الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669 الرجوع إلى "الثقافة"

تيانو

Share

(يقدم لنا الكاتب الفاضل هذه الصورة الجميلة ليؤكد بها فكرته أن الفنان إما أن يبلغ من فنه درجة الكمال فينجح فيه نجاحًا تامًا ، أو أن ينفض يده من فنه - فماذا يرى القارئ فى هذا الرأى؟)                            " الثقافة "

تسألنى يا صديقى رأيى فيما اعتزمت ؛ ولكنى أعرف سلفًا أنك إنما تسألنى لا لتنتصح برأيى ولكن لأوافقك على رأيك . لن أجيبك ب " لا " أو ب " نعم " وماذا تريدنى أن أقول لك وأنت تصر على أن تعيش للفن ؛ لقد وضعت الموسيقى أمامك هدفًا ، ولم تختر آلة موسيقية سهلة الأداء ، سريعة التعلم ، مضمونة النتيجة ، ولكنك اخترت الكمان ؛ لماذا ؟ لأنك معجب بموسيقى المرحوم باجانينى الخالدة ! لن أوافقك ولن أعارضك . لن أشجعك ولن أثبط من عزمك ! ولكنى فقط سأعرض عليك حياة رجل أراد مثلك أن يكون باجانينى آخر . . وانتهى إلى . . ولكن لنبدأ من البداية .

حدث هذا منذ أعوام . . كان الفصل صيفًا والوقت مغربًا عندما كنت أمر بعد طول مسير على قهوة " على بابا " بميدان قصر النيل . فأوحت إلى موائدها الشاغرة على الرصيف بأنى تعب . فعرجت على إحداها وطلبت كوبًا من شراب البرتقال ونثرت صحيفة كانت بيدى وجعلت أتصفحها . ومضى الوقت وأضيئت الأنوار وازداد المكان ازدحامًا حتى لم يبق مقعد خال لقادم جديد . وكنت أجلس إلي مائدة لشخصين ، ورأيت شابًا يتردد فى أن يطلب منى السماح له بمشاركتى مائدتى ، فدعوته مبتسمًا ، فجلس فى صمت بعد أن ابتسم لى شاكرًا . وعدت إلى جريدتى أتصفحها أو أختلس نظرة سريعة إلى الزبائن الذين كان قد ازداد صخبهم وضجيجهم ، وإلى الجرسونات الذين كانوا يسعون بصعوبة بين الموائد والكراسى التى تكاد تسد عليهم مواطئ أقدامهم .

وسمعت ، رغم ضوضاء العربات والترام ، صوت كان آت من بعيد بلحن أعرفه ، وهو مقطع مشهور لباجانينى :

" رومانس " وظننت أحد المبتدئين لرداءة التوقيع ، يعبث بقوس الكمان على أوتاره فى منزل قريب . ولكن الصوت كان فى اقتراب حثيث ، مما جعلنى أسيغ السمع محاولًا معرفة مصدره . ولاحظ مشاركى فى المائدة أننى أنثنى يمينًا وشمالًا ، فانفرجت شفتاه لأول مرة :

- إنه آت من هذه الناحية . وأشار إلى يمينى . وقلت : - من ؟ - ألا تعرفه ؟ ! قالها مستغربًا وكأننى فى نظره المتأخر فى معلوماته العامة ! - لا . - يلوح لى أنك هنا لأول مرة .إنه " تيانو " ياسيدى . ولم يلبث تيانو أن ظهر .

كان طويلًا نحيفًا فى بذلة سوداء لا بد أنها كانت فى يوم ما سموكنج رغم هذه الرقعة الكبيرة البنية اللون فوق ركبته اليسرى ، والفتق الطويل فى جانب سترته الأيمن . وكان قميصه فى الأصل أبيض ولكن وقد سقطت عليه قطرات من المشارب وفتات المآكل تبرقش هنا وهناك ببقع سوداء وداكنة . وكانت تدلى من عنقه المعروق ربطة سوداء ضخمة كالتى يلبسها الفنانون العظام ؛ أما وجهه فكان مستطيلًا جعدًا ، وخداه متهضمين . وجبهته مقضضة وعيناه غائرتين . أما شعره . الذى امتزج " فاعله بملحه " كما يقول الأوربيون ، فكان أملس طويلًا ينهدل دون ضابط على قفاه وعلى عارضيه الذين أطلق شعرهما بغزارة حتى منتصف خديه . وكان حليقًا ذا شفتين رقيقتين حساستين ... جافتين .

آه . لو أنك رأيت تيانو هذا المساء أو أى مساء آخر ؛ لو أنك رأيته يحرك وجهه وحاجبيه ، ويغمض عينيه أو يفتحهما ، ويمط شفتيه ، وينثنى ويتمايل مع كمانه القديم الذى وضعه بإعتزاز تحت ذقنه ؛ إنك لتظن أوتار قلبه تهتز باهتزاز أوتار كمانه ، فقد كانت تنطلق أسارير وجهه عندما كان يؤدي لحنًا لطيفًا ضاحكا ، وكأن الملحن قد مسه مسًا رقيقًا ، ولكن عندما كان يقوى اللحن ويتحمس يلوح كأن شيطانًا قد ركبه . فيتعقد وجهه ويندفع رأسه إلى الأمام أو إلى الخلف بقوة ، فينتفش ويتطاير شعره الطويل فى كل سبيل فيغطى جبهته وعينيه ، بينما جسمه كله يتلوى وأصابعه تتشنج على القوس وعلى الأوتار ، بينما يدق الأرض بحذائه الأسود البالي دقًا ، كأنه مارد يدك الأرض دكًا .

كان وجهه على العموم حزينًا ، يعبر كل خط فيه عن الألم . وكنت ألمح فى عينيه آثار الدموع . إنك لتري فى أصابعه النحيلة المعروقة الجوع والفاقة ، وفى قوامه الهزيل الدقيق الحرمان والحاجة .

وانتهي اللحن ودلى تيانو كمانه من رقبته فى كردون مثبت فى طرفيه . وأخرج من جيبه قبعة مطوية دس فى تجعيدتها قبضة يده ، فانتفخت ، وأمسكها فى يد بينما أمسك بالأخرى قوس كمانه ، وجعل يطوف بين المقاعد مادًا قبعته بين الجالسين بساعد منكمش متردد وقامة منحنية فى ذلة وانكسار ، وعلى شفتيه ابتسامة مستعطفة كمن يود أن يسأل " حسنة  لله " وكان كلما ألقى فى قبعته بقرش أو بنصف قرش ينحنى لملقيه ويثنى رقبته إلى اليمين وإلى الشمال امتنانًا ويبتسم - ابتسامة مؤلمة - وهو يقول : مرسى مسيو ! مرسى مدام وانتهى طوافه بقبعته فطواها بما ألقى فيها وأعادها إلى جيبه ، وتسرب من زحمة الرصيف إلى الشارع ثانية . عندئذ خلع كمانه عن رقبته وأعادها إلى ذقنه ومضى فى طريقه يلعب نفس المقطوعة التى كان يلعبها منذ قليل ، حتى تلاشى صوت الكمان شيئًا فشيئًا فى ضجيج الترام والعربات .

وكان زميلى على المائدة يرقبنى . - أعرفت تيانو ؟ . - إنه يعيد لحن " رومانس " ! - وسيعيده كل دقيقة وكل ساعة وكل يوم من أيام

حياته . إنى من رواد هذه القهوة منذ عشر سنوات . ولابد أن تيانو كان يطوف هنا من عشرين سنة ، إذا صدق الجرسون ، وفى كل يوم من هذه الأعوام العشرين كان تيانو يعزف نفس اللحن ، لا يكاد يلعب سواه . إنى أعرف قصة الرجل ، فقد قصها على الجرسون .

- يسرنى أن أسمعها . قال رفيقى :

" كان تيانو ، وهو إيطالى المولد ، واحدًا من هؤلاء الحيارى فى الحياة الذين يبحثون عن معنى لحياتهم ، وعن الغرض الذى من أجله ولدوا . كان فى البدء صرافًا ناجحًا فى توريتو بإيطاليا ، ولكنه كان يحس فى قرارة نفسه أنه لم يخلق لإحصاء النقود ؛ وكان لهذا برمًا بكل شئ . ضيقًا بكل شئ ، فدفعه شبابه فى الخامسة والعشرين إلى المغامرة وكان قد ادخر من عمله مالًا ، فرحل إلى ميلانو ليبدأ  حياته من جديد . وقد كان منذ طفولته يهوى الموسيقى ، وكان عضًوا فى فرقة المدرسة الموسيقية . ولكن هوايته القديمة كانت قد انطمرت عندما انتظم فى مدرسة التجارة ليصير بعدئذ صرافًا . وعندما ظهرت هوايته القديمة من جديد أحس أنه لابد من العودة إلى الموسيقى ليشبع حاجته إلى الفن ، كما كان لا يفتأ يقول . وهكذا رحل تيانو إلى مدينة الفن الإيطالية ليدرس الكمان ، رغم معارضة أهله وتعنيفهم إياه ، يحدوه الأمل ويدفعه الرجاء . وابتاع كمانًا جديدًا ، واختار فى ميلانو غرفة حقيرة على السطح تكاد تخلو من الأثاث ليدخر كل ليرة " للبروفيسور " الذى فاجأه عند أول لقاء بقوله : " عزيزى ، إنك لا تصلح للكمان . حقيقة أنك تهوى الموسيقى ، ولكنها ليست فى دمك ، لن تكون موسيقيًا قط " .

" مضت خمسة أعوام عاشها تيانو متقشفًا بعيدًا عن مباهج الدنيا ، لا يعرف غير الطريق بين دار معلمه وغرفته العارية . وتفقد مدخره ذات يوم فإذا هو قد نفد عن آخره ، ولم يكن قد أتقن غير مجموعة من التمارين الموسيقية ومقطوعة " رومانس " لباجانينى ! وصد نفسه عن طلب إعانة من أهله ، وقد غذاه الفن بعزة النفس والترفع عن السؤال . فانقطع عن معلمه أيامًا لا يكاد يجد ما يقتات به ؛ ولكنه

عاد إليه يطلب منه النصيحة . فقال له البروفيسور : " عزيزى ، يخلق كل إنسان وبه هبة خاصة يعمل على تنميتها وتغذيتها . ولكن موهبتك لم تكن قط فى الموسيقى . كل ما أشير به عليك الآن هو أن تعود إلى مهنتك صرافًا حيث كنت تكسب كما يكسب الناس عامة ، وتعيش كما يعيشون " . ولكن تيانو سخر من أستاذه وقال : " إنى فنان . سأناضل " .

" بدأ تيانو يعيش حياة الدرجة الثالثة من الموسيقيين ، وجعل يطوف بالبلاد مع فرق جوالة تقيم الحفلات هنا وهناك ، لا يملك من حطام الدنيا غير كمانه الذى بلى وقوسه التى تقطعت شعراتها ، وردائه الأسود الذى كان قد ابتاعه منذ حل بمدينة الفن تلميذًا ... ليكمل مظاهر الفنان (!) وعقدة عنقه السوداء المنتفخة الضخمة .. ! ولاح له ذات مساء ، وهو يتناول قسطه من أرباح الفرقة التى كان يعمل بها ، أنه لا يكسب كثيرًا فى إيطاليا ، وفيها من الفاشلين مثله كثيرون . وفكر فى أن مصر ، وهو القطر الذى لم يكن قد وعي الفن كما يعيه الآن ، يمكن غزوه " كموسيقار كبير " فينثال عليه المال انثيالًا ، وجعل المسكين يحلم بالنيل وبالثروة التى سيجمعها على ضفافه ، وبالمعجبات اللائى سيلتففن من حوله ويملأن لياليه بالسعادة والحب . كان آنئذ قد بلغ الثانية والثلاثين من العمر ، ولم يكن بجيبه حين فكر فى الرحيل جديًا ليرة واحدة ، فالتحق طائعًا على إحدى البواخر القادمة إلى مصر ، مصطحبًا كمانه البالى وعقدة رقبته السوداء الضخمة ، هذه العقدة التى كان يعتقد أنها كفيلة بأن تجلب له السعادة والمجد .

" وصلت الباخرة الإسكندرية ، وتسرب " الفنان العظيم "  ذو ربطة العنق الضخمة السوداء إلى وادى النيل ليجمع " ثروته التى طالما حلم بها وهو فى إيطاليا . ولكنه دون أن يتوقع ، وجد مصر فى غير حاجة إلى " فنه " . إذ وجد فيها ما يكفيها ممن خانهم الحظ ، ممن لم يعرفوا مثله استعداداتهم الطبيعية ، ممن ألقوا أنفسهم فى الموسيقى إلقاء دون دافع أكيد فى النفس ورغبة أصيلة فى القلب . وكما كان يلعب فى إيطاليا مطوفًا بالمحال العامة ودور اللهو والشوارع ، بدأ صاحبنا حياته فى الإسكندرية يلتقط فى قبعته قرشًا من هنا وقرشًا من هناك . وقد تغيرت فيه أشياء معينة ، إذ بدأت

شعرات تطل من شعره الأسود فى رأسه وفى عارضيه ، وخطوط الألم والأمل الضائع ترتسم على وجهه وجبهته . وحل الانكسار محل شموخ الأنف ، ونسى طموحه القديم ، وتعلم كيف يحنى هامته ورأسه بذلة عند كل قرش يلقى فى قبعته .

" على هذا الحال عاش تيانو فى الإسكندرية حينًا من الزمان ، ثم انتقل إلى القاهرة حيث استقر به فيها المقام : دائمًا نفس الطواف بالمشارب والقهوات ، ثم يأوى آخر الليل إلى غرفة صغيرة على السطح فى حي السبتية ،  يجمع إيجارها بعرق جبينه ودموع عينه ودماء قلبه . إنها الحياة بآمالها وآلامها ، بوجهها الضاحك ووجهها الباكى . هذه هي حياة الرجل ! وعندما يسمع أحدنا يقول له مشجعًا بعد أن ينتهى من عزفه : برافو بروفيسور تيانو ، ينظر إليه والدمع يكاد يطفر من عينيه ولا يجيبه بغير انحناءة ذليلة وابتسامة باهتة ترى فيها مأساة حياة سطرتها الأيام بخطوط من الأمال الضائعة والأطماح المخذولة . إذا انتظرت هنا قليلًا فسوف يعود للمرة الثانية يلعب على كمانه الذى شهد أحلامه العراض فى ميلانو ، نفس المقطوعة ، نفس النغمة التى أتقنها منذ عشرين عامًا أو تزيد ، ولم يتقن غيرها ، بل لعله لم يلعب غيرها في حياته " الفنية " كلها . أجل ، إنه آت ، فاستمع إليه هذه المرة ولعلك ستشعر نحوه بإحساس آخر ، وقد علمت من قصة حياته طرفًا . . طرفًا قاتًما داكنًا . الآن أستأذنك فى الأنصراف . لقد سعدت برفقتك . وداعًا " .

وانصرف رفيقى بينما كان تيانو المسكين الشيخ قد وقف للمرة الثانية على الرصيف يعيد نفس النغمة التى كان يوقعها منذ دقائق : رومانس ، بنفس الروح وبنفس التعابير . فقد كانت تنطلق أسارير وجهه عندما كان يؤدى لحنًا لطيفًا ضاحكًا و كأن اللحن قد مسه مسًا رقيقًا ، ولكن عندما كان يقوى اللحن ويتحمس ، يلوح كأن شيطانًا قد ركبه فيتعقد وجهه ويندفع رأسه إلى الأمام أو إلى الخلف بقوة فينتفش ويتطاير شعره الطويل على جبهته فيغطى عينيه ، بينما جسمه كله يتلوى وأصابعه تتشنج على القوس وعلى الأوتار بينما يدق الأرض بحذائه الأسود البالى دقًا كأنه مارد يدك الأرض دكًا . حركات تمثيلية  (أو كانت تمثيلية أول الأمر

وصارت بالتكرار تلقائية) يقوم بها دائمًا أوتوماتيكيًا ويكررها ليرضى مستمعيه ، وليرضى نفسه قبل أن يرضى مستمعيه .

عندئذ شعرت بالألم الذي يوحى بالعطف عليه والرثاء له ولم أحتمل أكثر من ذلك فبرحت مشرب " على بابا " فى نفس اللحظة التى كان تيانو يتهيأ فيها لإخراج قبعته من جيبه ليدور بها على الزبائن .

صديقى ، يا من أحببت باجانينى أيما حب وشغفت بموسيقاه أيما شغف ... ليست هذه كل قصة تيانو ، فاستمع لما تبقى منها وهو قليل :

جعلت أتردد على قهوة " على بابا " وقد جذبتنى حالة " الموسيقار " الشقى ، وبدأت أشاركه من القلب بؤسه . ولو عن جد . ولكنى ذهبت ذات مساء إلى " على بابا " ومضى الوقت ولم يظهر تيانو فأحسست بالقلق عليه وكنت قد اعتدت رؤيته والاستماع إليه كلما ذهبت إلى هناك ، فسألت الجرسون - وقد كان يعرف أين يسكن ، وكان يزوره من آن لآخر - فأخبرنى أن تيانو مريض ، وأنه ملازم غرفته منذ أيام لا يبرحها ، فأبديت رغبتى فى أن أرى هذه الضحية التى التهمها الفن بعد أن غرر بها فلم يبق منها غير بقية واهية لا تبشر بخير . وعرفت أين يسكن المسكين من حى السبتية فذهبت إليه فى نفس المساء .

صعدت سلمًا حجريًا ضيقًا " مبريًا " فى وسط كل درجة منه بحيث كدت أنزلق مرارًا فى صعودى . ولم يكن هناك غير مصباح غازى " نمرة ٥ " قد انطفأت زجاجته ، معلق بحبل قذر من ردهة الطابق الثانى ، فتحسست موطئ قدمى على الدرج حتى انتهيت إلى السطح وكان معتمًا لا تنيره غير نجوم السماء ، تموء فيه قطة وتنعق بومة ، ولمحت فى طرفه نافذة ينبعث منها ضوء أصفر ضعيف ، كانت هذه هى غرفة تيانو ، قديمة متداعية اسودت شقوقها الواسعة فى ظلام الليل وظهر بابها الذى مال أحد مصراعيه على الآخر لافتقاره إلى " مفصلة " تقيمه ، ولعل الغرفة كانت تستعمل فى يوم ما للغسيل أو لتربية الدواجن .

تقدمت متعثرا فيما كان ملقى على السطح من أشياء قديمة ، وطرقت الباب الخشبى مرة ، ولكنى لم أتلق ردًا ، فأعدت

الطرق ... ولما لم أسمع حركة ارتجفت لهول فكرة مرت للتو برأسى ، ودفعت الباب برفق ، فانفرج ، ودخلت. كان الرجل مستلقيا على فراش قديم عليه حشية بالية ، وحسبت أنه كان نائمًا ، فلم أشأ أن أوقظه ، وجعلت أتلفت فى الحجرة : كان الكمان وقوسه معلقين إلى مسمار فى الحائط ، وكانت بذلته السوداء بقطعتيها : البنطلون والسترة ، معلقة على مسمار آخر جوار الكمان وقوسه ، بينما قميصه الذى كان فى يوم ما أبيض ملقى على الأرض المتربة ، وقبعته ملقاة على كرسى خيرزان أعرج فى ركن الغرفة بجوار نافذة تطل على الطريق المظلم الموحش . وحدثتنى نفسى أن ألقى نظرة على ما قد يكون فى القبعة : كان فيها ثلاثة قروش تعريفة ومليم أحمر وفردة رباط حذاء قديمة ، أغلب الظن أنه عثر عليها فى الطريق ذات يوم وظنها تصلح لحذائه إذا ما بليت أربطته ، ووقفت عينى أخيرًا على الأثر الوحيد الباقى للأحلام الضائعة .

فقد رأيت ربطة عنقه السوداء الضخمة معلقة وحدها بإعزاز على مسمار بجدار سقط طلاؤه الجيرى وعشش فى فجواته العنكبوت . وفى ركن من أركان الغرفة ، فوق فراش تيانو ، كان هناك مصباح غازى يتلاعب نوره الواهى من خلال زجاجته الكالحة المكسورة فوهتها .

فى هذه الغرفة ، يا صديقى ، كان يعيش الرجل اقتربت من تيانو وقد عجبت لنومه الطويل ، كان متدثرًا بدثار قديم ممزق يطل منه وجه مجهد تتمايل عليه ظلال صفراء شاحبة . وسمعت خلفى ، بينما كنت أتقدم من الرجل ، خطوات متعثرة ، فاستدرت لأرى الداخل ، كانت امرأة زرية الهيئة والملبس .

- من أنت ؟ قالتها بصوت خفيض متردد ، فقلت : جئت أعود تيانو . فأطرقت وقالت : لقد فات الأوان يا سيدى . فصحت مذعورًا : مات المسكين ؟ ولكن من أنت ؟ ! قالت ودموعها تتدحرج على خديها الباهتتين : - صاحبة البيت ، كم كنت أشفق عليه ، لقد مات منذ ساعة ، ترى من يكون هذا المسكين ؟ ! إنى لم أسمعه يتكلم قط ! - لا تنزعجى ياسيدتي . إنه ... لاشئ ! لا شئ !.

وغادرت المكان وكلى ألم وحسرة .

هذه يا صديقى قصة رجل أراد أن يحول مجرى حياته فى سن الخامسة والعشرين . أنا لا أعترض فى أن تحول مجرى حياتك فى أى سن وإن كنت فى الأربعين أو حتى فى الخمسين ، ولكنى أود أن أهمس فى أذنك بكلمة واحدة قبل أن أختم خطابى هذا ، وهى : أنى لا أقر ، كما أن العالم كله لا يقر ، نصف النجاح ، إنى لا أحب لك يا صديقى مبدأ " بعض الشئ ولا نقصه كله " فى الفن على الخصوص إن لم يكن النجاح كاملًا والانتصار فيه كليًا شاملًا فقد ضاع وضاع صاحبه ، آلاف غيرك وغير تيانو تعلموا الكمان وأتقنوه . ولكنهم لم يصلوا كما وصل باجانينى ، فضاعت حياتهم هباء كموسيقيين

درجة ثانية أو ثالثة . قد تكون لك مواهب وقد تكون مشغوفًا بالموسيقى وبالكمان خاصة ، ولكن هناك شيئا غير الموهبة والشغف ؛ هناك العمل المتواصل ، هناك التضحية الكاملة بكل شئ . قد يضطر الفنان الحق إلى أن يضحى بأهله أو بوطنه أو بدينه ... وحتى حياته نفسها قد يضطر إلى التضحية بها على حساب صحته ، يضحي بها سعيدًا راضيًا ، فهل تشعر بهذا فى قرارة نفسك ؟ أنت أدرى منى بشخصك . لن أجبك إذًا ، كما لم أجبك فى مستهل هذا الخطاب ، ب " لا " أو ب " نعم " فقط اقرأ قصتى مرة ومرة ، إقرأها بإمعان ، ثم قارن ما تحلم به بالمركز الذى تحتله كمهندس وأنت فى الثلاثين الآن فى شركتك ، ولك أن تصنع بعد ذلك ما تشاء

اشترك في نشرتنا البريدية