الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

ثقافه موسيقية :, الموسيقى، جورج بيزية (bizet)

Share

يعرف الكثير منا بتهوفن وباخ وشوبان وقجنر وفيردي ولكن قل  منا من يعرف جورج بيزيه الموسيقي الساحر ، وهو مع ذلك ليس دون هؤلاء الأفذاذ فنا وعبقرية وإبداعا . وحسبه انه ملحن كارمن ، وهي الأوبرا للوسيقية الخالدة التي مثلت على كل مسرح ، ورددتها دور الأوبرات في العالم أجمع ، فكانت من ألذها للأسماع وآخذها بالنفس .

ولعل لها من الشهرة وبعد الصيت ما ليس لواضعها . وحقيق بمن كانت هذه الأوبرا اثره في الفن الموسيقي الا يكون مغمورا مجهولا ، فيكون اسمه كاسم بتهوفن وغيره من مشاهير الموسيقيين مل الأفواه والاسماع ، واثره في المجالس العامة ذائعا فيها كذيوعه في الأوساط الموسيقية الخاصة .

نشأ جورج بيزية في أسرة كلها كلف بالفن الموسيقى فابوه كان معلما للنوتة الموسيقية (sollege) ، وكان يؤثر الجوع وشظف العيش على أن يكون سبيله في الارتزاق غير سبيل فنه . وامه كانت تخذق العزف على " البيانو حتي لتضحك وتبكي ببراعتها في آن واحد . فشاع في نفسه حب الموسيقى وتدربت اذنه من الصغر على نغمها ، وقد طالما سمعها من امه وابيه وهو في مهده . ولذلك كان من اليسير ان يبرع فيها حدثا ، براعة لا يتصورها العقل من صغير . فان أمه ما كادت تبدأ بتلقينه نغمات السلم الموسيقى والحروف الهجائية معا ، وتتعهده بذلك زمنا قصيرا ، حتى ظهر نبوغه واستعداده للفن ، وهو

بعد لا يستطيع أن يقرأ سطرا من كتاب .

ولما بلغ التاسعة من عمره كان بحق أعجوبة وهره ، ومفخرة والديه ، فتيسر إلحاقه بمعهد الموسيقى بباريس وهو في هذه السن المبكرة . ومن ثم تعهده الأستاذ " مارمنتيل " عما جعل منه فيما بعد ملحن كارمن الفذ ، وواضع نغماتها الفريدة التي تعتبر حتى عصره فتحا جددا في فن الموسيقي وثورة على القديم ، وخروجا علي التقاليد الموسيقية الموروثة .

وكان فنه اولي بالتقدمة عنده من راحته ، فكد نفسه وانصبها حتى برز على اقرانه في المعهد ممن يكبرونه سنا ، وحصل في عامه الحادي عشر على جائزة التفوق في نغمات السلم الموسيقى ، فلقبوه بالطفل الخارق ، وغلب هذا اللقب على اسمه ، ولم يعد ينادي بغيره . وفي العشرين من عمره حصل على جائزة روما الكبرى لعام ١٨٥٧ . وعندما انتشر صيته وملأت الحافظين شهرته ، استدعته الهيئات الفنية بروما لتثقيفه وصقله ، رغبة فى ان تساهم هذه المدينة في تكوين نابغ مثله ، فقد كانت روما دائما مهد الفن وموطن الموسيتي . فاستجاب الدعوة وقضي بربوع روما زمنا غير يسير .

وبينما هو يعلق على المستقبل الآمال الطوال ، جاد دائبا على العمل ، إذ بلغته وفاة امه عقب وفاة ابيه ، فقفل راجعا إلي باريس وبجوائحه من الأسى والحزن عليهما ما ظهرت آثاره فيما وضع من القطع الموسيقية التي سبقت كارمن في الظهور .

ولقد خلفه أبواه بغير ثروة يعول عليها في حياته فيتفرغ للمتاحين في دعة وراحة ، قساقه سائق الضر ودفعته الحاجة إلي إهمال ذلك إلي حين ليعمل في فرق الملاهي كعازف بسيط يكسب عيشه بعرق جبينه وكده ، ويصرف وقته كله في هذا العمل الذي لم يكن ليرضى نفسه الكبيرة وطموحه البالغ ؟ فلقد خلق ليكون ملحنا جبارا ، لا عازفا حاذقا فحسب ؛ ولكنه صبر على ذلك صبر الأبطال واخذ يحاور ماله المظم ويداوره حتى فازت عبقربته على كل شدة . فاختلس من وقت راحته للتلحين واخرج للملا ثلاث قطع موسيقية هي من أمهات الأوبرات في العالم ، وهي " صيادو اللا لي " و(ابنة برث الجميلة " و الارلزيين " ، وتوفر له من هذا بعض الربح اعانه على ان يهب وقته ومجهوده كله لما هو أهم من ذلك : للكارمن

كارمن

لم يكن مسرح الأوبراكوميك بباريس ، قبل ظهور كارمن في عالم الفن سنة ١٨٧٥ قد عود رواده ، غير إخراج قطع موسيقية محافظة يعيق في إطارها عبير الفضيلة تقوم موضوعاتها على القصة البريئة الساذجة التي تتناول ناحية من نواحي الخلق الحميد ، والعادة الطبيبة ، فتبرزها في جو صاف هادي ، ليس به شئ من اضطراب الرذيلة ولا صوت من أصواتها الصاخبة . وكانت موسيقى هذه الموضوعات تشاكل هذا الجو ، وتلائم صفاءه هدوءا وعذوبة فإذا كان الحب مثلا هو موضوع الأوبرا كان من هذا الضرب العذري الذي يختتم في الغالب بالزواج ، وفي القليل بالفراق ، بغير أن تشويه شائبة من اتصال غير عفيف ، فلا يخلو من أعمال إرادة الفضيلة ، وكبت النفس ، وخضوع جميل لضروب الدهر وعناده وريبه ؛ ومن ثم كان لا يخلو من ألم نبيل تتحمله النفس في صبر وجلد ، وزهادة في القبيح من شرور البهيمية ودوافعها . فلما

ظهرت كارمن تعرض في حوادثها حياة امرأة ساقطة ، وضابط يؤثر حبها الاثم على الدود عن وطنه في اعصب الأوقات ، اتت بجديد وباينت في هذا الجديد تقاليد هذه الدار العريقة التي كان اغلب روادها من العذاري ذوات الخفر ، تجيء بهن إليها أمهاتههن وهن أمنات من أنه لن يعرض بها شئ يحمر له وجوههن خجلا ، او يجرح منه شعورهن البريء الطاهر ، أو يغريهن بغير ما الفن من شمائل وخلال .

ولكن عبقرية بيزية لم تكن لتتجسم في غير كارمن . فقد احس في نفسه ثورة وصخبا وحمية وحماسة ، وحرارة وقوة ، فهو يأنف ان يترسم خطي غيره ، شأن كل العباقرة الجبابرة ، ولا يعير اهتمامه إلا لشئ واحد ، وهو الفن . وكان يري ان الفن لا يتقيد برذيلة أو فضيلة ، وان شعاره الأبدي هو التعبير البارع عما في النفس كيفما كان ، لا يبالي في أي شعار أو ديار ظهر ما دام رائعا ، وحسبه الافصاح والظهور الملا والعالمين .

لهذا لم يكد " ملهاك " و " هالفي " يستقيان موضوع كارمن من قصة مشهورة للكاتب الخالد " برو سبير ميريميه " ويهيئانها للوضع الموسيقى ، ويدفعان بها إلي " بيزنه " ليلحنها حتى لمس فيها تمشيها مع ميوله وملاءمتها لروحه ، ووجد فيها فرصة لإظهار لون من التلحين صاخب حي لا عهد لدور الأوبرات به من قبل فانصرف إليها بهمه حتى أخرجها آية من آيات الفن . وقد هاجمها النقاد هجوما عنيفا لموضوعها ، إلا ان روعة موسيقاها ، وجلال الوانها الفنية ، وسمو نغماتها ما لبثت مع تطورات الزمن ان حجبت عيوب الموضوع ، ولم تعد كارمن إلا هذه القطعة الموسيقية الرائعة الخالدة ، التي ستظل ترتل أبدا في ازهي حلل الجمال.

وكان إخراجها لأول مرة في ٣ مارس سنة ١٨٧٥ مثار العجب . فقد أصاخت الأسماع إلي موسيقاها ، وهي

ذاهلة عن الوجود بلطيف ما دير فيها " بيزيه " من أبرع الأخيلة وادق التصورات ، إذ نجح في تجسيم جو الأندلس في نغماتها تجسيما يقصر عنه الواقع ، وهو الذي لم تطأ قدماه ارضها ؛ واستطاع على الرغم من ذلك ان يغمر تلحينه بروحها العنيف ، فيبدو موقورا بيتا في القطعة كلها . وما زال النظارة مشدوهين حالين وهم مغمورون في موسيقاها حتى انتهت السهرة ؛ فإذا بهم ، على الرغم مما أخذت من نفوسهم ، لا يحركون أيديهم بالتصفيق ، ولا يبدون إعجابا . بل لقد كانت علائم الغضب والحنق تبدو على وجوههم مع كثير من الوجوم والسخط . ذلك ان الموسيقى وإن راقتهم وملكت اليابهم وخالطت ارواحهم ومازجت نفوسهم ، فموضوعها قد فاجاهم بما لم يتعودوه من دار " الأوبرا كوميك " ، إذ كان موضوعا فادحا جريئا ، فسقطت عندهم كارمن ونجحت في آن واحد . وآبوا إلي دورهم وهم لا يدرون أساخطون هم أم راضون

ثم هبت بعد ذلك الصحافة يامر نقد واللذعه ، وهاجمت بيزيه وصحبه بما أفقده كل أمل علقه على قطعته الرائعة فاعتزل الموسيقى ، ويتم شطر " بوجيفال " حيث عقد العزم على تمضية حياته بين ربوعها بالريف في عزلة عن العالم ، انصرافا عن عقوقه ، وسلوة من جحوده .

موت بيزيه المبكر

ولكن دار الأوبرا ضربت بثورة النقاد ونقمة الجمهور عرض الحائط ، فلم تستخذد ولم تصدف عن إظهارها ، إذ كانت تعلم انها من اندر الأوبرات الموسيقية الفنية التي يجدر بها ان توالى تمثيلها فيعتادها الناس وتسكن صواتهم ، فلا يحرم الفن من هذه الثروة الجديدة . وكانت المغنية الذائعة الصيت " جالي ماريبيه " من الجرأة والشجاعة بحيث ارتضت عن طيب خاطر أن تلعب دور كارمن كلما ارتأت الدار إظهارها متحدية في ذلك الرأي العام .

وفي مساء اليوم الثاني من يونيو سنة ١٨٧٥ ، كانت هذه الأوبرا تمثل المرة الثالثة والثلاثين ، فتشرب إلي جوائح ((جالي)) شعور غامض مبهم بعث فيها حزنا عميقا وحرك على وجهها  اكتئابا ، فقامت بدورها وهي لا تدري كنه هذا الشعور وخيل إليها أن بالموسيقي ما هو كالبكاء او كالعويل . وكان في كل نغمة زفرة متوجع وفي كل نبرة افه محزون . وكانها كانت تحس الموت في أرجاء المسرح يرتاد جو الإخراج ، ومهمين على الدار .

وفي صباح الغد فسر هذا الشعور ، إذ وردت برقية من " بوجيفال تنبيء بوفاة " بيزية هما وكعدا في الساعة التي كان الستار يسدل فيها على كارمن وهي تلفظ نفسها الأخير .

فطوي الموت بيزيه وهو في السادسة والثلاثين من عمره ، بعد ثلاثة شهور من ظهور كارمن ، ولم يمهله دهره حتى يري كيف أقبل الجمهور عليها فيما بعد ، يستسيغها ويغتفر لها خروجها وشذوذها ، ويكلف بها الكلف كله ، وهكذا قدر الدهر للأوبرا ولاسيم مبدعها الخلود ، بينما هو في فراشه الأبدي الذي اعد له بمقبره (بيرلاشيز) بباريس .

اشترك في نشرتنا البريدية