ثلاثة كتب قرأتها منذ زمن ونسيتها - كعادتي - تعود الآن إلي ذهني . لم نشك احيانا في قيمة ما نقرأ ؟ إن الحياة كل ، جريه طليق ، وسحره الخفي نابض ، وزمنه غير محدود . والكلمة المطبوعة جزء ، محاولة خلقت مقعدة ، في سفورها حتفها ، وعمرها منتكس يتقهقر إلي الوراء ، إلى الماضي ، إلي النسيان...
ومع هذا ؟ فأنا سعيد بهذه الكتب الثلاثة ، غير آسف على الوقت الذي أضعته في قراءتها . شاهدت في اثنين منها ختام الفصل الأخير لمأساتين ، كنت قد زاملت أبطالهما زمنا طويلا ، وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم ، حتى كنت أعدهم - وإن لم نتعارف -من
أعز أصدقائي . أسدل الستار عليهم وبقيت . ولا أكتم أن بقائى بعد فناء هؤلاء الأصدقاء يخامر الآن قلبي بلذة مبهمة ، أقول : مبهمة ، لئلا أقول : مخجلة !
أولها الكتاب الذي ترجم فيه "موروا " نفسه ونشره أخيرا في مهجره بالولايات المتحدة . لقد مر على - واستطيع أن أقول أيضا وعلى الجيل الذي انا منه - عهد كنا مستسلمين فيه لسحر هذا الكاتب . انقلب فن السيرة في يده من دراسة جافة تعتمد على التواريخ وتلخيص المستندات وإزاحة التراب عن شواهد القبور ، إلى قصة إنسانية حية ، يثير فيها البطل مشاعر القارئ ، ويجذبه إليه جذبا . وكذلك جعل قصصه توعا من السيرة التى لا تهتم بالحادثة اهتماما بمعرفة غوامض النفس وتحليل عواطفها ، فلا تقابلك بأشباح جوفا ، أو عرائس خشبية ناطقة ، بل تأنس فيها إلى أفراد أحياء - يتنازعهم الخير
والشر ، وكانها تقول لك : " كلنا في الهوي سواء "
ارتشفنا من سحره ونعمنا ، وهو ساق لم يكد يري النشوة تدور برءوس الشاربين ، حي اخذ يعاجلهم بالكأس بعد الكأس ، فأصبحنا سكاري لا ندري ماذا يصبه الساقي - كعادته - وإن كان من الخالدين في الأكاديمية - في الكؤوس الأخيرة!
ولولا الحرب لما صحونا . فللتاريخ الاعيب قاسية . انهارت فرنسا انهيارا سريعا ، ولم يتورع أبناؤها من كشف الستار عن حياة رؤسائها السابقين وقادة الرأي فيها ، فغطينا أنوفنا بالمناديل . وهاجر " موروا " إلي الولايات المتحدة ، ليكون مدرسا للغة الفرنسية في إحدي جامعاتها . وكتب كتابه . وما ذنبنا إذا كنا قرأناه ومأساة فرنسا في أذهاننا ! ليتنا لم نقرأه . لم يخط قلمه كتابا أتفه من هذا الكتاب ، مع أن موضوعه هو حياة "موروا " نفسه . صحونا أخيرا - والحمد لله - . وأدركنا أن كل قصصه تدور حول مشاكل تافهة تستند على أنانية طاغية عمياء ، ونزوات مبعثها امرأة ، هي دائما عشيقة متقلبة الأهواء ، كأنما الحياة كلها إقبال امرأة أو صدها ، وأدركنا أن "موروا " في السيرة عمل معنا ما يعمله أدلاء كوك للسياح العجلين ، يقودونهم في سهولة ويسر ورفق ، في جولة سريعة يخيل إليهم بعدها انهم علموا كل شئ . واحاطوا بكل شئ . . ولا يزال هناك كثيرون يفضلون السير وحدهم على الأقدام ، ولذتهم إذا ضلوا الطريق مرة أن يهتدوا إليه في النهاية بمجهودهم ، وأن يروا بعيونهم وإن رأوا قليلا .
كنا نظن أننا سنعود إلي بعض كتبه ، فقد يصل من اعتاد القراءة إلى عهد لا يلذ له فيه إلا أن يقرأ ما قرأه من قبل . ولكننا نقول لأندريه هرزوج - فهذا هو اسمه الحقيقي - وداعا وداعا ! إن الزمن يسير ، والصداقات كلها لا تدوم . .
أما الكتاب الثاني ، فهو سيرة استيفان زفيج هى اخر ما كتبه في مهجره بالبرازيل . ولا مفر من ان نتناول هذا الكتاب بشئ من الخشوع . ففي نهايته صورة فوتوغرافية للرسالة التى حررها ليعلن فيها عزمه على الانتحار ويودع أصدقاءه والعالم . وقد يقال إنه لولا إقدامه علي كتابة سيرته لما انتحر . والظاهر أنه لم يكن يدري كيف يختم كتابه ، فلم يجد مخرجا إلا أن يختم حياته . فخاتمة الكتاب هي اشق ما ينوء به المؤلف الحريص على الإبداع . تري أيهما كان يفضل أصدقاؤه ومحبوه أن يقنموا هذه السيرة ويموت ، أو يخسروها ويحيا ؟
لم يعن زفيج بحياته العاطفية . فالكتاب كله محاولة عنيفة لشبح مخيف يسيطر من وراء الغيب على المؤلف ، حتى من قبل مولده ، وإن كان هذا الشبح لم يتجسم إلا بعد ذلك بزمن طويل . . هو شبح هتلر ومبادئه العنصرية البغيضة . وهكذا يقطع القارئ معظم الكتاب يتتبع بقلب مؤاس بلاد يهودي تائه في العصر الحديث . ثم إذا به ، وقد أوشك الكتاب على نهايته ، يقف عرضا وبغير مقدمة طويلة ، على ذكر زواج المؤلف . أما "موروا " فقد قدم لنا وصفا مستفيضا لصاحبته وللقائه بها ، وعواطفه وعواطفها ، والآلام والشكوك التي دبت في قلبه بعد أن عاد إليها بعد الحرب الماضية . أما زفيج فلم يكن معنيا إلا بالتأريخ لشعب إسرائيل في ألمانيا ، والمبادئ التي كان يخيل إليه أن الحضارة الأوربية تقوم عليها ، وانهيار اماله في المستقبل . والقارئ معذور إذا رأي نفسه غير قادر على أن يصدر حكما عادلا . فالكتاب كله صرخة حارة ضمنها المؤلف دفاعه عن نفسه وشعبه ، أمام قارئ قد فاته سماع أقوال الاتهام .
لقد صاحبنا " زفيج " منذ نشأتنا ، كما صاحبنا قبله زميله موروا . وكم سهرنا الليل ماخوذين بسحر هذا الكاتب
البليغ ، الذي تتدفق الكلمات الناصعة البراقة القاطعة من قلمه تدفق السيل يدفعنا امامه دفعا ، حتى تكاد تنقطع انفاسنا ، ونستغيث به ان يتريث ويرفق بنا لحظة واحدة نسترجع هدوءنا فلا بنيث ، ولا نقوي على ترك الكتاب إلا إذا انتهينا منه . فإذا تطلعت عيوننا من بعده للحياة . كنا لا ندري هل خرجنا من حلم إلي حقيقة ، أو من حقيقة إلى حلم . .
وقد كشف زفيج - جزاه الله خيرا - عن سر قوة أسلوبه ، وحبذا لو انتفع يدرسه بعض كبار مؤلفينا الذين لا يزالون يتلاعبون بالالفاظ كأنهم اطفال علي شاطئ البحر ، تسحرهم بعض الأصداف الفارغة
وأشهد الله أنني كنت أتمزق إثر كل كتاب بين الشعور بالرضا لما قرأت ، والسخط لصرعتي بين يدي المؤلف مضطرا . وكنت أشبه نفسي بسليم يتأذي من حقنة الوقاية ، ولكنه يقبلها رغم أنفه . وجاء وقت أصبح فيه زفيج بالنسبة إلي كالمخدر ، كالحشيش أو الخمر ، أعلم أنه سيستعيد ذهنى ولكني أهفو إليه وكان مما يبعدني عنه مقالاته السوداء القائمة في وصف الغريزة الجنسية ، وجعلها المفتاح الوحيد لا لتفسير الشخصيات فحسب ، بل لتفسير التاريخ البشري كله : فالثورة الفرنسية عنده مسلكة قوية وملك ضعيف ؛ وتاريخ اسكتلندا ولبد مرض امرأة تعذبها مطالبها الجنسية . وقد هبط زفيج في قصة " "اضطراب العواطف" ؛ إلي أغوار يضيع فيها الهواء والنور والروح ، ويعذر قارؤه إذا تصور أن المرض صحة والصحة مرض . والغريب أنه إذا وصف لقاء حب بين رجل وامرأة ، كان أقدر على وصف عواطف الأنثى منه على رصف عواطف الرجل ! والكلمة التي تتردد في معظم كتابه ويتخذها مثلا أعلى لكل لذات هذه الحياة هي كلمة الحمل والوضع .
فالوحى عنده حمل ، والتأليف وضع ، وهكذا . . ولو كنت أبا ، ورأيت أبي يقرأ زفيج لما منعته . ولكن لا شك في انى احرص على ان اعطيه ، بعد كل كتاب يقرؤه ، بحثا علميا بصف الكون والخليقة في اتساعها حتى لا تكون نظرته دائما إلي أسفل . . إلي نفسه !
شاخ موروا الفرنسي ، ومات زفيج الألماني . فمن عاش ؟ عاش الكلبي الإنجليزي سومرست موغهام ، الذي ظل طول عمره لا ينفعل ، ولا يجادل ، ولا يأمل ، ولا يحابي . لا يضع لنفسه مبادئ سامية ليبشر بها ، بل اقتصر علي وصف الحياة يراها بعين النسر المفترس قد قلمت اظافره ؛ فقد أوفي علي السبعين ، وها هو في أمريكا يواصل تآليفه.
وقد كتب أخيرا سيرته ، لم يطلب فيها من القارئ أن يحكم أو أن يأسى ، أو أن يصلح نفسه . فما أسعده!

