ليس الكلام في نشأة الفن وفي فلسفته مما أثاره العلماء والكتاب في العصر الحديث فحسب ، بل نال بالإغريق في هذا الميدان قصب السبق . ولا غرو فقد كان للفن عندهم شأن عظيم ، فقام فيهم أرسططاليس أول كبار المفكرين في الفن ، ثم تبعه في مراحل التاريخ كثيرون من الفنانين والفلاسفة والعلماء ، حتى جاء منتصف القرن الثالث عشر وكتب جونهولد ليسنج Gotthold Lessing مؤسس الأدب الألماني الحديث مؤلفا في النقد وفلسفة الفن سماه " لا يوكون " Laocoon وهو اسم التحفة الفنية الثمينة المحفوظة في الفاتيكان والتي تمثل " لايوكون " كاهن أبولو في طروادة وهو يناضل مع ابنيه الموت على يد حيتين كبيرتين ( انظر شكل ٢ ) .
وتوفي ليستح عام ١٧٨١ ؛ ولكن تلك الرسالة التي كتبها في الفن كانت حافزا لاشتغال غيره بهذا الموضوع . غير أن الجهود المبذولة لم تكلل بالنجاح ولم يقدر لثمراتها الخلود حتي قام هيبوليت تين Hippolyle Taine في منتصف القرن التالي .
ولم يكن تين آخر من كتب في فلسفة الفن . فليس ما يكتب عن فلسفة الفن في أي عصر من العصور أبقي على الدهر وأدوم من الفن في ذلك العصر ، وكما أن الفن يتطور فان الآراء فيه تتطور أيضا . ولذا فإن كثيرا من آراء ارسططاليس أو ليستنج أو تين تبدو لنا اليوم عقيمة غير مجدية ؛ وسوف تبدو بعض نظرياتنا الفنية الحالية عقيمة لمن يدرسون الفنون في الجيل القادم .
ولكن بالرغم من ذلك كله فإن جل ما كتبه بين Taine في فلسفة الفن لا تزال له قيمته . ولعل السر في ذلك بساطته وأسلوبه ومنطقه ، الذي يشبه في بعض الحالات العمليات الجنابية وقوانين الطبيعة ، فيصبح هذا المنطق من أسباب ما نراه الآن من عقم بعض نظرياته .
ولد هيبوليت تين في إحدي المقاطعات الشمالية بفرنسا عام ١٨٢٨ . وكان في دراسته طالبا ممتازا ، يعجب أساتذته وزملاؤه بنبوغه في اللغات وفي الآداب القديمة . وانتظم في سلك مدرسة المعلمين العليا بباريس ، ونال إجازة الدكتوراه سنة ١٨٥٣ ، واشتغل بالتدريس في مدرسة الفنون الجميلة وفي الكلية الحربية . وأصبح من أشهر أعلام الأدب والفلسفة في عصره ؛ ولكنا لا نريد أن نعرض هنا لآرائه الفلسفية أو مقامه في عالم الأدب ، وإنما نود أن نعنى بما كتبه في تاريخ الفن . فالمعروف أنه صنف بين عامي ١٨٦٥ و ١٨٦٩ أبحاثا جمعت بعد ذلك وطبعت سنة ١٨٨٠ في كتاب من جزئين اسمه " فلسفة الفن " Philosophie de l'Art ، بدأ بالكلام عن طبيعة القطعة الفنية ، وأنها ليست مستقلة ، بل هي جزء من مجموع منتجات الفنان الذي أخرجها ، لأن جل هذه المنتجات تحمل بين ثناياها أوجه شبه كأنها ابنة أب واحد ؟ فلكل فنان أسلوبه ، ولكل مصور أو نقاش ألوان المفضلة
وسحنات اشخاصه ونوعهم ، والأوضاع التي يحبها ، وطريقته في تكييف القطعة الفنية ؛ وبعد فالفنان بآثاره ليس مستقلا ، بل إنه منطو تحت مجموعة أخري : هي المدرسة التي ينتمي اليها
وينسج صاحبنا على هذا المنوال فيسوق الأدلة ويصوغ الأقيسة ليذهب إلي أن الأثار الفنية نتيجة طبيعية للحالات العامة التي تسود في الأقليم والعصر اللذين تظهر فيهما هذه الآثار الفنية ، وأخطر هذه الحالات العامة شأنا هي المناخ
والجنس والبيئة والدين والمدنية والعادات ، فإذا أردنا أن نفسر ميرة من ميزات أي فن في عصر من العصور وجب علينا أن ندرس تلك الحالات لدي القوم الذين ينسب إليهم هذا الفن في ذلك العصر
ولقد قارن تين هذه العملية بما يستطيعه عالم النبات من تفهم ثمرات الأقاليم المختلفة ومعرفة أي أنواع النبات تنمو فيها ، إذا ما درس تربيتها ومناخها وتعرضها للشمس ومن ثم فقد قال بعض الكتاب عن نظريات تين إنها تاريخ طبيعي للفن . وبالرغم من أن هذه التسمية قد تحمل في ثناها شيئا من التهكم فإن الأمثلة التي يسوقها تين في مقالاته للدلالة على صحة نظرياته . تحملنا علي أن يؤمن بها إلي حد كبير ، ولا سيما إذا لم تتدخل عوامل أخري تجعل تطبيعها غير
سديد ، كما سنشير في ختام هذا المقال
وإلا فهل من الصدف البحتة أن مدرسة التصوير الهولندية تزدهر في العصر الذهبي الذي تنهض فيه هولنده فتنال استقلالها من الأسبان ، ثم تحارب انجلترا وتصبح أغني البلاد الأوربية وأوفرها حرية وأرقاها صناعة ؟ ! ولأمر ما نري المدرسة المذكورة تضمحل في القرن الثامن عشر حين تترك هولندة المكانة الأولى لا نجلترا وتصبح دولة لا آمال لها ولا مطامع
أفلا يكون هذا مبررا لأن ندرس " درجة الحرارة " الاجتماعية والأدبية والنفسية لنفهم ظهور الطرز المختلفة في الفنون كما ندرس " درجة الحرارة " الطبيعية لنفهم أنواع النبات التي تنمو في إقليم من الأقاليم ؟
واضمحلال النحت والتصوير في العصور القديمة من خير الأمثلة التي يضربها تين لبيان تأثير البيئة ؛ وحسبنا لتبين هذا الاصمحلال أن ندرس الصور والتماثيل والفسيفساء في بومبي Pompei ورافنا ، Ravenne وهي في الأولى من القرن الأول بعد الميلاد ؛ أما الفسيفساء في رافنا فترجع إلي عصر جستتيان في القرن السادس ولا شك أن الفن في فترة القرون الخمسة قد تطرق إليه فساد ، مصدره البعد عن تقليد الطبيعة وقلة العناية بأجزاء الجسم وإبرازها إبرازا دقيقا ، على النحو الذي اعتدناه في الفن الإغريقي القديم . ولا غرو فقد كانت التقاليد والعادات الإغريقية القديمة لا تزال قائمة في القرن الأول الميلادي . وكان القوم يعنون بالألعاب الرياضية ، وبتقوية الجسم الإنساني ، ويفخرون بالأجسام التي تبدو فيها الصحة والجمال ، ويرون الشبان والشابات في المسابقات والآلعاب الرياضية عراة أو شبه عراة ، يرتدون ملابس واسعة يخلعونها بسهولة وفي مناسبات كثيرة ؛ فنجح الفنانون الإغريق في الحرص على دقة تصوير أجزاء الجسم ، وعنوا بإظهارها على حقيقتها ؛ فلا غرابة إذا رأينا على الجدران في أطلال بومبي صور النساء والرجال ملؤها الدقة والحياة والحركة . وتغيرت الأحوال شيئا فشيئا في القرون الخمسة التالية ، فاختفت العادات الوثنية ، وقلت عناية القوم بالرياضة البدنية ، وذهب غرامهم بالأجسام العارية التي تبدو فيها الصحة والجمال ؛ وصارت هذه الأجسام تثقلها الملابس الفخمة من الحرير والمنسوجات الغالية ، فقلت معرفة الفنانين بالجسم الإنساني ، وصاروا يقلدون التماثيل
القديمة ، أو يقلدون التماثيل المأخوذة من التماثيل القديمة وهكذا بعد الفنان عن الأصل جيلا بعد جيل ، وأدي انقطاع الصلة بين الفنان والنموذج إلي ما وصل إليه الفن في رافنا Ravenne حين صارت التماثيل جامدة تعوزها الحركة والحياة وصدق تمثيل الطبيعة
ودرس تين في كتابه " فلسفة الفن " التصوير بإيطاليا في عصر النهضة ، والتصوير في الأراضي المنخفضة ، والنحت في بلاد الإغريق ؛ ثم ختمه بفصل ممتع عن المثل الأعلي في الفن . ولكنا لا نملك أن نعرض في هذا المقام المفصل من نظريات تين في تاريخ الفن وفلسفته ، فحسبنا اليوم ما أجملنا الإشارة إليه
ومهما يكن من شيء فإن طريقة تبين في دراسة تاريخ الفن لها مزايا جليلة الشأن ، فهي تعين على تفهم الأساليب الفنية المختلفة ، وتفسر قيامها وتطورها واضمحلالها . ولكن ثمة بعض الخطر ، إذا لم يكن المرء مرنا وحريصا في اتباعها . إذ أننا نشاهد أن بعض الحالات الاجتماعية أو الأدبية أو المناخية قد يكون لها تأثير إيجابي ، كما يصح أن يكون تأثيرها سلبيا . وقد يصعب علينا حينئذ أن نطبق نظريات تين ومبادئه . فالمعروف مثلا أن الايطاليين في عصر النهضة ذاعت بينهم الاستهانة بالدين وتعاليمه ، وكان فرسانهم يتقاتلون لأهون الأسباب ، ويعيشون عيشة أباحية يقيمون الولائم وينغمسون في الملذات ، فهل كان لهذا صداء في مدارس التصوير ؟ !
أجل ؛ ولكن تأثير هذه الأحوال الاجتماعية كان تأثيرا سلبيا ؛ إذ غلبت على تلك المدارس روح دينية سلمية ووديعة ، لأن المثل الأعلى للفنانين فيها كان تصور التدين والهدوء اللذين كانت إيطاليا تنشدهما في ذلك الحين ، فكان الخيال في هذه الحال يسد ما في الحقيقة من نقص . ولكنا
نري في تاريخ أكثر الأمم والشعوب أن الدين والفن يولدان سويا ، وان الديانة كانت المحور الذي تدور حوله أخطر الجهود الفنية شأنا ، فقد كان الفن عند الشعوب القديمة خادم الدين وأداته ، ثم جاءت المسيحية فأتخذت الفن أداة لنشر مبادئها وتقريب تاريخها ونظرياتها إلي عقول الناس .
وهكذا نري أن آراء تين لا تنفعنا كثيرا في مثل هذا
الميدان . وبعد فان تلك الآراء لا تحسب حساب العوامل الفردية التي يتأثر فيها فنان أو مدرسة من المدارس الفنية ، كاتصال بالطرز الفنية الأخرى ، أو استعداد خاص يجعل الفنان يسبق عصره وبئيته ، أو غير هذا وذاك من العوامل التي يصعب إدراك كنهما .

