في الأمس القريب ، قررت حكومة باريس نهائيا عدم السماح لسمو الباي التونسي " محمد باشا المنصف " ، المنفي اليوم في جبال " الرنيه " الفرنسية ، بالعودة إلى وطنه ، والاستواء ، من جديد ، على عرشه . وأبلغت ذلك القرار للباي وللشعب التونسي معا ليقطع كل منهما حبل الأمل الموصول باللقاء . ومنذ اسبوع ورد على مكتب المغرب العربي رسالة مختلفة بالحزن والأسف ، يقول فيها صاحبها إن السلطات الإدارية في فرنسا قد ضيقت الخناق على العاهل السجين ومنعت الناس من الاتصال به ، وهي مزعمة على نقله من محل منفاه الحالي إلى مكان اخر بعيد منقطع ، وهي تحاول إكراه بكل الوسائل على التنازل عن حقه في عرش تونس الخضراء
وكان لهذه الانباء وقع سئ في نفوس المهتمين بشئون هذا البلد العزيز ، وهم يعرفون مقدار تعلق أهلهم الشعبي المخلص لقضية بلاده ، ويعلمون بأن خلعه عن عرشه كان على غير حق ومخالفا لنصوص معاهدة " بادرو " التونسية الفرنسية ، وعللوا هذه التدابير التي اتخذتها حكومة فرنسا بأنها نتيجة لحادث التجاء الأمير عبد الكريم إلي مصر . وقال بعضهم : بل كان ذلك على أثر أزمة الطواقة العربية " فوزية " ونري الشخصيات التونسية المقيمة في القاهرة ان السبب في ذلك هو نداء كان ارسله الباي
" المنصف " إلي شعبه يشكره على ولائه له وتعلقه بشخصه وينصحه بالاعتصام بعروة الوحدة والعمل على طلب الحرية وفك هذه القيود الاستعمارية الآخذة بالسوق والأعناق .
ومهما يكن من الأمر فإن لهذه الحوادث كلها أثرا في اتخاذ هذا التدبير القاسي من قبل الحكومة الفرنسية ضد شخص لم يسئ إليها ، في عرف الحق ، بيده ولا بلسانه . غير أن السبب الرئيسي لكل ذلك أمر آخر هو في الحقيقة مخاوف فرنسا من نشاط الحركة الوطنية التونسية في داخل البلاد وخارجها . وما كان هذا النشاط نتيجة للتمخض العالمي وتطور النظريات الاجتماعية والسياسية فحسب ، بل وحلقة من سلسلة جهاد طويل ضد الاستعمار والاضطهاد دام ستة وستين عاما ، هذا مخصه :
اعتاد المؤرخون الفرنسيون في حديثهم عن الاستعمار التونسي ، الرجوع إلي عام ١٨٣٠ يوم بدأ غزوهم للجزائر وأصبحت تونس مطمح انظارهم لتثبيت نفوذهم في شمالي أفريقيا . وكان يزاحمهم في ذلك كل من إيطاليا وانكلترة مع الاعتراف بالنفوذ الشكلى للدولة العثمانية التي كانت ترسل جزءا من اسطولها كل عام إلى المياه التونسية بزيارة قصيرة رمزا لهذه السيطرة الأسمية
ولم يكد الباي أحمد ( ١٨٣٧-١٨٥٥ ) يطلب من فرنسا بعثة عسكرية لتنظيم جيشه ، وبعض المهندسين
للأشغال العامة حتي كتب القنصل الفرنسي " لاجو " لحكومته عام ١٨٤٥ يقول : " اؤكد اليوم بأننا قادرون على الاستفادة من الظروف في امتلاك هذه القطمة الافريقية دون أن تقف في وجهنا عقبة من العقبات " .
وكان الباي أحمد هذا متلافا مبذرا ساق البلاد إلى ازمة اقتصادية عنيفة كاد من جرائها أن يأخذ من فرنسا قرضا عظيما لولا تدخل الدول الأخرى في الأمر خوف نتائج هذا القرض . ولم يقدر خلفه ، الباي " محمد باشا الصادق " ( عام ١٨٥٥-١٨٨٢ )على إيقاف هذه الفوضى الاقتصادية التي ساقت البلاد أخيرا إلي المجاعة والأمراض والأوباء حتى تشكلت لجنة دولية لهذا القرض في ٥ يوليو عام ١٨٩٦
ولما تحسنت الحالة على يد محممد الصادق وأجريت بعض الإصلاحات الدستورية والإدارية ، غمرت تونس موجة تأثيرات أجنبية خلقها الصراع الدولي على استعمارها وبدأت الشركات تتزاحم على أبواب البلاد لأخذ الامتيازات والعمل في داخل البلاد باسم التعمير والرقي . فأخذت بعض الشركات الفرنسية امتيازات لمد الخطوط الحديدية عام ١٨٧٧ ووضعت شركات إيطالية أيديها على مشاريع التلغراف ولم تحرم بعض الشركات الإنكلية من نصيبها في ذلك
وأمام غمرة هذا الصراع الاستعماري علي أبواب تونس شغل الباي ووزراؤه بإدارة دفة التوازن والمطامع الدولية المحافظة على سلامة البلاد ، وأهملوا تقوية الدفاع الوطني وتسليحه . وكان من سوء الطالع أن احتلت انكلترة جزيرة قبرص فصرح الوزير البريطاني في مؤتمر برلين عام ١٨٧٨ بأنه لا " يعارض في توسع نفوذ فرنسا في تونس " . فزاد هذا التصريح رغبة فرنسا في السيطرة على هذا القسم الإفريقي ، غير أن رئيس حكومتها " جامبيتا " لم يرغب في خلق مشكلة خارجية وهو يعالج أزمة داخلية شديدة . أما السلطات المحتلة للجزائر فكانت تلح بإصرار على هذا
الفتح ، وما زالت حتى خلقت جوا مناسبا لذلك ، فحدثت مناوشات على الحدود (الجزائرية - التونسية) التحمت فيها قبائل جبل " خمير " التونسية مع بعض الحاميات الفرنسية الجزائرية ، واستمرت المناوشات بين الطرفين زمنا حتى وجدت الحكومة الفرنسية الفرصة للغزو . فأرسل وزير خارجية فرنسا في ٢٦ يونيو عام ١٨٨١ احتجاجا إلي الدول الأوربية على تعديات القبائل التونسية ، وشكا حكومة الباي من عدم التدخل في حفظ الأمن . فلما امنت فرنسا جانب التدخل الإينكليزي ، وحصلت على رضى المانيا بفتح تونس اقر البارلمان الفرنسي في ٤ إبريل عام ١٨٨١ اعتمادا ماليا يصرف لإرسال قوة تحافظ على سلامة الحزائر
وفي ٦ أبريل عام ١٨٨١ بعث القنصل الفرنسي " روستان " باسم حكومته مذكرة للباي التونسي يقول فيها : " ستدخل الجيوش الفرنسية تونس كحلفاء ومساعدين لسلطة الباي وتتعاون معها في معاقبة القبائل المخلة بالأمن فثارت ثائرة الباي محمد الصادق وأرسل قوة من ثلاثة آلاف مقاتل ، وزحفت الجيوش الفرنسية داخل الأراضي التونسية بواحد وثلاثين الف جندي بكامل معداتهم فالتقت بقبائل جبل " خمير " .
ودارت معارك طاحنة في " السكاك " وغيرها ، ولم يجد الباي مساعدا من الدول الأجنبية . واكتفت الدولة العثمانية بإرسال جيش إلى طرابلس . ولم تقدر قوات الباي على المقاومة ، واستمرت الجيوش الفرنسية في الزحف رغم مقاومة القبائل المستمرة لها حتى احتلت بمساعدة اسطولها سواحل تونس كلها ثم تغلغلت في وسط البلاد ، وبقي الجنوب عاصيا متمردا رغم الإمدادات المتوالية القادمة من فرنسا .
وأخيرا تقدمت القوات الفرنسية نحو مدينة تونس وحاصرتها وارغمت الباي محمد الصادق على توقيع معاهدة الحماية فوقعها في قرية " بادرو " في ١٢ مايو من عام ١٨٨١
كان لتوقيع هذه المعاهدة صدى قوي في الأوساط الخارجية سقطت من جرائه وزارة إيطالية ، وتشكلت اخرى مكانها لم تعترف بهذه الحماية حتى عام ١٨٨٤ . واكتفي الباب العالي بالاحتجاج .
أما في الداخل فقد أشاع الأحرار الوطنيون بأن الباي قد باع البلاد لفرنسا فتجددت الثورات في جبل ( خمير )وفي (سيدي بن جميل ) وفي كل بقعة من بقاع تونس . وكان من أشد هذه الثورات وأقواها مراسا تلك التي نشبت في جنوب البلاد بزعامة ، على بن خليفة " الذي أقلق الفرنسيين بخفة فرساته وسرعة تنقله حتى عام ١٨٨٥ حيث لقي حتفه مجروحا في أراضي طرابلس الغرب . ولم تهدأ عاصفة الثورات المسلحة التونسية ومحاولة تحرير البلاد ، حتى عام ١٩٠١ بعد ان كلفت فرنسا إبقاء جيش من خمسين ألف جندي ونفقات بلغت أربعة واربعين مليون فرنك من الذهب .
لم تشمل معاهدة الحماية هذه غير عشر مواد غامضة كل الغموض تثبت اقدام الفرنسيين في البلاد التونسية إلي الأبد . وأهمها المادة الثانية التي تنص على ما يلي :
" لأجل القيام بالتدابير التي يجب على الدولة الفرنسية اتخاذها للوصول للغرض الذي يقصده الطرفان الساميان المتعاقدان فقد رضي سمو باي تونس بأن محتل القوات الفرنسية المراكز التي تراها صالحة لتحقيق النظام والأمن على الحدود والسواحل . وينتهي هذا الاحتلال عندما تتفق السلطتان الحربيتان الفرنسية والتونسية وتعترقان بأن الإدارة المحلية قد أصبحت مقتدرة على المحافظة على دوام الاستقرار والأمن العام " .
ولسنا في مجال تفسير هذه المادة الواضحة القيود ، وحسبنا ان نشير إلى نقطتين فيها هما : ( ١ ) لم يتشكل منذ عقد هذه المعاهدة حتى اليوم سلطة حربية تونسية ليتحقق هذا الشرط الوحيد لإزالة الاحتلال . (٢) لم تعترف
فرنسا حتى الآن ولن تعترف ، على ما يظهر ، بأن الإدارة المحلية قد اصبحت قادرة على المحافظة على دوام الاستقرار والأمن العام اللذين لم يضطربا مطلقا في هذه البلاد ، وإنما كان اضطرابهما حجة من نسج خيال القوي الظالم على الضعيف الآمن
وفي ٨ يونيو من عام ١٨٨٣ فرضت السلطات الفرنسية على تونس اتفاقية مالية من خمس مواد تضع زمام اقتصاديات البلاد وماليتها بيد الحكومة الفرنسية ، واجبرت الباي " على باشا " على توقيعها في مدينة " المرسي " .
ولما تم لها كل ذلك راحت تحكم البلاد كما تشاء ، وتلعب بمقدرات هذا الشعب كما تهوي .
لقد كان في الدولة التونسية قبل الاحتلال نظام إداري رزين متزن تحت إشراف وزراء من الوطنيين فجعلت فرنسا مندوبها " المقيم العام " وزيرا خارجيتها وعينت المالية والزراعة والتجارة والأشغال والبريد والمعارف رؤساء فرنسين ولم تسمح للوطنبين إلا بوزارة الداخلية على أن يكون بجانب هذا الوزير ( مستشار ) فرنسي يكون هو الكل في الكل ولا أثر لنفوذ الوزير بإقتراحاته وتصرفاته ، وسمحت بعد أعوام طويلة بأن يكون وزير العدل وطنيا ولكن تحت نفوذ مستشار فرنسي . وفتحت المحاكم الفرنسية بجانب الشرعية للنظر في كل ما يتعلق بشئون الفرنسيين . ووضعت إدارة الشرطة والأمن بأيد فرنسية ، واحتفظت بحق تعيين المساعدين لرؤساء البلديات من الفرنسيين ووضعت ميزانية البلاد التونسية تحت إشراف وزارة الخارجية الفرنسية ، وأخيرا قيدت بعض ذلك بمجلس شوري تتشكل أكثرية أعضائه من الفرنسيين ، على أن لا يجوز لهذا المجلس مخالفة ما تقرره الحكومة الفرنسية إذا أرادت تنفيذ شئ من ذلك .
وأخيرا وضعت ممتلكات الدولة تحت إشراف إدارة فرنسية تسمى " إدارة الفلاحة " وقد باعت هذه الإدارة
قطعا للفرنسيين من اخصب الأراضي التونسية وبأثمان بخسة وبدون مناقصة
أما التعليم فقد جاء في الإحصاء الأخير لعام ١٩٤٥ ان لكل عشرة آلاف تونسي مدرسة ولكل خمسمائة فرنسي مقيم في تونس مدرسة على حساب البلاد
لقد ذاق الشعب التونسي الأمرين من هذا الاحتلال الثقبل فناء تحت قيوده الاستعمارية ، غير أنه لم يلق سلاح الدفاع عن كرامته ولم يستسلم لقوة الاضطهاد ، فجاهد بالسلاح والأنفس وقاوم الطغيان بكل ما أوتي من وسائل نظامية منذ سنة ١٩٠٤ حيث تكونت لجنة " الشبان التونسيين " وتحت لواء (الحزب الدستوري ) المتشكل عام ١٩١٩ ، وفي حظيرة ( الحزب الدستوري الجديد ) المؤسس عام ١٩٣٤ . وقد لاقى اعضاء كل هذه المؤسسات وغيرها انواع الاضطهاد من سجون ومناف وألام في سبيل حرية هذا الوطن العربي الجميل .
كانت هذه الحركات الحزبية كلها شعبية بحتة ، ولم يكن في للبلاط التونسي يد فيها ، وكان الشعب التونسي بائسا من معاونة سلطانه طوال هذه المدة ، حتى كان شهر يونيو عام ١٩٤٢ فارتقي العرش الباي " محمد باشا المنصف " فاحتضن الفكرة القومية وضم الشعب تحت جناحه وراح يشارك أبناء بلاده الآلام والعطف على القضية التونسية ، فلاقي منهم جزاء ذلك حبا وتفانيا للعرش . فلما احتل اللالمان تونس خلال الحرب الأخيرة بقي هذا السلطان على الحياد ينتظر نتيجة الحرب . وبعد انهزام الألمان من البلاد وعودة الفرنسيين إليها من جديد بمساعدة الحلفاء لهم لم يرقهم شعور هذا الباي الوطني وخافوا من نفوذه وتكتل الشعب حوله ، فانتزعوه وهو مريض من عرشه في ١٤ مايو عام ١٩٤٣ وقلوب الشعب متعلقة به ، وساقوه إلى المنافي البعيدة في قلب الصحراء ، ثم نقلوه من من منفي إلى آخر حتى استقروا به أخيرا في مدينة (بو)الفرنسية على جبال (البرنيه)
فمكت فيها رغم مطالبة الشعب التونسي الحارة بإعادته ،حتى كان ما كان من قرار الحكومة الفرنسية الأخير بمنع هذا العامل الملخاص من العودة إلي وكره ، وحرمان ابنائه من عطفه وصادق إخلاصه لهم .
