الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 616 الرجوع إلى "الثقافة"

ثقافة القرآن

Share

إذا كانت كلمة الثقافة فى مصطلح المعاصرين تدل على المعرفة الشاملة ، فقد حالفنى التوفيق بانتقاء العنوان ، حين جعلته لمقالى هذا " ثقافة القرآن " لان كتاب الله جمع فاوعى ، فهو معرفة عامة بشئون الدين والدنيا ، وسفر جامع لخوالص العبر والعظات ، وهدى للضالين ونور وإيمان المتقين .

فى القرآن فن قصصي من الطراز الأعلى ، يصور خلجات القلوب ويعبر عن نزعات النفوس ، وفيه تاريخ محكم يبعث ذكر الأولين ، وفيه تشريع وفلسفة وأخلاق وبيان ، فهو من أقطاره وأغواره ، وفى سوره وأسراره ثقافة كبرى ، ومورد معرفة لا ينضب فى مطلب المتعلمين والمثقفين .

وما كنت فى هذا المقال متزمتة مستبطنة ، أصطنع التقوي لأحض على الطاعة مرهتبة بالعقاب أو مرغبة بالثواب ، وإنما يقتضبنى الحق أن أدعو إلى هذه الثقافة الماسة ، وأن يكون كتابها فى كل يد وشغل كل طالب إلى جانب درسه وبحثه ، فما تخلى الله عن قوم إلا حين تخلوا عن كتابه وغفلوا عن خطابه . ورحت أسائل نفسى : ماذا صنعنا بثقافة القرآن ، أتعرف الناشئة عندنا منه قليلا أو تعى كثيرا ، وهل أخذ أولو الأمر من رجال التعليم بما يجب على الأمة من العناية بهذه الثقافة ؟ .

كنت وأنا بمصر أري الكتاب الأعز فى حجرات المدارس ورفوف البيوت والخزائن ، وأسمع ترتيله فى مجالس الكبار والصغار ، وتنساب أمامى آياته وسوره على السنة لاهجة ببيانه العذب وأسلوبه المسكين . فكانا نبع الفصاحة لأولئك الخطباء والشعراء والمحدثين الذين منهم زغلول وشوقى والبشرى ، وما قرأت مقالا لعظيم أو سمعت رأيا لأدب أوتي بسطة فى التعبير والتفكير إلا أدركت أنه ينضح كلامه من وحى القرآن وبيانه ؛ ولقد يخامرنى الوجوم حين أتتبع أدينا السوري الحديث بشعره ونثره فأري انسياب الركاكة وبجاجة الأسلوب ، على أنى قد اهتديت إلي سبب الداء فهو إهمال ثقافة القرآن ؛ أفما يكون من الصواب أن

‏يجعل هذا الكتاب فى بعض الفصول من المدارس والمعاهد مشحذة بلاغة ومواهب للطالبات والطلاب .

كان التعليم فى ماضي السنين آخذا فى بلادنا بطرف من هذه الثقافة إلى جانب زهر الآداب والعقد الفريد وكليلة ودهنة ، أما اليوم فقد ألغيت قراءة النصوص فى الفصول الثانوية التي تتأهب للحصول على الشهادة ، فيخرج الناشئون وهم فقراء من بيان العرب لا يعرف أكثرهم كيف يدير لسانه بجملة معربة .

هذه خواطر عرضت لى وأنا اقرأ تفسيرا جليلا لجزء " تبارك " وهو الجزء التاسع والعشرون من الكتاب الكريم ، وإنه لتفسير قيم حكيم وضعه العالم الجليل الشيخ عبدالقادر المغربيى وانفقت وزارة المعارف المصرية على طبعه ونشره وأقرته مشيخة الأزهر ، لما فيه من العناية بتقرير المسائل التى تمس إليها الحاجة ، وقد أشارت بتعميمه فى المعاهد وبين الجمهور ، وإذا عرف القارئ أن شيخنا المغربى من الثقات الأفذاذ فى حقائق الإسلام ودقائق اللغة والبيان ، أدرك قيمة هذا التفسير الذى جاء فى جزء " تبارك " وقدر جهد المؤلف وتحريه الحق والصواب فى التأويل والتعليل .

والتفسير للقرآن ثقافة قديمة عرفها المسلمون منذ أنزل الله كتابه على نبيه ، فلم يكد رسول الله يوسد تراه حتى عكف صحبه على سور القرآن يرتبونها ويجمعونها حتى إذا كان للخليفة عثمان ثواب هذا الجمع أخذ مصحفه ينشر فى أمصار المسلمين ويصل إلى أيدى العلماء والمفكرين ، وأخذ الصحابة ثم التابعون يشرحون منه ما يشرحون ويفسرون آياته موضحين مقاصدها بما أثر عن حديث رسول الله وسنته وسيرته ، وكانت تفاسير القرآن منذ الإمام البيضاوى إلى الإمام محمد عبده آفاقا منيرة أعانت على تفهم القرآن تفهما عصريا مفيدا ، وقد لقى الشيخ محمد عبده ما لقى من المتاعب فى سبيل تفسيره القويم ، وكانت آراء الشيخ المصرى العظيم نبراسا جديدا فى فهم القرآن فهما عقليا يأخذ من الآداب

بيانها ومن العلوم تعليلها ، ولمع في أفنى الثقافة القرآنية كوكب الشيخ الكبير محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار فانتشرت بآثاره ودعوته هذه الثقافة ، وكان الجامع الأزهر حصن هذه الثقافة القرآنية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر ولا يزال إلي اليوم حافظ هذا المفخر العربي المجيد .

ويشاء الله أن يسهم علماؤنا الأعلام بالشام فى هذه النهضة المرجوة فيكون من الشيخ المغربي تفسيره لجزء تبارك ، وللأستاذ الجليل طريقة مضيفة فى هذا التفسير ، بل هو ذو منهج علمى فى تبيان القرآن ؛ إنه ليستهل تفسيره لكل سورة بنبذة تاريخية من مكان نزولها وسببه . ثم يبسط القول فى معانى الآية ومراميها ، بأسلوب مبين ، يكون شرحا أدبيا عاما للآية ووسيلة إلى التبسيط من أجل التعميم فى التفهيم ، وبعد ذلك يأخذ فى شرح الكلمات شرحا لغويا معجميا ، ولا يجد عليه من بأس فى أن يتناول أخبار العلوم الحديثة ، فيجعل منها شرحا لبعض الآيات كما صنع حين فسر قوله تعالى : " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير

لقد اصطنع الأستاذ المغربى من الحذق ما يتعايا علي انذاءه من المفسرين المعاصرين ، جامعا بين الرأي القديم والفكر الحديث ، ذاكرا بأن التفسير الذى أجمع عليه القدامى هو أن الشياطين طائفة من المخلوقات الشريرة لا نعرفها بأعبائها ، وإنما نعرفها بآثارها ، ومن جملة هذه الآثار خواطر السوء ونزوع الأنفس إلى الشر والمنكر ، ثم يتخلص المؤلف من التفسير القديم إلى تفسيره الحديث بهذه العبارة " إن تلك النجوم خلقت زينة للسماء ورجوما للشياطين . ولا ينافى هذا أن تكون النجوم خلقت لأسباب أخر ككونها علامات يهتدي بها المسافرون في خدمات البر والبحر

إذ ليس فى الآية ما يستدعى الحصر ، ثم ينطلق المؤلف لابسا حلة فلكي حاذق ، وكأنه يجرى حديث العلامة الفلكي "فلاماربون " حين كان يتحدث عن النجوم قائلا : والنجوم أجرام كبيرة ثابتة فى مراكزها ، وتسمي ثوابت ، أو متحركة في أفلاكها ، وتسمى سيارات ، وحين يتجاور كلمة الرجوم يقول : والرجوم وهو الشهب أجرام صغيرة مضيئة منفصلة عن النحوم وسابحة فى الفضاء ، حتى إذا اقترب منها واحد من تلك الأرواح الشريرة المسماة

شياطين انقضت عليه بهيئة شعلة نارية وأحرقته ، على أن تفسيره هذا وسط بين العقل والنقل ، أما التفسير الأخير فكان منه عقلا محضاه لقوله : ورأى العلماء المتأخرون فى سبب انخفاض الرجوم المسماة فى اصطلاحهم " نيازك " أنها بعد انفصالها عن الأجرام السماوية بسبب من الأسباب تبقى سابحة فى الفضاء حتى إذا اتفق اقترابها من كوكب آخر ، أو من كوكبنا الأرض ودخلت فى منطقة نفوذه جذبها إليه بسرعة هائلة فتحترق وتتلاشى هباء منثورا ، أو تبقى منها بقية تسقط على سطح الأرض ، وهى ما يسمونه الحجر النيزكى " .

وهكذا يكون من الأستاذ الكبير تفسير يأخذ بالاعتقاد الإسلامي الجازم ، ولا ضير عليه فى أن يأخذ بأطراف العلم الحديث لتوضيح الدين بالدنيا والغيبات بالحقائق العلمية الحديثة ، وقد سن له هذه السنة الشيخ محمد عبده فى كثير من آى الذكر الحكيم ، وكان الشيخ الإمام قد تقدم بتفسير جزء " عم " فكان الأستاذ المغربى متحما لفضله ، ناسجا علي منواله .

(دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية