سياسي جديد للعالم بأسره ...

فهو " نموذج رائع " مما تقتدر عليه " تونس الجديدة " في الجمع بين القيم الشرقية والقيم الغربية بل فى صهرها فى بوتقة واحدة هى بوتقة العقلية التونسية الجديدة المخلصة لماضيها وحاضرها معا نابض الاخلاص ...

ولذلك يمكن ان نقول انه " الكفاح السنى " الذي يرضي الشرق ويرضي الغرب فى حين واحد : فهو ينم عن حنكة سياسية نادرة تدل على الخبرة الدقيقة بنواميس الواقع وسنن الواقع وعلى المعرفة البصيرة بطرق " عضو الواقع " والهيمنة على الواقع بالتغلب على عقباته وتذليل صعابه والسيطرة على حوادثه وشؤونه مثلما تدل - دلالة واضحة - على الغيرة المتقدة على الحق والعدالة والحرمة البشرية ... فلا اعوجاج فى الطرق ولا غدر ولا تدليس .... هو الحق فى صراحته وفى صرامته ... وهو الاخلاص فى اضطرامه .... وهي " الطلعة المستقيمة " فى تحديها الباطل ، وغلابها البغي ، وصراعها الشر ! ....

لئن كانت " تونس الجديدة " تتقمص فى الميدان السياسى فى شخص بطلها الحبيب بورقيبة فانه يمكن لنا ان نقول ان معجزة تونس الجديدة ، معجزة الحبيب بورقيبة ، ان احرز نصرا مبينا وليس فى يديه من العدة سوى " الهباء" .... على حد تعبيره !

من هباء من الافراد كون حزبا سياسيا عتيدا ، فأمة متحدة ، شاعرة بذاتها وبغايات كفاحها ....

هذا فى الداخل ! اما في الخارج فانى لم أكن معه إذ اختلف الى الشرق ولكنه يمكن لي الجزم -حدسا - بانه - ولا شك - اصطدم هنالك بعناصر عديدة من عناصر عقلية الافلاس الشرقي وبما فيها من رسوم الافلاس : الفوضى العقلية ، وظلمة الاوهام والدجل والتمويه ، ووهن الارادة ، والدعوى العريضة ! ...

واني لا تصوره معالجا " هباء " تلك العناصر مثلما عالج " هباء " الافراد بتونس رجاء ان يكون منها السلاح الذى سيكون له مفعوله فى ترجيح كفة الميزان يوم يجد الجد !....

واني لا تصوره - هيامي الطبع على حد اصطلاح علماء الطبع - لا ينفك يقلب الامور على جميع وجوهها ولا يفتأ يبحث عن " الثغر " الذى سينفذ فيه سهام إرادته وسنان شوقه او عن المنطقة التى سيتخذها ميدانا للوثبة الجريئة والانطلاق الفاتح !...

والسر ، كل السر ، فى اقتداره على تصريف الامور ينحصر فى الخبرة الدقيقة بالمسائل ، وفي تنسيق الوسائل والغايات ، والشعور البصير بنواميس الواقع وسنن الواقع . وبالفيصل الذى يفصل - فى ظرف من الظروف - بين " الممكن " " والمستحيل" ... وانه لفيصل عجيب لا يقر له قرار ! هو كالظل يظنه الرائي ساكنا وليس بساكن ! اعنى بذلك ان ما يبدو مستحيلا اليوم قد يكون ممكنا غدا بتوفر ما لم يكن متوفرا من الاسباب... فكان لابد لمن اراد تغيير مجرى الامور وتحوير الاوضاع ان تكون له " حاسة " خاصة بها يكون متيقظا دائما لكل ما يجد من الامور في عالم الواقع وشؤونه !

والحبيب بورقيبة اوتي من هذه " الحاسة " الشيء الكثير ... بها امكن له ان يتجسس وراء الواقع وان يتحسس مفاصلة ليعرف ما يجب اعداده من العدة لتحقيق ما تطمح اليه نفسه الكبيرة وليدرك " متى " يجب الاندفاع و"متى" تحق الوثبة الجريئة و"متى" يجب التريث والانتظار ... وبها امكن له ان يجمع بين الاضداد :

حذورا في ظروف ، جسورا فى ظروف ... وهو سر الاخطاء التى كثيرا ما وقع فيها الناس خلال اطوار كفاحه فرماه البعض حينا بالتهور ورماه البعض حينا آخر بالغلو فى الاعتدال ... ولكنهم هم الذين لا يفقهون لانهم لا يتمتعون - بما يتمتع - من انوار تلك " الحاسة " التى تفصل بين " الممكن " والمستحيل " اثناء سير الحوادث !. . .

وهل تظن المتنبى وصف شخصا آخر غير الحبيب بورقيبة او شيئا آخر غير تلك الحاسة اذ قال :

"ذكى" تظنية طليعة عينه : يري قلبه في يومه ما ترى غدا ؟ "

ولا ريب ان تلك الحاسة اذا ما توفرت لشخص وكانت له ارادة حديدية تقوى على قلب ما يجب قلبه وتصبر على ما يجب الصبر عليه من المحن وتثابر على العمل لاعلاء كلمة ما تريد اعلاء كلمته من المثل العليا فان الواقع لابد خاضع - طال الزمن ام قصر - لما تريده تلك الحاسة وتلك الارادة وذلك الصبر وتلك المثابرة ويكون ما لابد ان يكون : ان تمتلىء الاجواء الانسانية بفواح عطور البطولة الحق وان يصهر الواقع بنار البطولة الحق فتثب الانسانية وثبة الحياة فى ظل الحق ويحس البشر احساسا قويا بان صفحة من صفحات الابداع قد تمت اضافتها الى قديم صفحات الابداع فى الوجود . وتتالق نجمة جديدة فى سماء تونس .

ومجد الحبيب بورقيبة أن كان تلك النجمة الجديدة في سماء تونس .

ولست ادرى هل يعرف الحبيب بورقيبة أنه اكتشف من جديد - عن طريق حي تجاربه النفسية وعن طريق كفاحه السياسي الجزيل زبدة السنة الاسلامية فى اخص خصائصها : من تيقظ وسنن الواقع ومن تجسس على"مفاصل الوجود " للهيمنة عليه ومن حرص على الحق وسنن الحق ومن ايمان بان " الحق " هو العمود الفقرى بالاضافة الى " الطلعة المعنوية " الانسانية فى صدق اندفاعاتها ونخوة تحدياتها ومن ايمان !... بالايمان الذي يقلقل الجبال !...

فى هذا على كل حال سر استشهاده - دائما - بالاحاديث النبوية وبآي القرءان فى خطبة ... وان ظن البعض انه يتملق بذلك احساس العوام ... ولكنهم هم الواهمون !...

وبعد فهل تظنونني حدثتكم عن الحبيب بورقيبة وعن كفاحه السياسي وعن نصره المبين ؟

الحقيقة هي اني حدثتكم عن " نموذج حي " محسوس مما لوحت اليه فى غضون المحاضرة عن اقتدار " تونس الجديدة " على ان تذيب فى عقليتها الخصبة المضطرمة الجديدة خصائص الشرق وخصائص الغرب معا فتجمع بين هذه وتلك جمع الروعة وجمع الطرافة !...

وانى لاومن - فواح الايمان عميقه - بان " تونس الجديدة " لا يمكن لها ان تخلص لماضيها ولقيم ماضيها ولحاضرها ولاشواقه الحاضرة الا اذا ما وفقت الى الاخلاص لما فى نفوس ابنائها الاحياء من كنوز ذهنية وكنوز ارادية وكنوز وجدانية هى " رأس مالها " الذى لا يبلى وعربون مستقبلها الزاهر ! ...

واني لاومن - راسخ الايمان - بان المشكلة التى حاولت استخلاص بعض عناصرها : مشكلة اتصال تونس بالشرق والغرب ، هى مشكلة تربوية فى جوهرها لذلك ليس يمكن لي فى خاتمة هذا الحديث سوى التلويح تلويحا خاطفا كالبرق الى المسؤولية المرهقة الملقاة على عاتق وزير التربية ....

فاصلاح نظمنا التربوية اصلاح الحكمة واصلاح البصر بدقائق التربية وبمهامها هو الذي سيمكن " تونس الجديدة " من العناصر الفاتحة عناصر الاضطلاع باعباء الاستقلال ورشد الاستقلال فى نطاق الاخلاص لانسانيتنا الطريفة :

اشترك في نشرتنا البريدية