الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 216 الرجوع إلى "الثقافة"

تيودور نولدكه، ٢ مارس ١٨٣٦ - 25 ديسمير ١٩٣٠

Share

لن أنسي ذكريات يوم وفاته فقد كنت طالبا بجامعة ميونخ ، وكنت حديث عهد بألمانيا وجامعاتها ، وشاء الله أن أري وأسمع من هذا المستشرق العظيم في معهد من أكبر معاهد تلك البلاد ، ومن عالم من أكبر رجالات ألمانيا الذين كرسوا حياتهم في سبيل الشرق والشرقيين ونولدكه ، ثم يكن غريباً عليّ ، وانا الذي شغفت بدراسة الشرق العربي ، لغاته ، وآدابه ، حضاراته وأديانه ، قديمها وحديثها ، فكان لزاما علي أن اتعرف إلي آثار هذا

العلامة كلما أتيحت لي فرصة . وقد عرفته ، وقبل أن أرحل إلي بلاده . عرفته في مصر لا عن طريق المصادر الألمانية ؛ فقد كنت أجهل حينذاك تلك اللغة ، بل عن طريق مصدرين انجليزيين عظيمين ، وهما دائرة المعارف البريطانية ، ودائرة معارف الكتاب المقدس ؛ وذلك لأن المستشرقين الانجليز أسندوا إليه تحرير معظم المواد المتصلة بالشرق والشرقيين في المرجعين السابقين .

في ذلك اليوم دخل (هومل ) العالم المتواضع والشيخ الذي نيف على السبعين قاعة البحث عابساً مضطربا ، لقد كان اليوم عبوساً قمطريرا ، وما كاد يصل إلي مقعده حتى صاح صيحة الحزين الكئيب : مات نولد كه . واستطرد في الحديث عنه ورثائه .

مات زعيم المستشرقين الذي وإن كان في العالم القديم يذكر ، ففي الجديد لا ينكر ، مات نولدكه الذي رفع لواء الاستشراق عاليا وظل رافعه زهاء نصف قرن ، مات ذلك العالم الذي كان أمماً في فرد وأجيالا في شخص . نولد كه هو ذلك المستشرق الذي خلق علوما لم تكن معروفة من قبل ، وهجم علي أعوص المشكلات فجلاها لنا ووضع أيدينا علي حقيقتها ، فهو لم يمت إلا بعد أن ترك للعالم أربعة وعشرين سفراً ، وأكثر من سبعمائة بحث في الشرق ، لغاته وآدابه ، تاريخه ودياناته .

وهذا ليس بمستغرب على شخصية لها استعداد نولدكة ، وأتيحت لها الفرصة أن تتلمذ علي أمثال ( هينرش افالد ) مؤسس دراسة العروض العربي ، وأستاذ العهد القديم واللغات السامية و(دلمان )مؤسس الحبشية ، و ( فليشر ) عالم العربية ، والدارس للفارسية والتركية و ( لاجارد) ناشر الكثير من المخطوطات العربية والسريانية والعبرية ، وما إليها ، وهو اللغوي القدير وعالم الترجمة السبعينية ، و ( فلهوزن ) العبقري صاحب العهدين القديم والجديد ،

وبطل الشعر العربي القديم ، والديانة الجاهلية ، والتاريخين العربي والإسرائيلي .

أما نولدكه فهو مؤسس بحث القرآن واللغتين المتدعية والسريانية ، وهو أول من عنوا بالسريانية الحديثة والنقوش السامية ومقارنة لغاتها المختلفة إلي جانب عنايته بآدابها وقصصها . وكان نولدكه يجيد سائر اللغات السامية ماعدا البابلية الأشورية واللهجات العربية الجنوبية . وكان يجيد الآرامية إجادة ميزته على سائر معاصرية من المستشرقين في سائر انحاء العالم ، ونشر في المتدعية (جنوب بلاد العراق ) عام ١٨٧٥ كتاباً فيما في قواعدها كما ألف للمرة الثانية عام ١٨٩٨ كتاباً في السريانية الحديثة في بلاد كردستان ، واهتم بالسامرية والنبطية والتدمرية وما إليها من اللهجات السامية . أما اللغة العربية فكما أنها هي محور الأسرة السامية الحامية كذلك كانت محور دراسات نولدكه ، فقد نشر عام ١٨٥٦ كتاباً عن السور في القرآن الكريم ، وأصلها وتركيبها ، وكان قد كتبه في مسابقة أعلنتها جامعة ( جوتنجن ) فنال الجائزة الأولى ، واعتبر كتابه رسالة منح بمقتضاها إجازة الدكتوراه . وفي عام ١٨٦٠ أعلنت الأكاديمية الفرنسية عن مسابقة عالمية في بحث حول القرآن الكريم فاشترك ذلك المستشرق الألماني الذي كان عمره في ذلك الوقت أربعا وعشرين سنة في تلك المسابقة ، ونال جائزتها ، وعلى هذا البحث تعتمد سائر البحوث الحديثة التي تدور حول القرآن وتاريخه ، وبعد ذلك وجه نولدكه عنايته واهتمامه إلي الشعر الجاهلي ، فترجم كثيرا منه إلي الألمانية كما نشر المعلقات الخمس ، ومن ثم انصرف إلي النحو العربي ، فعرضه عرضاً تاريخياً جميلاً . ولم تلهه العربية الفصحى عن العناية باللهجات العربية الحديثة والقصص وكتب التاريخ ، كالطبري مثلا الذي ترجم منه إلى الألمانية الجزء الخاص بتاريخ الفرس والعرب

أيام الساسانيين .

ولد ( تيودور ) في 2 مارس سنة ١٨٣٦ بمدينة  (هربورج ) من أسرة المانية قديمة تقطن شمال غربي المانيا ، وكان أبوه ناظرا لمدرسة البلدة ، ومن ثم رقى فاصبح عام ١٨٤٩ ناظرا لمدرسة ( لنجن ) الثانوية علي الحدود الهولندية . ولما بلغ ( تيودور)من العمر خمسة عشرة عاما أصيب بمرض عاقه عن الذهاب إلى المدرسة نحو ربع عام فشغل نفسه في تلك الفترة بدراسة اللغة العبرية دراسة خاصة أعفي بسببها من دراستها بالمدرسة(1) وفي عام ١٨٥٣ سافر الي جامعة (جوتنجن ) فحببت إليه شخصية الأستاذ ( هينريش افالد ) دراسة اللغات السامية فاقبل عليها وأجادها ، كما اهتم أيضا بدراسة السنسكربتية والتركية والفارسية الحديثة . وبعد أن أدي امتحانه عام  1856 سافر إلي (لينرج)  حيث كان يحاضر في ذلك الوقت العلامة ( فليشر ) وبعد فترة تركها إلي( فينا ) لدراسة المخطوطات الشرقية المحفوظة بها ، وهناك التقي بشيخ مستشرقي النمسا ( فون همر برجشتال ) وبعد أن أنجز مهمته رحل إلي ( ليدن ) عام ١٨٥٧ حيث التقي بمستشرقها ( ميخائيل بان دمجويه ) وصرف زمنا في دراسة المخطوطات الشرقية بها . وفي عام ١٨٥٨ عاد إلي برلين عن طريق ( جوتا ) بعد أن حقق الرغبة التي من أجلها قام بهذه الرحلة العلمية ألا وهي جمع مصادره لكتابة مؤلفه الشهير ( تاريخ القرآن ) . وفي برلين عين نولدكه فني بمكتبتها ، إلا أنه سرعان ما غادرها عندما أحس أن مدير الدار يريد أن يحد من حريته . وفي ( كيل ) وفق فعينته جامعتها وهو في الثامنة والعشرين من عمره أستاذاً مساعداً بها خلفا للعلامة ( دلمان ) . ولم تمض على تعيينه أربعة أعوام حتى أصبح استاذاً . لكن نشاطه في تلك الجامعة لم يدم

طويلا وذلك أن الحرب السبعينية التي قامت بين المانيا وفرنسا ( ١٨٧٠ )انتهت لصالح المانيا فانتزعته حكومته من جامعة ( كيل ) وعينته في جامعة جديدة هي جامعة ( ستراسبورج ) لينهض مع زملائه الشبان بالثقافة الألمانية في إقليم ( الزاس لورين ) وقد ظل تاريخ هذه الجامعة مقرونا ناسم نولدكه من ١٨٧٣-١٩٢٠ وهكذا نري القدر يلعب دورا هاما في تاريخ حياة هذا المستشرق العظيم ، فالحرب السبعينية عينته في استراسبورج ، والحرب الأوربية الماضية أخرجته منها وإن كان تركه لتلك الجامعة كان بمحض اختياره ، وذلك لأن نفسه الحرة الأبية رفضت أن تعيش في أرض عليها علم غير علم بلاده

عاد نولدكه عام ١٩٢٠ إلي ألمانيا واختار مدينة (كارلسروه ) مستقرا له لكي يكون إلي جوار ابنه الذي كان يعيش هناك وقد اتخذ نولدكه بيته دارا لشيخوخته وبقي بها حتي وفاته . عاد من استراسبورج بعد أن صرف فيها ربيع حياته وأهدى إلي العالم أحسن مؤلفاته فإلي تلك الفترة ترجع كتبه في اللغات السامية وتاريخ الفرس وآدابهم والغسانين وقصة الإسكندر وملحمة الايرانيين القومية وقصة أحبقار وغيرها . وقد اعترف العالم بمجهوده فتسابقت الحكومات الاجنبية وأكاديمياتها العلمية إلى منحه درجاتها العلمية وألقاب الشرف إلا ان نولدكه لم يكن يعتز إلا بلقبين منها منحتهما له الحكومة الالمانية أولهما لأنه أنقذ طفلا كاد يغرق ، وثانيهما لفضله على العلوم والفنون .

والآن بعد أن فرغت من عرض حياة نولدكه ومؤلفاته أحب أن أضع بين يدي القارئ صورة تبين سر عظمة هذا العالم وقوته وهذه الصورة ليست من عمل ريشتي أو من وحي خيالي بل هي حقيقة مسجلة في مقدمة الطبيعة الثانية من الجزء الأول من كتابه في ( تاريخ القرآن ) الذي نشره ( فريدريش شوقي)

فقد أرسل ناشر ذلك الكتاب إلي نولدكه عام ١٨٩٨ بخطاب يرغب فيه اليه ان يعيد نشر ذلك الكتاب أو يقترح عليه عالما آخر يراه أهلا للقيام بهذه المهمة ، فأجابه نولدكه ( ...  فرفضت أنا لأسباب عديدة وذلك لأنه لم يكن في استطاعتي أن أعيد نشر هذا الكتاب في ثوبه الجديد الذي قد يرضيني لذلك اقترحت على الناشر بعد تفكير ثم يستغرق زمنا طويلا تلميذي وصديقي البرفسور ( شوللي ) الذي أظهر ارتياحه واستعداده لتأدية هذه الرسالة . فقد جعل من هذا الكتاب الذي ألفته منذ نصف قرن سفرا يتفق إلي حد ما مع المقتضيات العلمية الحديثة . أقول إلي حد ما وذلك لأن آثار تـهور الشباب لا يمكن محوها كلها إلا بإعادة تأليف كتاب جديد ، وكثير من المسائل التي كنت أعتقد قليلا أو كثيراً بصحتها ، تبينت في فيما بعد أنها غير مؤكدة ! ... )

اشترك في نشرتنا البريدية