الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337 الرجوع إلى "الثقافة"

تيسير اللغة العربية، وترقيتها

Share

حاولت فى عدد سابق من " الثقافة "( ١ ) أن أبحث نظام تعلم اللغة ، وأن أوازن بين نوعين منه ، بين تعلم الصغير لغته القومية فى مرحلة طفولته ، وتعلم الكبير لغة أجنبية بضيف بها آفاقا جديدة إلى معارفه وبنيت على ما وصلت إليه من نواحى الموازنة بضعة مقترحات بدا لى أنها قد تعين فى حل معضلاتنا اللغوية فى مصر .

وبالرغم من أن السنين الأخيرة قد شهدت عندنا اتساعا فى التعليم ، ونهضة فى التأليف ، وجنوحا إلى التيسير والتبسيط فى اللغة ، فإن هناك - فيما يخيل إلى - عناصر أساسية فى هذا الموضوع لا تزال تتطلب انتباه الهيئات الثقافية وجهودها . وأول تلك العناصر عدم وجود صورة علمية صحيحة عندنا عن مراحل الطفولة المصرية وحاجتها ، فى حين قد حفلت المكتبة الأجنبية بالدراسات والتقارير والبحوث عن " خصائص الطفولة قبل سن الروضة" ، وعن " تلميذ المدرسة الابتدائية " ، وعن " الفتى والفتاة فى مرحلة البلوغ " وعن "منطق الأطفال وتفكيرهم " وخيال الطفولة وفلسفتها ، وعن تصور الطفل لمختلف مظاهر الحياة من حوله ؛ وهكذا مما بضيق عن الحصر والتعداد .

والعنصر الثاني فى مشكلاتنا الحاضرة أننا لم نفطن بعد إلى دراسة الظاهر اللغوية عند الاطفال ، وطرائق النمو فى قاموسهم ، وإلى تسجيل التطورات اللغوية البارزة فى مراحل طفولتهم ، ونوع الموضوعات والأساليب التى تناسب أخيلتهم وتصوراتهم فى كل مرحلة .

إن سد هاتين الناحيتين من النقص يجب أن يكون الخطوة الأولى فى طريق الإصلاح اللغوى . وهو لا يقتضينا أكثر من شىء من الإيمان بالبحث الحديث والدراسة التجريبية ، وشىء من التوجيه الصالح لجهود الأفراد والجماعات . وظاهر أن هذا عمل يتطلب الاخصائيين من المربين والمدرسين ، ويمكن أن تشرف علي توجيهه لجنة مختارة تمثل معاهد التربية والجامعة ووزارة المعارف ؛ ونتائجه يجب أن تكون أمام اللجان الفنية التى تبحث فى إصلاح اللغة وتيسير النحو والكتاية وما إليها .

وهناك ناحية ثالثة يحس بنقصها الكثيرون ، وأعنى بها مكتبة الأطفال ؛ فقد حاول بعض المؤلفين المصريين كتابة سلاسل من القصص المبتكر ، أو ترجمة شىء من القصص الأجنبى ، أو تجديد القصص العربى القديم وتبسيطه ، وأصدر بعضهم مجلات للأطفال ، ونظم آخرون تمثيليات شعرية لهم . وهكذا مما ظهر له بعض الأثر فى إقبال الناشئة على القراءة . ولكن هذه الجهود لا تزال موزعة مبعثرة ، والكثير منها يموت فى مهذه ، وبعض نتاجها لا يناسب عقلية الأطفال ولا طرائق تفكيرهم ومستوى تطورهم اللغوى . وصلاح هذه الحال يتطلب شيئين : الأول ما سبقت الإشارة إليه من ضرورة الاعتماد على البحث العلمى فى فهم الأطفال . والثاني إشراف جماعة قادرة منظمة على رسم خطة ثابتة الدعائم لهذه النواحى ، يعهد بتنفيذها إلى جماعة كبيرة مجددة تضم قصصيين وشعراء ومترجمين وغيرهم .

ولعل من أنفع ما يمكن أن نوجه إليه مثل هذه الجماعة ، وضع دائرة معارف  عربية واسعة للأطفال ، تضم خلاصة ما أنتج الفكر البشرى عامة - والعربى والمصرى خاصة - من أساطير وقصص ، وشعر وغناء ، وعلم وفن ، ودين وتاريخ ، وتراجم وسير . ومتى رسمت الخطة لمثل هذا المشروع ، واختير رجاله ، وحسبت نفقانه ،

أمكن تنفيذه فى صورة مجلة تصدر فى مواعيد منظمة ، تتصل فيها سلاسل هذه النواحى ، ويجتمع منها فى نهاية الأمر مرجع للطفولة تممر به مكتبة البيت ومكتبة المدرسة . وصدور المجلة على هذا الوضع يهيئ السبيل التجريبى فى عقلية الاطفال وما يناسب استعداداتهم ، ويفتح أمام المدرسين والمفتشين أبوابا للمدرس المثمر ، إذ يستطيعون أن يعرضوا نواحى منها على أعداد كبيرة من الأطفال فى أعمار مختلفة ، ثم يلاحظوا مدى صلاحية كل منها لهذا العمر أو ذاك ، وتنشر الوزارة نتائج ملاحظاتهم بعد تحليلها واستخلاص مغزاها ليسترشد بها المؤلفون بدورهم .

هذه النواحى التى ذكرتها تقوم على أساسين جوهرين ينبغى أن يفطن لهما دعاة الإصلاح : أولهما أن العصر الذى نعيش فيه عصر دراسة وعلم وتجريب ، وكل إصلاح فيه لا يبنى على دعامة البحث والتجربة يجىء أخطل مرتجلا ناقص الثمرة ، وثانيهما ان النظام الصالح فى تعلم اللغة هو ما كان موافقا للفطرة فى نظامها الذى رسمته ، حيث يتعلم الطفل من طريق الحياة ، وحيث يغمر فى جو لغوى مباشر نعين فيه العوامل المختلفة على تذوق أساليب اللغة ، وتثبيت عادات التعبير الصحيح .

.  ولكن أنى لنا أن ننتفع بهذا النظام الطبيعى ونحن لا نزال نضطرب بين لغتين : إحداهما لغة الحياة اليومية فى البيت والملعب والشارع والسوق واللهو والسمر ، لغة الآمال والأحلام والرضاو والسخط والفرح والحزن لجمهرة الشعب ، اللغة التى تعلمها كما يقول " دانتى " - بمحاكاة أظآرنا ومربياتنا من غير حاجة إلى ضابط أو قاعدة ؛ وثانيتهما لغة الإنشاء والمحفوظات والقواعد والإمتحان ، لغة اللحظات القليلة فى حياة الفئة المحدودة من الأدباء ومدرسى اللغة ؛ وهى مع ذلك لغة الأدب العربى فى عصوره الزاهرة ، ولغة الإسلام فى كتابه وسنته وتشريعه ، ولغة الآمال والآلام المشتركة بين الأمم العربية !

إن هذا الدور الذى نمر به الآن فى تطورنا اللغوى قد مرت بمثله معظم الأمم الراقية ، وقد اتخذت لمواجهته خططا اختلفت حسب تراثها وثقافتها . ولكن هناك عنصرا مهما اشترك فيه الكثير منها : ذلك هو الاعتراف بلغة الحياة الشعبية ، والانتفاع بكل ما فيها من عناصر القوة والنشاط فى تنمية الفصحى وإغنائها وإبرائها من مظاهر العقم والشكلية والجمود   حدث هذا فى إيطاليا على يد " دانتى " ؛ وفى اسكتلندة على يد " بيرنز " و " سكوت " ؛ وفى انجلترة على يد " تشوسر " وأخذت مصر بشىء منه فى نهضتها الحديثة على يد "رفاعة " ورجال مدرسته ؛ فالذى يقرأ الأناشيد والقصائد الوطنية التى نظمها " رفاعة " يجد فى لغتها العربية المصرية - من حيث البساطة والإلف - شبها كبيرا باللغة الأنجلوسكسونية التى استعملها " تشوسر " الانجليزى فى " قصص كانتربرى " فى المراحل الأولى من نهضة اللغة الانجليزية .

هذا المنزع موجود فى طائفة من علمائنا وكتابنا المعاصرين ، وهو منزع ينبغى تشجيعه ، فان فيه وسيلة من أحسن الوسائل العملية للتقريب بين اللغتين الفصيحة والشعبية . وليس هناك من شك فى أننا سائرون كما سارت الأمم من قبلنا إلى لغة موحدة ؛ وسيكون من أهم العوامل فى هذا التوحيد انتشار التعليم وازدياد أثر العوامل الثقافية - من صحافة وسينما وراديو - فى تربية الشعب . وإلى أن يتم هذا التوحيد يجب أن تأخذ أساليب اللغة الشعبية طريقها إلى قصصنا وملاحمنا ومختلف فنوننا الأدبية ، ويجب أن نستعين بهذا على إشعار أبنائنا أن التعبير والحياة صنوان ، وان اللغة ليست عبئاثقيلا يفرض على الحياة فرضا . بهذه الطريقة نخدم اللغة الفصحى بما ندخل عليها من عوامل الحياة والخصب والنماء ، ونخدم اللغة الشعبية بما نرفع من مستواها فى صحة الآداء وسلامة البناء .

على أن المسألة جانبها الآخر ، فما دام هدفنا فى إصلاحنا اللغوى هو الوصول إلى لغة واحدة حية فصيحة ، فمن واجبنا أن ننظر نظرة فاحصة فى موقفنا الآن من الفصحى ، وان نخلع عنا ثوب التهاون نحوها ، وأن نأخذ انفسنا بالجد فى ممارستها ونشرها ، وأن نعتبرها مظهرا أصيلا من مظاهر كياننا القومى والعربى .

ولكن هذا ليس كل المشكلة : فلا تزال أمامنا معضلة لا تقل خط خطرا عن سابقتها وهى معضلة الكتابة التى لا ريب فى أن نظامها الحالى غير مرض وغير مناسب لمقتضيات النهضة الحاضرة ، وأسوا ما فى هذا النظام عيبان : الأول أن حركاته ( أو حروفه المتحركة القصيرة ) توضع مستقلة فوق الكلمة أو تحتها - أولا توضع بتاتا ، على حين يقضي النظام الطبيعى - كما هو الشأن فى اللغات الأخرى - أن تأخذ هذه الحروف مكانها فى جسم الكلمة ، وأن تصبح الألفاظ فى كتابتها صورة مطابقة لنطقها . والعيب الثانى كثرة مجموعات الحروف المتشابهة عندنا فى رسمها ، واضطرارنا إلى الإفراط فى استعمال النقط ليتميز بعضها من بعض ؛ وفى ذاك ما فيه من بطء الحركة واختلاط الحروف فى كثير من الأحيان .

وقد يتجه بعض المصلحين فى التغلب على العيب الأول إلى اقتراح الكتابة بالحروف اللاتينية . وهو اتجاه له بعض المبررات والحسنات ، ولكن له كذلك كثيرا من السيئات ؛ أو إلى اقتراح التزام الشكل فى الكلمة كلها أو فى مظان الخطأ واللحن فيها ، بعد القيام بدراسة دقيقة لتقرير هذه المظان . وفى هذا الاقتراح من المزايا أنه يبقى القديم على قدمه ، ويغنينا عن تغيير قد يكون فيه قطع لاستمرار تاريخنا وتراثنا ، ولكن فيه على وجاهته كثيرا من الحرج والمشقة ، بل الاستحالة المادية أحيانا ، فهو غير مستساغ مطلقا فى كتابة اليد العادية ، وهو ثقيل

الأعباء فى الطباعة ، وغير مناسب لطالب الحياة الحاضرة من سرعة وتبسيط .

هناك اقتراح ثالث يبدو لنا طبيعيا ، ويمكن به الاستعاضة عن الاقتراحين السابقين ؛ ذلك أن تدخل الحركات حروفا فى رسم الألفاظ بصورتها العربية ، ولن يكلفنا ذلك من الوجهة العملية أكثر من إضافة ثلاثة أشكال جديدة للألف والواو والياء القصيرة ( الفتحة والضمة والكسرة ) إلى حروف الهجاء الموجودة عندنا ؛ واقتراح كهذا يحل المشكلة حلا ملائما لروح العصر ، ويحفظ علينا مع ذلك طابعنا العربي التقليدى ، و يبقى صلتنا بتراثنا القديم ، ويمكن بسهولة تعميمة فى البلاد العربية متى أظهرت التجربة صلاحه . وأصحاب هذا الاقتراح مدركون ما قد ينشأ فى طريق تنفيذه من صعوبات يرجع بعضها إلى الاعتبارات الاشتقاقية ، وبعضها إلى الاعتبارات التقليدية فى الرسم والكتابة ، ولكنهم يزعمون أن حسناته أرجح من سيئاته . أما العيب الثانى ( عيب تشابه الحروف وكثرة النقط ) فيمكن التغلب عليه بإجراء شىء من التحور البسيط فى صور بعض الحروف الهجائية المتشابهة يستغنى به عن النقط وضروراته .

هذه بعض المشكلات التى تواجهنا الآن ، وبعض الحلول التى يمكن اقتراحها لمعالجتها ؛ وليس يهمنا أن يؤخذ بهذا الاقتراح أو ذاك قدر ما يهمنا أن توضع بعض هذه المقترحات - أو غيرها - موضع التجربة العملية ، وأن يكون الحكم عليها وليد تلك التجارب ، لا اسير البحث النظرى وحده .

وهناك الكثير من الوسائل العملية التفصيلية لترقية اللغة وتيسيرها ، يمكن - متى صح العزم وصدقت النية - أن ينتفع به . وعلى الله التيسير والتوفيق .

اشترك في نشرتنا البريدية