المعروف أن الأندلسيين أخذوا عن أهل المشرق ثقافتهم وعلومهم ؛ ولكن هناك فرقا بين الثقافتين ، فقد اتصل العباسيون بالفرس ومن جاورهم ، وامتد سلطانهم في بلاد المشرق من أقاصي الصين والهند وتركستان وخوراسان إلي سواحل البحر المتوسط وجزره ، ودخل أهل هذه البلاد في الإسلام . واستعان خلفاء بني العباس بالفرس في إزالة دولة بني أمية ، فأصبح الأمر والنهي لأبناء الأكاسرة ، وصاروا قادة الفكر وأصحاب الأمر والنهي . وكان منهم العلماء والأدباء والوزراء والشعراء والكتاب ، وجاءوا بتراث آبائهم العقلى والاجتماعي ، فبذروه في المملكة الإسلامية وفي عقول العرب ومن انتمى إليهم ! وساعدوا الخلفاء في نشر ثقافة
اليونان بالعمل على نقل كتبهم العلمية والفلسفية ؛ كما عملوا على نقل علوم بعض الأمم الأخري إلي لغة العرب واجتمع في بغداد العلماء والأدباء من كل أمة وصنف ، وكل مذهب ونحلة ، حتى كانت قاعدة بني العباس كأنـها مدينة دولية ، أو جامعة لجميع الأمم ؛ فانتشرت الثقافة الفارسية واليونانية ، واصطبغت العقول بهذه الصبغة الأجنبية . وكان بجانب هذه الثقافة العلمية ثقافة أخرى عربية إسلامية سبقت تلك الثقافة الأجنبية ، قام بنشرها والعناية بها علماء اللغة والدين من العرب والعجم ، وامتزجت هذه الثقافة العربية بالثقافة الأجنبية ، فكانت هناك حياة علمية هي خليط من أدب العرب وعلومهم ودينهم وأحكام شريعتهم ؛ وأدب الفرس وعلوم اليونان والسريان وغيرهم .
وقد تولد من هذه الثقافة مذاهب أدبية واجتماعية وسياسية وفلسفية ، حتى سري ذلك إلي الدين وأصوله ، فأحدث هذا كله في الحياة العقلية الإسلامية حركة جديدة ونوعا من التخبط والاضطراب في العقائد والسياسة وقيادة العقول ، وكانت الصبغة الأجنبية أظهر من الصبغة العربية في كثير من ذلك
أما في الأندلس فكانت الحال علي غير ذلك ؛ فقد فتح العرب بلاد الأندلس وكانوا هم قواد الجيوش وأمراء البلاد وأصحاب الأمر والنهي . وقد أرادوا أن يؤسسوا لهم دولة عربية خالصة من كل شائبة أجنبية ، لينافسوا دولة العرب الفارسية في بغداد ، وملك بني العباس الذين دمروا ملك بني أمية في ربوع الشام ، ونكلوا بخلفائهم وأبنائهم أشد تنكيل . وكان في نفوس عرب الأندلس حفيظة من الأجانب الذين أحلوا الروح الفارسي محل الروح العربي في كل مظهر من مظاهر الحياة العقلية والاجتماعية .
لهذا أراد حكام الأندلس من العرب ، وبخاصة بنو أمية ، أن يكون ملكهم هناك عربياً خالصاً ، وأن تكون ثقافتهم عربية إسلامية ، فتعصبوا لـأصلهم العربي ،
ولغتهم العربية ، وثقافتهم الإسلامية ، وعملوا على تحقيق ذلك ، ولم يحفلوا بادئ الأمر بما كان بالبلاد التي فتحوها وملكوها من ثقافة لاتينية أو غيرها ، ولا بنقل شئ منها إلي لغتهم .
وكان الذين يرحلون منهم إلي بلاد المشرق في طلب العلم يأخذون عن علماء الدين واللغة لا غير ، كما كانوا يستقدمون من بغداد وغيرها جماعة من أئمة الفقهاء وأهل الأدب : كأبي علي الغالي الذي استقدمه عبد الرحمن الناصر لتربية ابنه الحكم وتعليمه ، ولقد ألف الغالي لعبدالرحمن هذا كتابه الأماني ؛ وكأبي الفرج الأصفهاني الذي طلب إليه عبد الرحمن نشر كتابه الأغاني بالأندلس قبل نشره في بغداد ، ووهبه على ذلك مالا عظيما قيل إنه مقدار ألف دينار ؛ وكيحي بن يحي الليثى الفقيه الشهير الذي رحل إلي مكة وأخذ الفقه عن الإمام مالك وروي عنه الموطأ .
فإذا كان أهل الأندلس يجارون المشارقة في العلوم والمعارف ، ويأخذون عنهم كل شئ ، فقد كانت تلك المجاراة مقصورة على علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية بادئ الأمر لهذا بقيت ثقافة الأندلسيين عربية إسلامية إلي أواخر القرن الرابع الهجري أو نحو ذلك ، فكانت علوم اللغة والشريعة أساسا لثقافتهم كما كانت أساسا لثقافة العالم الإسلامي في كل بلد كان للمسلمين فيه أثر علمى أو عقلي وكان ذلك أشبه بالثقافة اللاتينية المنتشرة الآن في بلاد فرنسا و إيطاليا وأسبانيا وبعض حكومات أمريكا الجنوبية التي سكانها من أصل لاتيني ، بل وفي بلاد الروسيا وأمم الصـــــــــــــقالية لاحتكاكهم بالفرنسيين وأخذهم عنهم الآداب والفنون . كذلك كان العالم الإسلامي متأثراً بعلوم اللغة العربية وعلوم الدين ، فظهر ذلك في الحياة العقلية والقومية للأمم التي دخلت الإسلام ، كالفرس والترك وأمم البربر ، وأصبحت عقولهم وأخيلتهم عربية ، وأساليب التفكير لديهم عربية إسلامية ، وهذه أمة الفرس لم تظهر سطوتها
الأدبية إلا بعد أن أسلم الفرس وتأدبوا بلغة العرب ، وعطروا عقولهم الآرية بعبير التفكير السامي وبالثقافة العربية . فان الشاهنامة التي هي أعظم أثر أدبي في لغة الفرس - علي ما نعلم - نظمت في القرن الرابع الهجري ، نظمها أبو منصور محمد بن أحمد الدقيقى التوفي سنة ٣٦٥ ه ، وأتمها أبو القاسم المنصور الفردوسي المتوفي سنة ٤١١ ه .
فالثقافة العربية الدينية كانت أساسا للتفكير الإسلامي في بلاد الأندلس إلي القرن الرابع كما قلنا . ولكن عرب الأندلس رغم ذلك كانوا كجميع الأمم الناهضة تتطلع إلي معرفة الحياة العقلية والعلمية للأمم الأخرى ، حتى تجاريهم في ذلك أو تفوقهم إذا كان لابد من هذا ؟ فرغم تمسكهم وتشبعهم بالثقافة العربية الإسلامية الخالصة وتعصبهم لها كان من بينهم جماعة من علماء الطب النابغين وعلماء الرياضة والفلك ، الذين ذاع أمرهم في جميع الأصقاع وانتشرت مؤلفاتـهم في كل بلد ، وكانوا مع ذلك شعراءً وكتابا وعلماء في اللغة والأدب والفقه والشريعة ، لم يغفلوا ثقافتهم اللغوية والشرعية ، نذكر منهم الحفيد محمد بن أبي مروان بن زهر الطبيب ( كان حافظاً للقرآن ، وسمع الحديث واشتغل بعلم الأدب والعربية ، ولم يكن في زمانه أعلم منه بمعرفة اللغة ، ويوصف بأنه أكمل صناعة الطب والأدب ، وعمل عمل الشعر وأجاد فيه ، وله موشحات مشهورة يغني بها ، وهي من أجود ما قيل في ذلك ، وكان ملازما للأمور الشرعية ...ولم يكن في زمانه أعلم منه بصناعة الطب (1) .
وكان أبو بكر محمد بن يحي بن الصائغ المعروف بابن باجة أستاذ ابن رشد ( في العلوم الحكمية علامة وقته وواحد زمانه ... وكان متميزا في العربية والأدب حافظا للقرآن ، وكان مع ذلك بارعا في علوم الموسيقى ، وله كتاب في هذا الفن ، قالوا عنه إنه في الغرب بمنزلة أبي بكر الفارابي في
الشرق ، وإليه تنسب الألحان المطربة في الأندلس التي عليها الاعتماد (1) .
أما الفلسفة واشتغالهم بها فقد كانوا في أول أمرهم هناك أقل عناية بها من أهل المشرق ، لأنهم كما روي المؤرخون لم يكونوا من أهل الجدل الديني ، إذ كان جمهرتهم من أهل السنة ، كما ذكر ابن حزم فقال : ( أما علم الكلام فإن بلادنا وإن كانت لم تتجاذب فيها الخصوم , ولا اختلفت فيها النحل ، فقل لذلك معرفتهم في هذا الباب ، فهي على كل حال غير غريبة عنهم ) ومع هذا فلم تخل مكاتبهم من كتب الفلسفة ، ولا جهل علماؤهم دراستها ، ولا سيما في القرن الرابع ، منذ عنى الحكم ابن الناصر بجمع الكتب واقتناء النفيس منها ؛ كما قال ابن أبى أصبيعة . " فإن هذه الكتب الفلسفية كانت متداولة بالأندلس من زمن الحكم مستجلبها ومستجلب غرائب ما صنف بالمشرق ونقل من كتب الأوائل وغيرها فنضر الله وجهه " (2) .
وقد قال رينان الفيلسوف الفرنسي في كتابه عن ابن رشد ما معناه : لقد شعر العرب زمن الحكم بن عبد الرحمن وقبله بقليل بالحاجة إلي تحرير فكرهم من الأفكار القديمة ؛ وربما كان ذلك ناشئاً من اتصالهم باليهود أو المسلمين في الأندلس ، أو من تأثير البيئة الجديدة التى كانوا يعيشون فيها ، وساعدهم الحكم على ذلك بما نشره من الكتب التي جمعها في مكتبته المشتملة علي كثير من الفنون الأدبية وأنواعها ، حتى كانت آدابهم هناك أروع الآداب في القرون الوسطى . وقد ساعد على ذلك هذا التسامح الديني الذي ذاع في تلك الاصقاع الممتازة ؛ فكان المسلم والمسيحي واليهودي كل منهم يتكلم لغة واحدة ، ويتغني بشعر واحد ، ويدرس علوماً واحدة فزالت جميع العقبات التي كانت تفصل بعض تلك الأمم
عن بعض ؛ بل كانت كل هذه تتكاتف علي نشر هذه الثقافة . وكان يجتمع بمسجد قرطبة ، مركز العلوم والفنون إذ ذاك ، آلاف من الطلاب يدرسون كل ضروب العلم والأدب " .
وقد كان الحكم نفسه ميالا إلي الاشتغال بالعلوم والقراءة والدرس وكثرة المطالعة ، وكانت له تعليقات وشروح علي هوامش الكتب في مكتبته يكتبها بخطه ، وقد عنى بها عناية عظيمة ، كما هو معروف بجمع تلك الكتب في مكتبته الشهيرة . وقد قالوا إن الحكم هذا كان من أكبر الوسائل في هدم ميول المقلدين وأصحاب الجمود ، ولم يظهر أثر ذلك في اسبانيا وحدها ، بل ظهر في أوربا المسيحية ، كما قال الفيلسوف رينان ؛ فكان لهذا أثر عظيم في تاريخ الحضارة الأوربية .
ولكن هذه الحركة العلمية لم تلبث أكثر من قرنين حينما استولي البرابرة على بلاد الأندلس في أوائل القرن السادس .
على أن دراسة الفلسفة كان لها أعداء كثيرون ، كانوا يعملون على هدمها لما كان في نفوسهم من جهل او تعصب ؟ قال ابن أبي أصبيعة في ترجمة أبي بكر محمد بن الصائغ ( توفي سنة ٥٢٣ ) " وإنما انتهي النظر في هذه العلوم بهذا الحبر وبمالك بن وهب الاشبيلي . فإنهما كانا متعاصرين ، غير ان مالكا لم يقيد عنه إلا القليل النزر ، وأضرب الرجل النظر ظاهرا في هذه العلوم وعن التكلم فيها لما لحقه من المطالبات في دمه بسببها " . جـ ٢ ص ٦٣ .
وكان أبو الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني المهندس الرياضي أول من جلب معه من المشرق رسائل إخوان الصفاء ( توفى بسرقسطه سنة ٤٥٨ ). وأكثر الأطباء والمنجمين في الأندلس كانوا فلاسفة ، ولكن تعصب بعض الأمراء وعامة العلماء على الفلسفة والفلاسفة جعل المشتغلين بهذا العلم يخفون اشتغالهم تجنبا لما عسي أن يلحق بهم من الأذي ، حتى لقد كان كبار الفلاسفة ينكرون
مؤلفاتهم . قالوا : " وأما كتب الفلسفة فإمامها في عصرنا أبو الوليد بن رشد القرطبي . وله تصانيف جحدها لما رأي انحراف المنصور بن عبد المؤمن عن هذا العلم وسجنه بسببها ؛ وكذلك ابن حبيب الذي قتله المأمون بن المنصور على هذا العلم بأشبيلية ، وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره فلذلك تخفي تصانيفه " نفح الطيب جـ2 ص132 .
" وبلغ من كراهية المنصور لهذا العلم أنه أمر أن تجمع كتب الفلسفة من المكاتب وأن تحرق ، وأنه قصد ألا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة باقيا في بلاده ، وأباد كثيرا منها بإحراقها بالنار ، وشدد في ألا يبقي أحد يشتغل بشيء منها ، وأنه إذا وجد أحد ينظر بهذا العلم أو وجد شيء من الكتب المصنفة فيه فإنه يلحقه ضرر عظيم " طبقات الأطباء جـ 2 ص ٦٩ .
على أن بعض الأمراء في ذلك الزمن كان له ميل
عظيم للعلم والفلسفة ، كأبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٥5٨-٥٨٠ ) الذي اشتهر بحبه للعلم والاشتغال به ، وبجمع الكتب . وكان يتناقش مع ابن رشد الفيلسوف الشهير حتى قال عنه ابن رشد : إنه هو الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم ارسططاليس .
من هنا يمكن معرفة الفرق بين ميول المسلمين العلمية والعقلية في الأندلس وفي بلاد المشرق ، وبين نوع التفكير هنا وهناك ويمكن التمييز بين الثقافتين وأيـهما أقرب إلي حرية الفكر ونضجه ؛ ولا سيما إذا وازنا بين خلفاء بني العباس في بغداد وملوك الأندلس من المسلمين ، إذاً لعلمنا بأن الاشتغال بالعلوم العربية والدينية في بلاد الأندلس كانت وجهة جمهرة العلماء والمثقفين هناك ، وان الاشتغال بالفلسفة كان من صفات خواص المفكرين ، وأن أثر الفلسفة لم يظهر في الأدب الأندلسي ظهوره في أدب أهل الشرق .

