الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

تونس على عتبة الديمقراطية

Share

تجتاز تونس اليوم مرحلة من اخطر مراحل تطورها وأغناها أحداثا وأبعدها اثرا وهي مرحلة وسط بين عهدين متباينين كأشد ما يكون التباين العهد الاول عهد مظلم اقتم كان الشعب التونسي فيه يناضل دون وجوده كبشر وستميت في الكفاح من اجل حرمته كشعب لقد مر عليه حين من الدهر كادت مطامع الذئاب فيه أن تبيده وتأتي عليه وتجعله هباء منثورا . لكنه غير ما بنفسه فغير الله ما به وساعده على الانتصار فى معركته ضد قوى الموت والفناء. وهو اليوم يجنى اولى ثمرات كفاحه ويعترف له - مع ما فى هذا الاعتراف من احتراز وقتى وتضييق زائل - بأنه شعب رشيد اهل لان يسوس نفسه بنفسه ويخط طريقة بمحض ارادته .

وهكذا يبدأ العهد الثاني . عهد البناء والتشييد وعهد تقرير المصير . كنا نعمل عملا متواصلا لتهديم هيكل متداع يحاول سدنته تأخير المحتوم بالتلفيق والترميم ونسعى الى تغيير واقع مؤلم جملة لا تفصيلا ، واليوم وقد تم شيء من ذلك واجب علينا ان نتمثل ذلك الهدف الذي كنا نرمي اليه وان نضع معالم لذلك الطموح الذي كان يحدو بننا فيما نأتي من الاقوال والافعال . أو قل انه واجب ان نضع " مثالا " للبناء الذى نريد تشييده ، مثالا يكون صورة لمكانتنا في الحاضر والمستقبل وشاهدا على مجدنا وعزتنا وعربونا على مضينا فى طريق الامم المتحضرة النيرة .

نونس تمر اليوم - اذن - بمرحلة وسط هي نهاية عهد أظلم غير مأسوف على زواله وبداية عهد نريده جديدا قولا وفعلا .

ولعل أهم ما يلفت النظر مما جد في هذه الآونة بهذه البلاد أمران : الامر الاول هو تونسة السلطة التنفيذية وزوال ما كان يعوق عملها من

تأشيرات وغير تأشيرات سفيرية وغير سفيرية .

والأمر الثاني هو الاعتراف للشعب بأنه صاحب السيادة والمقرر الوحيد لمصيره . ذلك ان ملك البلاد تفضل - أيده الله - فأذن بانتخاب مجلس تأسيسي وظيفته وضع دستور للبلاد .

وهكذا يصبح الشعب مصدر السيادة وصاحب السلطة التشريعية وبالتابع السلطة التنفيذية بحيث تصير إراداته هي القول الفصل وتضعف القيود المتبقية وتتضاءل كما يتضاءل نور المصباح عندما تضئ الشمس .

كل ذلك يدعو الى الابتهاج ويحمل على التفاؤل وينبيء يخبر ، ما من شك في ذلك . لكن على شرط أساسي هو ان نعتبر الاستقلال والانتخابات والدستور ... أداة لا غاية ، وان ننظر الى كل ذلك كوسيلة الى شيء آخر هو الذي يتعين ان نفكر فيه ونحرص عليه .

فالخطر كل الخطر ان يقنع الشعب بالكلمات دون الحقائق ويستعني بالمظهر عن اللب ، الخطر الذي بهدد الامم الفتية هو اعتبار هذه المنشآت الحديثة كالبرلمان والدستور والوزارة المنسجمة والاستقلال .... غاية تطلب فى حد ذاتها وتقصد لنفسها ، والتغني بها دون ما كان مفروضا أن توفره للشعب من سعادة حقة ورفاهية كاملة وازدهار شامل .

فالخطر الذي يهدد الامم الفتية - وخاصة ما كان مستعمرا منها - هو اعتبار الاستقلال والبرلمان وغيرهما مما هو موجود في الدول الكبيرة ... حلية يتباهى بها المواطنون كما تتباهى النساء الجاهلات بحليهن فى المحافل .

ان الدساتير والانتخابات والوزارات وشتى الدواوين الحكومية - ان هي لم تعتبر وسيلة - لا تغني الشعوب غناء ولا هي بالعصا السحرية التي تقلب الحجر ذهبا وتحول الجهل نورا والجوع شبعا والشقاء سعادة ونعيما .

وادا صح ان العاقل من آتعظ بغير ، فواجب علينا أن ننظر الى تاريخ الامم ونستخلص منه العبر . فالشرق العربي مثلا أصيب باستعمار بغيض مثلما أصبنا نحن وقد ضحى التضحيات الجسام في سبيل استقلاله وفي سبيل التمتع بشيء يسمى

برلمانا وبشئ يسمى انتخابا أو دستورا . حتى ادا كان له جانب من ذلك حمد الله على نعمته واعتبر نفسه اصاب الهدف وحقق الامل وهو اليوم يدرك فى شيء من المرارة والالم ان مرحلة اخرى كبيرة فى طريق السعادة الحقة يجب عليه اختيارها ، بذلك يشهد ما نلاحظه من حوادث وأحداث فى هذه السنوات العشر الاخيرة وما نطالعة من كتب خالد محمد خالد وطه حسين وغيرهما فى مصر ومن مجلات لبنان خاصة ومؤلفات ابنائة الكثيرة ... واليك على سبيل المثال جملة مما قاله طه حسين في كتابه ( بين بين ) بلهجته الناقمة الساحرة : " فى اوروبا وزارات منظمة فيجب ان تكون فى مصر وزارات منظمة لتصبح مصر كأروبا سواء أعملت الوزارات المصرية كما تعمل الوزارات الاوروبية ام اكتفت بوجودها ليعرف العالم ان مصر ليست اقل من اوروبا تقدما ولا رقيا .

وفي أوروبا دساتير مكتوبة تنظم ما للشعب من حقوق وما عليه من واجبات فيجب ان يكون لمصر دستور مكتوب ينظم ما للمصريين من حقوق وما عليهم من واجبات . وليس ضروريا أن ينفذ الدستور في مصر علي وجهه ولا ان تحترم الحريات التي يكفلها للناس ولا ان تجري الحياة البرلمانية نقية من كل شائبة مبرأة من كل عيب ولا أن يذهب الشعب الى حيث ينتخب ممثليه حرا آمنا على ضميره من ان يعبث به الترغيب او الترهيب ولا ان يؤدى النواب او الشيوخ واجباتهم في مراقبه الحكومة ومحاسبتها احرارا آمنين على ضمائرهم ومصالحهم القريبة والبعيدة ولا ان تقف الوزارة امام البرلمان موقف المسؤول عن اعماله بالفعل ولا ان يثق البرلمان بالوزارة فتبقى ويسخط عليها فتزول ليس شيء من هذا كلة ضروريا وانما الضروري الذي لا يصح الاغضاء عنه ولا التقصير فيه هو ان يكون لمصر دستور مكتوب كما ان لكل بلد راق فى اوروبا دستورا مكتوبا ! "

وهل أبلغ من هذا الكلام وأدل منه على ذلك المرض الذي يهدد الامم الفتية وينخر عظام الدول الكبيرة نفسها عندما تبلغ تمامها وتأخذ فى الانحدار ؟ والذي نستنتجه من كل ما تقدم ونأمل ان يعيه مواطنونا كامل الوعي هو ان الاستقلال وما يستتبعه من وزارة منسجمة وآنتخابات ودستور ... انما هو وسيلة

الى تحقيق الدمقراطية بأتم معناها وأشمل قيمها وباعتبارها النظام الوحيد الذي يوفر السعادة المادية والمعنوية للجماعات البشرية .

والشعب التونسي - فيما اعتقد سوف يطوي المراحل طيا ويستفيد من تجارب الامم الاخرى الشقيقة وغيرها وسوف ينظر الى الانتخابات المقبلة التي لا تفصلها عنه الا بعض اسابيع نظرة جدية واعية ، فيقيم الدليل القاطع على انه بلغ سن الرشد .

وواجب الذين ينتسبون الى الثقافة في هذه البلاد أن ينيروا السبيل أمام الشعب وان يوضحوا مفاهيم الدمقراطية ويضبطوا اركانها حتى تتحقق كاملة صحيحة سالمة من التقائص والعيوب

اشترك في نشرتنا البريدية