الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 588الرجوع إلى "الرسالة"

ثقافة أبى العلاء

Share

لم يحيى أحد من الشعراء حياة صدق صريح لا مواربة فيه ولا خداع كما حيى أبو العلاء. . . ولم تكن حياة أحد قصيدة من  الشعر المكلوم المكتوم الحزين الباكى الناقم كما كانت حياة  أبى العلاء. . . ولم يعبس أحد للحياة تلك العبوسة الطويلة المظلمة  التى غبرت ثمانين عاماً، كما عبس هذا التنوخى أحمد بن عبد الله  ابن سليمان، آكل البُلْسُن والبَلَس(١)؛ ولم يثقف شاعر  نفسه بكل ما استطاع أن يثقفها به مما وصلت إليه يده وقدرته كما فعل المعري؛ ولم يأخذ أحد نفسه بما أخذها به أبو العلاء  من شدة وجد وصرامة، فقد عاش طول حياته منطويا على  نفسه، عزوفا عن الناس، نباتيا لا يذوق اللحم، صواماً  لا يفطر إلا فى العيدين كما يحدثنا الأستاذ متز(٢)، مستعلياً عما  فطرنا الله عليه من حياة وتناسل، حابساً نفسه فى مائة سجن  من شذوذه الذى يصادفك فى كل شيء. . . فى شعره وفى نثره  وفى أخباره وفى ثقافاته وفى اختلاف الناس فيه. . . والسجن  المؤبد فى العرف الحديث هو ما زاد على العشرين عاما، إلا أننا  لم نسمع عن سجن مؤبد زاد على الخمسين إلا فى حياة أبى العلاء،  وكان مع ذلك سجنا اختيارياً حبس الشاعر فيه نفسه عن طواعية. . . فلم يضق به. . . ولم يزور عنه، ولم يشك منه لمخلوق،  بل كان له وفياً، وبه حفياً.

أرانى فى الثلاثة من سجونى ... فلا تسأل عن الخبر النبيث

لفقدى ناظري، ولزوم بيتى ... وكون النفس فى الجسم الخبيث

وإذا قال لنا المعرى إن سجونه كانت ثلاثة فهو يقول هذا تجوزا،  لأنه دعا نفسه رهين المحبسين، وهو فى الحقيقة رهين مائة محبس  أو تزيد. . . فالمعرى لا يلقاك إلا فى سجن، ولا يحدثك إلا فى  سجن، ولا يسخر بك ويستهزئ منك إلا فى سجن، لأن كل  عادة من عاداته سجن، وكل طبع من طباعه سجن. وهو يفتن  فى ابتكار السجون التى كان مأخوذا بحبس نفسه فيها. فأنت  تقرأه فى الفصول والغايات فلا تفهمه، ولا تعرف ماذا يريد أن  يقول، لأنه يختبئ منك وراء جدران سجنه الغليظة السميكة  التى بالغ أشد المبالغة فى غلظها وجعلها سميكة، لأنه تعمد ذلك،

وسعى أليه. . . إنه لا يريد أن تفهمه فى سهولة ويسر كما تفهم  سائر الناس. . . لأنه ليس كسائر الناس. . . وأنت كذلك تقرأه  فى لزومياته فيخيل لك الغرور أنك تفهمه، مع أنك لا تفهم  مما يقول شيئا. . . إنه يختبئ منك ويستخفى وراء سجن يشبه  هذا الجحيم الذى صوره فى رسالة غفرانه. . . سجن كله دركات  مثل دركات جهنم، من فكرة فى صدر البيت، تنفيها فكرة  فى العجز، ومن رأى فى البيت الأول يضربه رأى فى البيت  الثاني، ومن عقيدة فى هذه القصيدة تلطمها عقيدة أخرى فى  التى تليها. . . كل ذلك فى ألفاظ خبيثة يخيل إليك أنها حوشيه،  ألفاظ تكاد تصرفك عن قراءة هذا الذى سماه أبو العلاء شعرا،  وما هو فى نظرك بشعر. . . بل هو فى نظرك كلام لا ينتمى إلى  اللغة العربية التى عرفها الناس لغة راقصة ضاحكة طروبا. . .  لا لغة عبوسا متجهمة تجهم تلك الثاكل التى وقفت بشاطئ  اليم تبكى بنيها الذين ابتلعتهم لجته، ولما يلفظهم عبابه!!

ثم أنت تقرأه فى رسائله الكثيرة المطبوعة التى نفحنى عمى  - شفاه الله وأطال بقاءه -(١) بنسخة منها منذ أكثر من ربع  قرن فلم أعن بقراءتها إلا حينما سمعت الناس يلغطون بذكر  أبى العلاء، ويملأون الدنيا ضجيجا فرحين بعيده الألفى.  فلا تكاد تفهم سطرا مما يقول، ولا تكاد تعرف فحوى رسالة

واحدة من تلك الرسائل الكثيرة التى كان يرد بها على مناظريه،  فيلجمهم، ويخرسهم أبد الدهر. . .

فما هذا كله الذى جشم أبو العلاء نفسه من وعورة الألفاظ  والتراكيب؟ وما تصيده ذاك كله لشوارد الكلمات وأوابدها،  إن صح أن تكون فى الكلمات أوابد! يجب أن نتلمس العلل  والأسباب لتلك القيود التى قيد بها أبو العلاء قراءه. . . ولم  يتقيد هو منها بشيء كما يتوهم الكثيرون. . .

إذن، فقد نشأ أبو العلاء بمعرة النعمان فى أسرة من الفقهاء  والعلماء والأدباء والشعراء والقضاة وسراة الناس. . . جدوده  قضاة وعلماء، وأعمامه قضاة وعلماء وشعراء، وأبوه قاض شاعر  رقيق الديباجة اسمه أبو محمد عبد الله؛ وقد أعطانا ياقوت الحموى  فى معجمه   (ج٣ ص١٠٩ - دار المأمون)  نموذجا من شعره فى رثاء أبيه، جد أبى العلاء، حيث يقول:

إن كان أصبح من أهواهُ مطرحاً ... بباب حمص فما حزنى بمطرح

لو بأن أيسر ما أخفيه من جزع ... لمات أكثر أعدائى من الفرح

ثم أخوه قاض عالم، وفقيه شاعر، ولى القضاء بعد أبيه، واسمه  أبو المجد، وكان أكبر من أبى العلاء سنا، وقد أثبت لنا الحموى  نموذجا رائعا من شعره فى الزهد، يبين لنا إحدى وشائج النسب  فى الأدب بين الأخوين الشقيقين، إذ يقول:

كرم المهيمن منتهى أملى ... لا نيتى أجر ولا عملى

يا مفضلا جلت فواضله ... عن بُغيتى حتى انقضى أجلى

كم قد أفضت على من نعم ... كم قد سترت على من زلل

إن لم يكن لى ما ألوذ به ... يوم الحساب فإن عفوك لى

فهذا شعر جيد نجد له أصداء كثيرة فى اللزوميات، ولا عجب  أن يكون للأخ الأديب أثر فى أخيه الأديب. ولأبى العلاء أخ  شقيق آخر، كان يكثر من أشعار الغزل، اسمه أبو الهيثم، ومن  شعره فى الشمعة:

وذات لون كلونى فى تغيره ... وأدمع كدموعى فى تحدرها

سهرت ليلى وبانت لى مسهرة ... كأن ناظرها فى قلب مسهرها

ثم يعد لنا ياقوت أسماء كثيرة لامعة من أسرة أبى العلاء كانت  تشتهر بالفقه والعلم والأدب والشعر. . . لكنه يحصيها كلها من  أسرة أبيه، ولا يذكر لنا اسما واحدا من أسرة والدته،  فيستدرك ذلك الميمنى فى كتابه   (أبو العلاء وما إليه)  فيسرد لنا  أسماء كثيرين من أخوال أبى العلاء الذين مدحهم وذكر أياديهم  عليه فى كثير من شعره الوارد فى ديوانه   (سقط الزند)  مما يدل  على حفظه لجميلهم وشكرانه لهم بعد وفاة أبيه وهو فى الرابعة عشرة  من عمره. . . ويصيب التاريخ خرس شديد فى هذه المرحلة الحزينة  من مراحل سنى أبى العلاء، فهو لم يحدثنا بشيء عن صلة أبى العلاء  بأخوته أو عمومته أو بنى عمومته بعد تلك الكارثة التى كانت  أشد وبالا عليه من العمى الذى أصابه فى الرابعة من عمره. . .

وهو لم يذكر لنا إذا ما كان أحد من أخواته كان لا يزال حيا  يرزق بعد وفاة هذا الوالد البار الذى كان يولى أبا العلاء من  عطفه وبره وعلمه بما ينسيه فقدان بصره. . . أو ماذا كانت العلة  فى ترك أبى العلاء وشأنه ينفق عليه أخواله فى رحلته إلى  حلب، والى إنطاكية، والى اللاذقية وطرابلس، طلباً للعلم،  واكتساباً للأدب، وتفقهاً فى اللغة، على العلماء والأدباء وفى  دور الكتب؟ حتى رحلته إلى بغداد كانت على نفقة أخواله،  كما يحدثنا بذلك الميمنى، وكما يشير إليه الدكتور طه حسين فى    (ذكرى أبى العلاء) . . . ولكن أحداً لا يحدثنا عن علة اتصال  المعرى بأخواله هذا الاتصال الحبيب العجيب، ثم انصرافه عن  أخوته وعمومته. . . وليس معقولاً أن تكون المحبة الطبيعية  بين بنى البطون وحدها سبب ذلك، وما يكون من عداوة بين  بنى الظهور. . لن يكون هذا سببا كافيا ولا معقولا أبداً. . .

إن والد أبى العلاء لم يترك له ثروة تذكر. . . وكان كل دخله  ثلاثين ديناراً يغلها له أحد الأوقاف من أسرته لأبيه، كان يدفع  منها نصفها لقارئه كل عام. فأين كان أخواه؟! وأين كان هذا  الثبت الطويل من أسماء القضاة والعلماء والفقها الذين أحصى  ياقوت منهم طرفا ولم يحص أطرافا؟! هنا يصمت التاريخ. . .  ولابد أن يكون لصمته سر فظيع فى نشأة أبى العلاء الأولى،

ولابد أن يكون لهذا السر أثره الفظيع كذلك فى ثورة أبى العلاء  وتبرمه بالدنيا وتجهمه للحياة وضيقه بالناس، وتسفيهه لمعتقداتهم  التى لم ينتفع بها أهله من أبيه فى علاقاتهم بهذا الفتى الأعمى  المحروم من العون، المتقلب فى البلاد، الضارب بين قرى الشام،  المعجب بأساتذته من رهبان ذلك الدير باللاذقية يدرس عليهم  الإنجيل والتوراة، والفلسفة، كما درس على أبيه الرؤوف الرحيم  البار القرآن واللغة والتفسير والفقه والعروض، وكما درس طرفا  لا يعتد به من الحديث على هذا الرجل المدعو يحيى بن مسعر(١) الذى لم يستطع أن يشعر قلب أبى العلاء حلاوة الإيمان، فأسلمه  بجهله إلى الشك والحيرة ترى! هل يستطيع أحد أن يكشف لنا عن ذلك السر؟

(للحديث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية