الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 299الرجوع إلى "الثقافة"

ثقافة لغوية، دقل

Share

تحدثنا المعاجم اللغوية التي بأيدينا أن الدفل من التمر  معروف ، قيل هو أردا أنواعه ، ومنه قول الراجز

لو كنتم تمراً لكنتم دفلا      أو كنتم ماء لكنتم وشلا

واحدته دقلة . وقد أدقل النخل . والدفل أيضاً ضرب من النخل . وفي نفس هذه المعاني أو ما يقرب منها ، نجد هذا اللفظ في كثير من اللغات السامية . وحدث في عصر متقدم جداً ، أن استعارت اليونانية هذا اللفظ ، وأصبحنا ، كما يقول رجال اللغات الهندية الأوربية ، تجد لفظ (دقتيلوس daktylos) بمعنى " تمر " ؛ ومن ثم أطلق على كل شئ يشبه التمر كالإصبع ، وعلى بحر من بحور الشعر (طويل قصير قصير) نسبة لأجزاء الإصبع . وعن اليونانية انتقل إلى اللاتينية ، ومنها إلى سائر اللغات الهندية الأوربية ، حيث نجد في الإيطالية (دترو dattero) ، والأسبانية (دتيل datil) ، والفرنسية " دت datte" ، والألمانية " دتل dattel"

زبون

من المعاني التي تستعمل فيها مادة " زين " في العربية هذا النوع من البيع الذي نفهمه من التعبير - زين التمر :  باعه على شجره بتمر كيلا . ثم تجد في العربية المتأخرة " زيون " وجمعها زباين للدلالة غالباً على المشتري ، وقليلاً على البائع . وفي هذه المعاني ، نجد هذا اللفظ ومشتقاتة في الآرامية حيث " زينيتو " بمعنى " ميزان " .

وهذه المادة ، كما يتضح لنا من النصوص الواردة كدية الأصل قديمة الاستعمال ، وقد جاء فيها لفظ " زبانيت " ومعناه " ميزان " ، فكأن لفظ - زبون - معناه الرجل الذي يتجول ومعه ميزان للبيع والشراء .

سبت

وهذا لفظ لست في حاجة إلي ذكر مكانته من تاريخ ، شعوب الحزيرة خاصة ، والعالم عامة . فهو لفظ ديتى مقدس واسم أحد أيام الأسبوع ، وهو أكادي الأصل صيغته "شبت" ودلالته اليوم الخامس عشر من الشهر القمري ، أو بمعنى آخر اليوم الذي يصير فيه الهلال بدراً .

ويرجح أن أصل هذا اللفظ كلمة " شبات " ومعناها (نظف) وقد استعملت العربية كلمة (سبت) في معني يقرب من هذا : فسبت الرجل رأسه : حلقه ، قال الحريري : وبرزت من الحمام بعد سبت رأسي . ثم يظن أن الأكدية أطلقت هذا اللفظ على اليوم الذي كانت تنظف فيه العابد خاصة ، وكان ذلك عادة في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري . ومن هنا أصبح لفظ " شبات " في الاكدية يقابل كلمة " بدر " في العربية ، واكتسب صفته المقدسة وصار يدل - لا في الأكدية فحسب ، بل في سائر اللغات السامية - على يوم الراحة والفرح والسرور ؛ ثم اتصل الإسرائيليون بالأكاديين فاستماروا هذا اللفظ ، وكانوا الواسطة بين الشعب البابلي الأشوري وسائر شعوب العالم . ويرجح كثير من رجال اللغات السامية أن لفظ " سمطة " الدال في المصرية القديمة على اليوم الخامس عشر من الشهر يرجع إلي الأصل الأكادي .

وقد حرم سكان الرافدين قديماً أكل الخنزير والنكاح والسباحة والاستحمام وأشياء اخري كثيرة في ذلك اليوم ، كما اعتقدوا في شؤم العدد سبعة والأعداد القابلة للقسمة عليه ؛ وهذا الاعتقاد هو الذي حدا باليهود في العصور المتأخرة إلي القول بأن نجم هذا اليوم هو زحل

وعن الساميين انتقل هذا اللفظ كاسم من أسماء أحد بأيام الأسبوع إلي الغرب ، فتجده عند اليونان والرومان وسائر الشعوب الهندية الأوربية ، مع ملاحظة أن الألمان

والفرنسيين واليبطاليين ، اشتقوا ألفاظهم من الصيغة  القديمة ، بينما أخذ الإنجليز لفظ " سترداي Saturday" من اسم النجم الملازم لهذا اليوم ، أعني " ستورن Saturn "  كما اعتقد اليهود في العصور المتأخرة .

قفة

أقدم نص سامي حفظ لنا هذا اللفظ هو الأكادي ، حيث ورد لفظ " قف " بمعنى " صندوق " أو " قفص " ، وعنها أخذته الآرامية فالعربية . وقد انتقل هذا اللفظ إلى الغرب عن طريقين : طريق شرق أوروبا ، فنجده في اليونانية واللاتينية " قوفينوس " وعن طريق أسبانيا حيث العرب بالأندلس ، فنحن نجد اللفظ في الأسبانية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية . وقد تفتت  كل لغة من هذه اللغات في الكلمة فصاغت منها مختلف الصيغ التى نجدها مدونة في معاجم اللغات الهندية الأوربية

كتان

في الأكادية " كتو أو كتنو " ، وهو لفظ يطلق على هذا النوع من القماش الذي يصنع من هذا النبات المعروف لدينا ، ومن ثم نجده في الآرامية والسربانية والعبرية والحبشية والعربية ، ومن اللغات العامية انتقل إلي الأرمنية واليونانية ، وفي اللاتينية " تنكا tunica " - مع تقديم بعض الحروف وتأخير الأخرى - بمعنى هذا الثوب المصنوع من الكتان ، وعن اللاتينية انتقل إلي سائر اللغات الهندية الأوروبية .

وهناك نفر من العلماء يعتقد ان لفظ " قطن " مشتق من مادة "كتن" . وإلى اللفظين ترجع هذه المجموعة من المفردات المنتشرة في أوروبا وآسيا وأمريكا وأفريقية ، والتي تتفق جميعها في لام الكلمة ، بينما تكتب عينها تاء  أو طاء ، وقاؤها قافا أو كافا أو هاء .

كمون

يرجح أن هذا اللفظ كان يطلق عند البابليين الأشوريين على " الفأر " ومن ثم استعمل للدلالة على هذا النوع من العشب المعروف لدينا ، ويكون معني اللفظ في الأصل " عشب الفأر " ؛ وعن هذه اللغة انتقل إلي العبرية وسائر اللغات السامية ، وعنها إلى الهندية الأوروبية كاليونانية واللاتينية والإنجليزية والألمانية، وقد توسعت في استعماله فاستخدمته في معاني لم تستخدمه فيها الاسرة السامية.

مسكين

لا شك عندي في أننا إذا أردنا معرفة مدلول هذا اللفظ في اللغة العربية تناولنا معاجمنا اللغوية وتحثنا عنه تحت مادة " سكن " وهذه الكلمة تستخدم بمعنى " قر " وسكن فلان داره : استوطنها ؛ وسكن إليه : ارتاح ؛ وسكن عنه الوجع : فارقه ، إلي غير ذلك من المعاني المختلفة التى حفظتها لنا معاجمنا . وإذا واصلنا قراءة هذه المادة وجدناها تقول : إن المسكين من لا شئ له ، وقبل من له ما لا يكفيه ، وقيل من اسكنه الفقر ، أى قلل حركته ، أو لسكونه إلى الناس . وفي الحديث : " ليس المسكين الذي ترده اللقمة أو اللقمتان ، وإنما المسكين الذي لا يسأل ولا يفطن له فيعطي" . والمسكين أيضا الذليل المقهور وإن كان غنيا .

هذه هي خلاصة مادة " سكن " . ومن النظر إليها يتبين لنا أن لغوبى العربية اعتقدوا أن " مسكين " من "سكن" ، لذلك اضطربوا عند تعريفهم له ، وحاولوا التوفيق بين مادة سكن ولفظ مسكين . والواقع أن لفظ مسكين لا يرجع إلي مادة "سكن" بل إلى "كين" وكان له يكين كينا ، أي خضع ؛ وأكانه الله إكانة : خضعه وأدخل عليه من الذل ما أكانه ؛ واكتان الرجل اكتيانا :

حزن وهو يسر الحزن ، أي يخفيه ؛ والكينة بالكسر الشدة العذلة . ونفس هذه المعاني الواردة في العربية نجدها أيضاً في اللغة البابلية الأشورية تحت مادة " كان " وأصلها - كين - التى يعتقد انها الأصل الذي انحدر منه لفظنا العربي . والذي حدث أن البابلية الأشورية لم تقف باللفظ عند هذا الوزن ، بل صاغت منه صيغة أخرى على وزن مألوف فيها الا وهو وزن " شفعل " الذي يقابله في العربية " سفعل " واصبحنا نجد في البابلية الأشورية " شكين " بمعنى استكان ، وفي العربية سكين - كما يقال من " حت " سحت ، ومن " طح " سطح - وبعد ذلك جيء تميم اسم المفعول وصارت " مسكين "

أما المعنى الأصلي لهذا اللفظ كما يفهم من البابلية  الأشورية فهو الفرد الذي ينتمي إلي الطبقة التي هي بين الأشراف والموالي .

وعن اللغات السامية انتقلت الكلمة إلي الإيطالية ، حيث نجد " مسكينو meschino "، والفرنسية " مسكين "mesquin

ولم يقف هذا اللفظ عند هذا المعنى الأشوري القديم ، بل تجده يستخدم منذ عصر بعيد للدلالة على المريض بالجذام ، وقد ورد بهذا المعنى في نص سرباني يتصل بحياة " ريولا " ، وفي نصوص عربية كثيرة قديمة وحديثة

ملك

يقال في الأمثلة البابلية الأشورية . الملك ظل الله على الأرض ، والشعب ظل الملك . فهذه الصورة الجميلة التي يرسمها لنا هذا المثل الخالد تبين لنا الملك وأخلاقه من ناحية ، والعلاقة بينه وبين شعبه من ناحية أخرى . وكل

هذه الصفات وتلك العلاقات تتجلي لنا في مادة " مسلك " في لغة البابليين الاشوريين ، فهي تستعمل بمعنى أرشد واسترشد ، وقرر ، وفكر ، وكفل ، وغير ذلك من المعاني التي تتصل بالنصح والعناية . وقد استخدمت اللغة لفظ " مالك " بمعنى مستشار ، كما لقبت به كثيرين من الآلهة  أمثال مردوك وشمس وعشتر ؛ وعن الاكدية انتقل اللفظ إلى العبرية والأرامية والعربية ، ومن ثم صيغ في اللغات السامية المتأخرة من الأسم " ملك " الفعل " ملك " بمعنى صار ملكا . وذهبت العربية والحبشية بعيداً فصاغتا من المادة لفظ " ملك " بمعنى استولي أو أحرز ، وانفردت العربية بسائر المعاني التي نجدها في معاجمنا التي بأيدينا .

منديل

استعارته العربية وغير العربية من اللغات السامية كالحبشية مثلا من اللاتينية " منتيل mantele" واللفظ  مركب من " مانوس manus" أي بد و " نيلا tela " أى نسيج ، ومعناه كاملا قطعة النسيج التي كانت تستخدم لتجفيف اليدين بعد الأكل أو توضع على الصدر عند الجلوس على مائدة الطعام . ولعل اللغات السامية هي الوحيدة التى استخدمت هذه الكلمة في معني يقرب من معناها الأصلي ، وذلك لأن كثيراً من اللغات الهندية الأوربية التي استعارتها اطلقتها على المعطف ، كما هو مشاهد في الألمانية (منتيل mantel ) والإنجليزية ( منتل  mantle ) والفرنسية (منتو manteau) ؛ وتستعمله الأسبانية للدلالة على نوع من غطاء الرأس عند النساء ( منديل mantilla ) كما هو الحال في العربية المصرية .

اشترك في نشرتنا البريدية