(يقدم لنا الكاتب الفاضل هذه الصورة الجميلة ليؤكد بها فكرته أن الفنان إما أن يبلغ من فنه درجة الكمال فينجح فيه نجاحًا تامًا ، أو أن ينفض يده من فنه - فماذا يرى القارئ فى هذا الرأى؟) " الثقافة "
تسألنى يا صديقى رأيى فيما اعتزمت ؛ ولكنى أعرف سلفًا أنك إنما تسألنى لا لتنتصح برأيى ولكن لأوافقك على رأيك . لن أجيبك ب " لا " أو ب " نعم " وماذا تريدنى أن أقول لك وأنت تصر على أن تعيش للفن ؛ لقد وضعت الموسيقى أمامك هدفًا ، ولم تختر آلة موسيقية سهلة الأداء ، سريعة التعلم ، مضمونة النتيجة ، ولكنك اخترت الكمان ؛ لماذا ؟ لأنك معجب بموسيقى المرحوم باجانينى الخالدة ! لن أوافقك ولن أعارضك . لن أشجعك ولن أثبط من عزمك ! ولكنى فقط سأعرض عليك حياة رجل أراد مثلك أن يكون باجانينى آخر . . وانتهى إلى . . ولكن لنبدأ من البداية .
حدث هذا منذ أعوام . . كان الفصل صيفًا والوقت مغربًا عندما كنت أمر بعد طول مسير على قهوة " على بابا " بميدان قصر النيل . فأوحت إلى موائدها الشاغرة على الرصيف بأنى تعب . فعرجت على إحداها وطلبت كوبًا من شراب البرتقال ونثرت صحيفة كانت بيدى وجعلت أتصفحها . ومضى الوقت وأضيئت الأنوار وازداد المكان ازدحامًا حتى لم يبق مقعد خال لقادم جديد . وكنت أجلس إلي مائدة لشخصين ، ورأيت شابًا يتردد فى أن يطلب منى السماح له بمشاركتى مائدتى ، فدعوته مبتسمًا ، فجلس فى صمت بعد أن ابتسم لى شاكرًا . وعدت إلى جريدتى أتصفحها أو أختلس نظرة سريعة إلى الزبائن الذين كان قد ازداد صخبهم وضجيجهم ، وإلى الجرسونات الذين كانوا يسعون بصعوبة بين الموائد والكراسى التى تكاد تسد عليهم مواطئ أقدامهم .
وسمعت ، رغم ضوضاء العربات والترام ، صوت كان آت من بعيد بلحن أعرفه ، وهو مقطع مشهور لباجانينى :
" رومانس " وظننت أحد المبتدئين لرداءة التوقيع ، يعبث بقوس الكمان على أوتاره فى منزل قريب . ولكن الصوت كان فى اقتراب حثيث ، مما جعلنى أسيغ السمع محاولًا معرفة مصدره . ولاحظ مشاركى فى المائدة أننى أنثنى يمينًا وشمالًا ، فانفرجت شفتاه لأول مرة :
- إنه آت من هذه الناحية . وأشار إلى يمينى . وقلت : - من ؟ - ألا تعرفه ؟ ! قالها مستغربًا وكأننى فى نظره المتأخر فى معلوماته العامة ! - لا . - يلوح لى أنك هنا لأول مرة .إنه " تيانو " ياسيدى . ولم يلبث تيانو أن ظهر .
كان طويلًا نحيفًا فى بذلة سوداء لا بد أنها كانت فى يوم ما سموكنج رغم هذه الرقعة الكبيرة البنية اللون فوق ركبته اليسرى ، والفتق الطويل فى جانب سترته الأيمن . وكان قميصه فى الأصل أبيض ولكن وقد سقطت عليه قطرات من المشارب وفتات المآكل تبرقش هنا وهناك ببقع سوداء وداكنة . وكانت تدلى من عنقه المعروق ربطة سوداء ضخمة كالتى يلبسها الفنانون العظام ؛ أما وجهه فكان مستطيلًا جعدًا ، وخداه متهضمين . وجبهته مقضضة وعيناه غائرتين . أما شعره . الذى امتزج " فاعله بملحه " كما يقول الأوربيون ، فكان أملس طويلًا ينهدل دون ضابط على قفاه وعلى عارضيه الذين أطلق شعرهما بغزارة حتى منتصف خديه . وكان حليقًا ذا شفتين رقيقتين حساستين ... جافتين .
آه . لو أنك رأيت تيانو هذا المساء أو أى مساء آخر ؛ لو أنك رأيته يحرك وجهه وحاجبيه ، ويغمض عينيه أو يفتحهما ، ويمط شفتيه ، وينثنى ويتمايل مع كمانه القديم الذى وضعه بإعتزاز تحت ذقنه ؛ إنك لتظن أوتار قلبه تهتز باهتزاز أوتار كمانه ، فقد كانت تنطلق أسارير وجهه عندما كان يؤدي لحنًا لطيفًا ضاحكا ، وكأن الملحن قد مسه مسًا رقيقًا ، ولكن عندما كان يقوى اللحن ويتحمس يلوح كأن شيطانًا قد ركبه . فيتعقد وجهه ويندفع رأسه إلى الأمام أو إلى الخلف بقوة ، فينتفش ويتطاير شعره الطويل فى كل سبيل فيغطى جبهته وعينيه ، بينما جسمه كله يتلوى وأصابعه تتشنج على القوس وعلى الأوتار ، بينما يدق الأرض بحذائه الأسود البالي دقًا ، كأنه مارد يدك الأرض دكًا .
كان وجهه على العموم حزينًا ، يعبر كل خط فيه عن الألم . وكنت ألمح فى عينيه آثار الدموع . إنك لتري فى أصابعه النحيلة المعروقة الجوع والفاقة ، وفى قوامه الهزيل الدقيق الحرمان والحاجة .
وانتهي اللحن ودلى تيانو كمانه من رقبته فى كردون مثبت فى طرفيه . وأخرج من جيبه قبعة مطوية دس فى تجعيدتها قبضة يده ، فانتفخت ، وأمسكها فى يد بينما أمسك بالأخرى قوس كمانه ، وجعل يطوف بين المقاعد مادًا قبعته بين الجالسين بساعد منكمش متردد وقامة منحنية فى ذلة وانكسار ، وعلى شفتيه ابتسامة مستعطفة كمن يود أن يسأل " حسنة لله " وكان كلما ألقى فى قبعته بقرش أو بنصف قرش ينحنى لملقيه ويثنى رقبته إلى اليمين وإلى الشمال امتنانًا ويبتسم - ابتسامة مؤلمة - وهو يقول : مرسى مسيو ! مرسى مدام وانتهى طوافه بقبعته فطواها بما ألقى فيها وأعادها إلى جيبه ، وتسرب من زحمة الرصيف إلى الشارع ثانية . عندئذ خلع كمانه عن رقبته وأعادها إلى ذقنه ومضى فى طريقه يلعب نفس المقطوعة التى كان يلعبها منذ قليل ، حتى تلاشى صوت الكمان شيئًا فشيئًا فى ضجيج الترام والعربات .
وكان زميلى على المائدة يرقبنى . - أعرفت تيانو ؟ . - إنه يعيد لحن " رومانس " ! - وسيعيده كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم من أيام
حياته . إنى من رواد هذه القهوة منذ عشر سنوات . ولابد أن تيانو كان يطوف هنا من عشرين سنة ، إذا صدق الجرسون ، وفى كل يوم من هذه الأعوام العشرين كان تيانو يعزف نفس اللحن ، لا يكاد يلعب سواه . إنى أعرف قصة الرجل ، فقد قصها على الجرسون .
- يسرنى أن أسمعها . قال رفيقى :
" كان تيانو ، وهو إيطالى المولد ، واحدًا من هؤلاء الحيارى فى الحياة الذين يبحثون عن معنى لحياتهم ، وعن الغرض الذى من أجله ولدوا . كان فى البدء صرافًا ناجحًا فى توريتو بإيطاليا ، ولكنه كان يحس فى قرارة نفسه أنه لم يخلق لإحصاء النقود ؛ وكان لهذا برمًا بكل شئ . ضيقًا بكل شئ ، فدفعه شبابه فى الخامسة والعشرين إلى المغامرة وكان قد ادخر من عمله مالًا ، فرحل إلى ميلانو ليبدأ حياته من جديد . وقد كان منذ طفولته يهوى الموسيقى ، وكان عضًوا فى فرقة المدرسة الموسيقية . ولكن هوايته القديمة كانت قد انطمرت عندما انتظم فى مدرسة التجارة ليصير بعدئذ صرافًا . وعندما ظهرت هوايته القديمة من جديد أحس أنه لابد من العودة إلى الموسيقى ليشبع حاجته إلى الفن ، كما كان لا يفتأ يقول . وهكذا رحل تيانو إلى مدينة الفن الإيطالية ليدرس الكمان ، رغم معارضة أهله وتعنيفهم إياه ، يحدوه الأمل ويدفعه الرجاء . وابتاع كمانًا جديدًا ، واختار فى ميلانو غرفة حقيرة على السطح تكاد تخلو من الأثاث ليدخر كل ليرة " للبروفيسور " الذى فاجأه عند أول لقاء بقوله : " عزيزى ، إنك لا تصلح للكمان . حقيقة أنك تهوى الموسيقى ، ولكنها ليست فى دمك ، لن تكون موسيقيًا قط " .
" مضت خمسة أعوام عاشها تيانو متقشفًا بعيدًا عن مباهج الدنيا ، لا يعرف غير الطريق بين دار معلمه وغرفته العارية . وتفقد مدخره ذات يوم فإذا هو قد نفد عن آخره ، ولم يكن قد أتقن غير مجموعة من التمارين الموسيقية ومقطوعة " رومانس " لباجانينى ! وصد نفسه عن طلب إعانة من أهله ، وقد غذاه الفن بعزة النفس والترفع عن السؤال . فانقطع عن معلمه أيامًا لا يكاد يجد ما يقتات به ؛ ولكنه
عاد إليه يطلب منه النصيحة . فقال له البروفيسور : " عزيزى ، يخلق كل إنسان وبه هبة خاصة يعمل على تنميتها وتغذيتها . ولكن موهبتك لم تكن قط فى الموسيقى . كل ما أشير به عليك الآن هو أن تعود إلى مهنتك صرافًا حيث كنت تكسب كما يكسب الناس عامة ، وتعيش كما يعيشون " . ولكن تيانو سخر من أستاذه وقال : " إنى فنان . سأناضل " .
" بدأ تيانو يعيش حياة الدرجة الثالثة من الموسيقيين ، وجعل يطوف بالبلاد مع فرق جوالة تقيم الحفلات هنا وهناك ، لا يملك من حطام الدنيا غير كمانه الذى بلى وقوسه التى تقطعت شعراتها ، وردائه الأسود الذى كان قد ابتاعه منذ حل بمدينة الفن تلميذًا ... ليكمل مظاهر الفنان (!) وعقدة عنقه السوداء المنتفخة الضخمة .. ! ولاح له ذات مساء ، وهو يتناول قسطه من أرباح الفرقة التى كان يعمل بها ، أنه لا يكسب كثيرًا فى إيطاليا ، وفيها من الفاشلين مثله كثيرون . وفكر فى أن مصر ، وهو القطر الذى لم يكن قد وعي الفن كما يعيه الآن ، يمكن غزوه " كموسيقار كبير " فينثال عليه المال انثيالًا ، وجعل المسكين يحلم بالنيل وبالثروة التى سيجمعها على ضفافه ، وبالمعجبات اللائى سيلتففن من حوله ويملأن لياليه بالسعادة والحب . كان آنئذ قد بلغ الثانية والثلاثين من العمر ، ولم يكن بجيبه حين فكر فى الرحيل جديًا ليرة واحدة ، فالتحق طائعًا على إحدى البواخر القادمة إلى مصر ، مصطحبًا كمانه البالى وعقدة رقبته السوداء الضخمة ، هذه العقدة التى كان يعتقد أنها كفيلة بأن تجلب له السعادة والمجد .
" وصلت الباخرة الإسكندرية ، وتسرب " الفنان العظيم " ذو ربطة العنق الضخمة السوداء إلى وادى النيل ليجمع " ثروته التى طالما حلم بها وهو فى إيطاليا . ولكنه دون أن يتوقع ، وجد مصر فى غير حاجة إلى " فنه " . إذ وجد فيها ما يكفيها ممن خانهم الحظ ، ممن لم يعرفوا مثله استعداداتهم الطبيعية ، ممن ألقوا أنفسهم فى الموسيقى إلقاء دون دافع أكيد فى النفس ورغبة أصيلة فى القلب . وكما كان يلعب فى إيطاليا مطوفًا بالمحال العامة ودور اللهو والشوارع ، بدأ صاحبنا حياته فى الإسكندرية يلتقط فى قبعته قرشًا من هنا وقرشًا من هناك . وقد تغيرت فيه أشياء معينة ، إذ بدأت
شعرات تطل من شعره الأسود فى رأسه وفى عارضيه ، وخطوط الألم والأمل الضائع ترتسم على وجهه وجبهته . وحل الانكسار محل شموخ الأنف ، ونسى طموحه القديم ، وتعلم كيف يحنى هامته ورأسه بذلة عند كل قرش يلقى فى قبعته .
" على هذا الحال عاش تيانو فى الإسكندرية حينًا من الزمان ، ثم انتقل إلى القاهرة حيث استقر به فيها المقام : دائمًا نفس الطواف بالمشارب والقهوات ، ثم يأوى آخر الليل إلى غرفة صغيرة على السطح فى حي السبتية ، يجمع إيجارها بعرق جبينه ودموع عينه ودماء قلبه . إنها الحياة بآمالها وآلامها ، بوجهها الضاحك ووجهها الباكى . هذه هي حياة الرجل ! وعندما يسمع أحدنا يقول له مشجعًا بعد أن ينتهى من عزفه : برافو بروفيسور تيانو ، ينظر إليه والدمع يكاد يطفر من عينيه ولا يجيبه بغير انحناءة ذليلة وابتسامة باهتة ترى فيها مأساة حياة سطرتها الأيام بخطوط من الأمال الضائعة والأطماح المخذولة . إذا انتظرت هنا قليلًا فسوف يعود للمرة الثانية يلعب على كمانه الذى شهد أحلامه العراض فى ميلانو ، نفس المقطوعة ، نفس النغمة التى أتقنها منذ عشرين عامًا أو تزيد ، ولم يتقن غيرها ، بل لعله لم يلعب غيرها في حياته " الفنية " كلها . أجل ، إنه آت ، فاستمع إليه هذه المرة ولعلك ستشعر نحوه بإحساس آخر ، وقد علمت من قصة حياته طرفًا . . طرفًا قاتًما داكنًا . الآن أستأذنك فى الأنصراف . لقد سعدت برفقتك . وداعًا " .
وانصرف رفيقى بينما كان تيانو المسكين الشيخ قد وقف للمرة الثانية على الرصيف يعيد نفس النغمة التى كان يوقعها منذ دقائق : رومانس ، بنفس الروح وبنفس التعابير . فقد كانت تنطلق أسارير وجهه عندما كان يؤدى لحنًا لطيفًا ضاحكًا و كأن اللحن قد مسه مسًا رقيقًا ، ولكن عندما كان يقوى اللحن ويتحمس ، يلوح كأن شيطانًا قد ركبه فيتعقد وجهه ويندفع رأسه إلى الأمام أو إلى الخلف بقوة فينتفش ويتطاير شعره الطويل على جبهته فيغطى عينيه ، بينما جسمه كله يتلوى وأصابعه تتشنج على القوس وعلى الأوتار بينما يدق الأرض بحذائه الأسود البالى دقًا كأنه مارد يدك الأرض دكًا . حركات تمثيلية (أو كانت تمثيلية أول الأمر
وصارت بالتكرار تلقائية) يقوم بها دائمًا أوتوماتيكيًا ويكررها ليرضى مستمعيه ، وليرضى نفسه قبل أن يرضى مستمعيه .
عندئذ شعرت بالألم الذي يوحى بالعطف عليه والرثاء له ولم أحتمل أكثر من ذلك فبرحت مشرب " على بابا " فى نفس اللحظة التى كان تيانو يتهيأ فيها لإخراج قبعته من جيبه ليدور بها على الزبائن .
صديقى ، يا من أحببت باجانينى أيما حب وشغفت بموسيقاه أيما شغف ... ليست هذه كل قصة تيانو ، فاستمع لما تبقى منها وهو قليل :
جعلت أتردد على قهوة " على بابا " وقد جذبتنى حالة " الموسيقار " الشقى ، وبدأت أشاركه من القلب بؤسه . ولو عن جد . ولكنى ذهبت ذات مساء إلى " على بابا " ومضى الوقت ولم يظهر تيانو فأحسست بالقلق عليه وكنت قد اعتدت رؤيته والاستماع إليه كلما ذهبت إلى هناك ، فسألت الجرسون - وقد كان يعرف أين يسكن ، وكان يزوره من آن لآخر - فأخبرنى أن تيانو مريض ، وأنه ملازم غرفته منذ أيام لا يبرحها ، فأبديت رغبتى فى أن أرى هذه الضحية التى التهمها الفن بعد أن غرر بها فلم يبق منها غير بقية واهية لا تبشر بخير . وعرفت أين يسكن المسكين من حى السبتية فذهبت إليه فى نفس المساء .
صعدت سلمًا حجريًا ضيقًا " مبريًا " فى وسط كل درجة منه بحيث كدت أنزلق مرارًا فى صعودى . ولم يكن هناك غير مصباح غازى " نمرة ٥ " قد انطفأت زجاجته ، معلق بحبل قذر من ردهة الطابق الثانى ، فتحسست موطئ قدمى على الدرج حتى انتهيت إلى السطح وكان معتمًا لا تنيره غير نجوم السماء ، تموء فيه قطة وتنعق بومة ، ولمحت فى طرفه نافذة ينبعث منها ضوء أصفر ضعيف ، كانت هذه هى غرفة تيانو ، قديمة متداعية اسودت شقوقها الواسعة فى ظلام الليل وظهر بابها الذى مال أحد مصراعيه على الآخر لافتقاره إلى " مفصلة " تقيمه ، ولعل الغرفة كانت تستعمل فى يوم ما للغسيل أو لتربية الدواجن .
تقدمت متعثرا فيما كان ملقى على السطح من أشياء قديمة ، وطرقت الباب الخشبى مرة ، ولكنى لم أتلق ردًا ، فأعدت
الطرق ... ولما لم أسمع حركة ارتجفت لهول فكرة مرت للتو برأسى ، ودفعت الباب برفق ، فانفرج ، ودخلت. كان الرجل مستلقيا على فراش قديم عليه حشية بالية ، وحسبت أنه كان نائمًا ، فلم أشأ أن أوقظه ، وجعلت أتلفت فى الحجرة : كان الكمان وقوسه معلقين إلى مسمار فى الحائط ، وكانت بذلته السوداء بقطعتيها : البنطلون والسترة ، معلقة على مسمار آخر جوار الكمان وقوسه ، بينما قميصه الذى كان فى يوم ما أبيض ملقى على الأرض المتربة ، وقبعته ملقاة على كرسى خيرزان أعرج فى ركن الغرفة بجوار نافذة تطل على الطريق المظلم الموحش . وحدثتنى نفسى أن ألقى نظرة على ما قد يكون فى القبعة : كان فيها ثلاثة قروش تعريفة ومليم أحمر وفردة رباط حذاء قديمة ، أغلب الظن أنه عثر عليها فى الطريق ذات يوم وظنها تصلح لحذائه إذا ما بليت أربطته ، ووقفت عينى أخيرًا على الأثر الوحيد الباقى للأحلام الضائعة .
فقد رأيت ربطة عنقه السوداء الضخمة معلقة وحدها بإعزاز على مسمار بجدار سقط طلاؤه الجيرى وعشش فى فجواته العنكبوت . وفى ركن من أركان الغرفة ، فوق فراش تيانو ، كان هناك مصباح غازى يتلاعب نوره الواهى من خلال زجاجته الكالحة المكسورة فوهتها .
فى هذه الغرفة ، يا صديقى ، كان يعيش الرجل اقتربت من تيانو وقد عجبت لنومه الطويل ، كان متدثرًا بدثار قديم ممزق يطل منه وجه مجهد تتمايل عليه ظلال صفراء شاحبة . وسمعت خلفى ، بينما كنت أتقدم من الرجل ، خطوات متعثرة ، فاستدرت لأرى الداخل ، كانت امرأة زرية الهيئة والملبس .
- من أنت ؟ قالتها بصوت خفيض متردد ، فقلت : جئت أعود تيانو . فأطرقت وقالت : لقد فات الأوان يا سيدى . فصحت مذعورًا : مات المسكين ؟ ولكن من أنت ؟ ! قالت ودموعها تتدحرج على خديها الباهتتين : - صاحبة البيت ، كم كنت أشفق عليه ، لقد مات منذ ساعة ، ترى من يكون هذا المسكين ؟ ! إنى لم أسمعه يتكلم قط ! - لا تنزعجى ياسيدتي . إنه ... لاشئ ! لا شئ !.
وغادرت المكان وكلى ألم وحسرة .
هذه يا صديقى قصة رجل أراد أن يحول مجرى حياته فى سن الخامسة والعشرين . أنا لا أعترض فى أن تحول مجرى حياتك فى أى سن وإن كنت فى الأربعين أو حتى فى الخمسين ، ولكنى أود أن أهمس فى أذنك بكلمة واحدة قبل أن أختم خطابى هذا ، وهى : أنى لا أقر ، كما أن العالم كله لا يقر ، نصف النجاح ، إنى لا أحب لك يا صديقى مبدأ " بعض الشئ ولا نقصه كله " فى الفن على الخصوص إن لم يكن النجاح كاملًا والانتصار فيه كليًا شاملًا فقد ضاع وضاع صاحبه ، آلاف غيرك وغير تيانو تعلموا الكمان وأتقنوه . ولكنهم لم يصلوا كما وصل باجانينى ، فضاعت حياتهم هباء كموسيقيين
درجة ثانية أو ثالثة . قد تكون لك مواهب وقد تكون مشغوفًا بالموسيقى وبالكمان خاصة ، ولكن هناك شيئا غير الموهبة والشغف ؛ هناك العمل المتواصل ، هناك التضحية الكاملة بكل شئ . قد يضطر الفنان الحق إلى أن يضحى بأهله أو بوطنه أو بدينه ... وحتى حياته نفسها قد يضطر إلى التضحية بها على حساب صحته ، يضحي بها سعيدًا راضيًا ، فهل تشعر بهذا فى قرارة نفسك ؟ أنت أدرى منى بشخصك . لن أجبك إذًا ، كما لم أجبك فى مستهل هذا الخطاب ، ب " لا " أو ب " نعم " فقط اقرأ قصتى مرة ومرة ، إقرأها بإمعان ، ثم قارن ما تحلم به بالمركز الذى تحتله كمهندس وأنت فى الثلاثين الآن فى شركتك ، ولك أن تصنع بعد ذلك ما تشاء
