الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الرسالة"

ثقافة مصر المستقلة، يجب أن تقوم على أسس جديدة

Share

مصر فى مفتح عهد جديد , لا يتناول مركزها السياسى فقط ، بل يتناول أيضا كل شىء فى حياتها العامة , ذلك أن التطورات السياسية العميقة تحدث آثرها دائما فى سائر نواحى الحياة الاجتماعية والفكرية لأمة من الأمم وقد كان تكوين مصر الاجتماعى فى العصر الحديث وليد تطورات وأحداث سياسية خاصة , تختفي اليوم من الافق ليحل محلها عهد جديد بكل معانى الكلمة ؛ وسيحدث العهد الجديد اثره فى حياتنا الاجتماعية والفكرية , وستتوقف آثاره ونتائجه على مبلغ ما تبديه مصر ذاتها من استعداد وطموح

ومن المعروف أن العوامل المعنوية فى تقدم الامم تسبق العوامل المادية دائما ؛ ومصر الآن فى مستهل المرحلة الاولى من العهد الجديد أى فى طور التكوين المعنوي الذى يلائم هذا العهد . ولماكانت هذه المرحلة من ارق المراحل فى حياة الامم الناهضة , فانه يجب على مصر ان توليها اوفر عناية حتى تستطيع ان تشيد خلالها تكوينها المعنوي الجديد على خير الأسس التى تمهد لها طريق التقدم والنهوض

ولا ريب ان الثقافة القومية هى أقوى دعامة يقوم عليها كيان الأمة المعنوى ؛ وقد قطعت مصر بالفعل فى هذا الميدان خطواتها الاولى , حتى قبل أن تحقق استقلالها السياسى ولكنها مازالت في مفترق الطرق تنقصها عناصر الاستقرار فى توجيه ثقافتها الجديدة . وهذا التردد طبيعى فى تكوين الثقافات القومية الناشئة ، بيد أنه يجب ألا يطول عهده , ويجب أن تحل مكانه عوامل الاستقرار المنشود بسرعة ! وعندئذ يبدأ بناء الصرح المعنى الذي يقوم عليه كل شىء فى حياة الأمة الجديدة

ومصر تتمتع اليوم بثقافة حسنة ، ولكن ينقصها كثير من العناصر القومية الجوية . ومن الصعب أن نحددلون هذه الثقافة أو نوعها ، فهى اليوم مزيج متباين من ثقافات مختلفة يرجع تكوينه إلى ظروف مصر السياسية والاجتماعية فى العصر الاخير . ولقد قبل فى مناسبات كثيرة إن مصر تتمتع بنوع من الثقافة اللاتينية وان هذا النوع من الثقافة . أعني اللاتينية . هو خير ما يلائم عقلية مصر ومشاعرها , كأمة من اهم البحر الابيض المتوسط الذى تغمر هذه الثقافة ضفافه الشمالية منذ العصور الوسطى , و ان الامر يتعلق هنا بعوامل جغرافية واجتماعية لا سبيل الإنكارها بيدأننا نشك فى صواب هذه النظرية والواقع أنه إذا كانت الثقافة اللاتينية أو بعبارة أخرى الثقافة الفرنسية قد غلبت على الثقافة المصرية فى القرن التاسع عشر، فإن ذلك يرجع بالأخص إلى حوادث وظروف تاريخية طارئة , اخصبا مقدم الحملة الفرنسية إلى مصر . وما بذلت خلال مقامها القصير بمصر من مجهودات عليية وثقافية محمودة , وما كان من اعتماد محمد علي بعد ذلك على نصح المستشارين والعلماء الفرنسيين فى تنظيم ثقافة مصر الجديدة ؛ هذه هي الظروف والعوامل الحقيقية التي نشآ فيها لون ثقافتنا اللاتيني , ولا دخل هنا للعوامل الجنسية والجغرافية . فى هذا التطور الثقافى الطارئ ؛ والدليل على ذلك ان طابع ثقافتنا الفرنسى قد ضعف فى العصر الأخير , وقوى فيها الطابع السكسونى نظرا لتغلب النفوذ الانكليزي فى شؤون التربية والتعليم , وتسرب العوامل الثقافية الجديدة إلى المجتمع المصرى

والآن ومصر فى مستهل عهد جديد من تاريخها يمتاز بافاقه الحرة المستقلة , نرى أنه يجب على مصر ان تعمل , كما تعمل جميع الامم المستقلة الناهضة على ان تطبع ثقافتها الجديدة بطابع قومى واضح ؛ وأول ما يجب عليها فى ذلك هو أن تجانب اصطفاء

ثقافة أجنبية بعينها , و أن تنظر إلى مختلف الثقافات والحضارات نظرة واحدة تأخذ منها جميعا ما يصلح لانشاء ثقافتها الخاصة , وان تنسق ذلك المزيج المستخاص من الثقافات المحدثة وتدعمه بالعناصر القومية التى تسبغ عليه طابعه القومى المنشود

والمعروف ان الثقافات القومية تعتمد دائما على أمور جوهرية منها اذكاء الروح والتقاليد الوطنية , وتقوية اللغة القومية ، وتدعيم المثل الأخلاقية . والعناية بالتاريخ القومى , وتقديم الشؤون . والدراسات القومية على غيرها . ولا مرية فى أن ثقافتنا الحالية ضعيفة فى معظم هذه النواحى , فهي بعيدة أولا عن ذينك التخصيص والاستيعاب اللذين تأخذ بهما جميع الثقافات المستقلة فى الدراسات القومية , بل يلاحظ بحق أن ثقافتنا الحالية تعتمد على المعلومات والدراسات السطحية العامة , فتقتبس القليل السطحى من كل شىء ، ولا تتجه إلى التخصص والاتقان فى شىء . وهذا عيب جوهري يجب تداركه بأسرع ما يستطاع , ثم ان ثقافتنا لا تكفي بصورتها الحالية لتغذية الروح الوطنى الناشئ ، لان أنظمتها وبرامجها الحالية وضعت فى جو خانق من الريب والحجر على العواطف والأمانى الوطنية , فوجب أن تبحث " من جديد فى ظل العهد الحر الجديد . وان تفح مجالا لكل ما يعاون فى تنمية الروح الوطنى ؛ ومن جهة أخرى فقد لبثت اللغة القومية .أعني اللغة العربية ,عصر أضحية هذه السياسة القديمة ، ولولا أنها استطاعت أن تقاوم ضغط الأجنبى بكل ما فيها من حيوية , وأن تشق لنفسها طريقها المستقل خارج المعاهد الحكومية فى الآفاق الحرة , لما استطاعت أن تنهض كما تنهض اليوم ييد أنه لا يزال علينا أن نحررها من شوائب المؤثرات والمنافسات الأجنبية التي تعرقل نهضتها , والتى هى من بقايا عهد طويت صفحته , فاللغة العربية يجب أن تتبوأ مقامها الأول فى كل معاهدنا ودراساتنا كلغة اصلية لا تنافسها فى هذا المقام أية لغة , ويجب ان - تكون لغة التربية والتعليم فى كل مراحل الدراسة ، إلا ما اقتضته مصلحة الدراسة ذاتها ويجب أن يختفى من معالم حياتنا العامة ذلك المزيج المؤلم من لغات أجنبية يستعمل بلا ضرورة فى كثير من دوائرنا ومصالحنا الحكومية ، بل وفى بعض بيئات مجتمعنا الرفيع ، فقد حان الوقت الذى يجب ان تختفي فيه هذه الآثار الأخيرة التى ترمز إلى سيادة فكرية او اتفاقية اجنبية لا وجود لها اليوم أما عن دراسة التاريخ القومى التى هى اليوم من دعامات

الروح الوطنى فى جميع الأمم المستقلة , فمن الاسف انها انتهت فى العصر الراحل إلى حالة يرى لها وما زال التاريخ القومى يغمط حقه من جميع النواحي , وما زلنا نتلقى عن تاريخ الامم والحضارات والشخصيات الأجنبية أضعاف ما تتلقى عن تاريخنا و تاريخ شخصياتنا وحضارتنا , ولم يكن ذلك غريبا فى عهد السادة الأجنبية لأنها تعرف بخبرتها فى طبائع الشعوب ومشاعرها ان الأمم ذات التواريخ الحافلة المجيدة , تهتز فى عصور الضعف والانحلال لذكرياتها القديمة , وتستمد منها الوحي والقوة فى مغالبة الخطوب وشحذ الشعور الوطنى , وقد كانت أساليب التربية القديمة ترمي إلى محاربة ذلك الشعور وإضعافه , وكان التاريخ القومى من العناصر الثقافية التي قضى عليها بالمسخ والمحو تقريبا ؛ أما اليوم فان الاستقلال الوليد فى أشد حاجة لأن نحيطه بسياج من تاريخنا القومى , وان توطد دعائمه بما يبعثه إلى نفوسنا استعراض هذا التراث الحافل من اعتزاز وطموح إلى استئناف تاريخنا المجيد , وربط مستقبلنا بماضينا ، وهذا عنصر فى تغذية الشعور القومى تعرفه الامم المستقلة وتغنى به أشد عناية

وأخيرا يجب ألا ننسى ما للناحية الخلقية فى تكوين الثقافة القومية من أهمية خاصة . ولسنا بحاجة لأن تدل على أن المثل الاخلاقية الرفيعة بجب ان تكون غاية الغايات فى كل ثقافة عظيمة ؛ فاذا كان الماضى قد طوى بسيئاته ومثالبه المعنوية فمن الزم واجباتنا فى العهد الجديد ان نعمل على إخراج جيل جديد يتمتع بالجراة والصراحة واستقلال الرأى وسلامة التفكير والتقدير ؛ فهذه القوى المعنوية والأخلاقية ضرورية لحماية الاستقلال القومى ضرورة الجيوش ذاتها

والخلاصة ان ثقافتنا الجديدة يجب ان تكون وليدة ثورة حقيقية ، سواء فى نظمها أو روحها أو مادتها يجب ألا تكون ثقافتنا المستقلة كما كانت فى الماضى , معتركا لتنافس الثقافات والمؤثرات الاجنبية المختلفة , بل يجب ان تكون ثقافة مصرية خالصة , حرة من كل تيار غير مرغوب فيه ؛ وبحب ان تكون ثقافتنا غزيرة عميقة فى نفس الوقت , تأخذ بالتخصص فى جميع الدراسات والشؤون الجوهرية , ولا تخلو مع ذلك من التعميم النافع ؛ وأخيرا بحب قبل كل شىء أن يتبوأ الطابع القومى مقامه الاول فى صوغ ثقافتنا وفى توجيهها.

اشترك في نشرتنا البريدية