لا حاجة للاشادة بما للمصنفات في الحسبة من كبير الاهمية بالنسبة للتاريخ اذا ما اراد المؤرخ عدم الاكتفاء بسرد جاف للحوادث واذا ما عمد الى الشرح والتعليل والفهم ورام استقصاء احوال البيئة التي مثلت على مسرحها مشاهد التاريخ . ان التواريخ ارستقراطية غضت الطرف عن الشعب فاذا ما اردنا ان نتعرف اليه وجب ان نبحث عليه في مصادر اخرى منها كتب الحسبة .
الا ان هذا النوع من المصادر الكثيرة نسبيا فيما يخص الشرق تكاد تكون معدومة بالنسبة للمغرب الى زمننا هذا . ومع ذلك فان هناك مخطوطات في هذا الغرض جديرة بكل عناية نريد ان نلفت اليها نظر الباحثين .
هناك احكام السوق ليحي بن عمر (1) وهناك تنبيه الحكام في الاحكام لابن المناصف (2) وهناك تحفة الناظر وفتنة الذاكر للعقبانى (٣)
ان المصنف الاول هو اقدم تاليف في الحسبة وصل الينا ، مؤلفه حسبما ورد في مخطوط الزيتونة يحي بن عمر بن لبابة (٤) وكذلك ورد الاسم في المعيار
الذي اقتبس فصولا لا من هذا الكتاب . لكن العقبانى اثناء نقله الكثير عن احكام السوق قد اغفل اسم جد المؤلف كما اغفله ايضا الطرطوشي (١) حين نقل عنه ، نقلا عن عن المالكى (٢) قائلا :
" وروى المالكي في كتاب رياض النفوس ان يحي بن عمر الفقيه الاندلسي كان يغير في القيروان ... "
المؤلف اذن اندلسي الاصل , استوطن القيروان وبها كان يغير المناكر زمن سحنون ، اي في اواسط القرن الثالث ، في دولة الاغالبة مما يظهر ذلك من خلال المؤلف نفسه . لكن ، وقد تعذر الرجوع الى المالكي ، لم اعثر على ترجمة له ، او إنما تذكر المعالم (٣) يحي بن عمر الكناني الاندلسي المنشأ ايضا ، المستوطن القيروان ، المتوفى بسوسة سنة ٢٨٤ من دون ان يرد ذكر لاحكام السوق . فهل هو صاحبنا ؟ ذلك ما يعتقده البحاثة ح ح عبد الوهاب . وضمن من ناحية اخرى ابن الفرضي صلته ترجمة (٤) لفقيه يدعى : محمد بن يحي بن عمر بن لبابة ، زار افريقية وتوفى بالاندلس سنة ٣٣٠ . فهل صاحبنا اب لهذا الفقيه المتقدم الذكر ؟
ومهما يكن الامر فان الكتاب هو الذي يهمنا ، والكتاب افريقي اغلبي بلا منازع ، والكتاب اقدم تأليف في الحسبة بلغ الينا كما يظهر ذلك من اسلوبه ، اذ هو اقرب الى كتب النوازل في شكله منه الى اساليب التآليف المتعارفة في فن الاحتساب وتغيير المناكر . هو كتاب استفتاء ، الاسئلة فيه موجهة ، من طرف يحيى بن عمر الى سحنون خاصة والى قاضى القيروان ابن ابى طالب والى احمد الطراز والى غير هؤلاء . وهذا التأليف يجهل المقدمات الطوال في التعريف بالحسبة وكيفية التغيير والاسس الفقهية التي يقام عليها ، كما يجهل سرد الآيات والاحاديث مما يضخم تضخيما فاحشا حجم المؤلفات التقليدية في هذا المضمار . فهذا الكتاب كتاب عملي قبل كل شئ ، فهو سجل او كنش بيد المسرف على السوق يلجأ اليه لحمل القضايا المتشابهة مجريا حكم المثل على المثل .
الا انه ، على صغر حجمه ، جليل الفائدة من ناحيتين : ناحية تاريخ الحسبة على الاطلاق وناحية الاخبار عن البيئة الاغلبية على الخصوص .
فهو يمكننا من الجزم جزما بان خطة الاحتساب كانت موجودة من زمن مالك على الاقل ، وبان صاحبها كان يتولى الاسواق فحسب ، وكان يحمل ، لا لقب محتسب بل لقب " صاحب السوق ". وكان الامر كذلك ايام الاغالبة الحريصين على تقليد نظام الخلافة بافريقية . فتطور هذه الخطة ، التي كانت اذن في اول امرها تذكر بخطة متولي الاسواق البزنطي (Agoranome) لم يحدث الا فيما بعد القرن الرابع حيث تم اصطباغها بالصبغة الاسلامية " واندرجت في وظائف الملك وافردت بالولاية " حسب تعبير ابن خلدون (١) . وهذا مما يؤيد ما ذهب اليه بعض الباحثين سابقا ، على سبيل الافتراض والاحتمال ، من ان اول من تولى الاسواق الاسلامية وراقبها كان نسخة امينة من زميله البزنظي مما لا يدخل دهشة ولا اغترابا على مؤرخ النظم السياسية الاسلامية . ولعل الخطة احدثت يوم انتقال الخلافة من مكة الى دمشق .
ومهما يكن الامر فان صاحب السوق كان موظفا له وظيفة مرسومة معينة ، يقوم باعباء خطة دقيقة داخل اطار سياسة الدولة العباسية منذ أول عهدها ويستحيل ان يكون الاقتباس طبعا عن الفرس .
ولقد احتفظ لنا يحي بن عمر ببعض الحلول التي كان يلتمسها صاحب السوق العباسي لفض المشاكل القائمة في الاسواق وقصد المؤلف الاغلبي ان يحكم في النظير بما حكم في نظيره ، مما يستنتج منه ان السوق ، ونظامها ما كانا يختلفان اختلافا بعيدا شرقا عما كانا عليه غربا . نرى صاحب السوق يستفتي مرارا تارة مالكا وطورا اصبغ واخرى ابن القاسم ، وكل اسئلته لا تتعرض لشيء سوى الاسواق ، وكيفية البيع فيها والتطفيف والغش والاسعار وما الى ذلك .
فصاحب السوق كان اذن في اول امره - قبل أن يصبح محتسبا يحتل وظيفة سامية بين القضاء والمظالم ضبطها المناوردي بصفة نظرية في احكامه السلطانية - يراقب الباعة ويحمى حمى الزبن فيأمر عند الحاجة بعقوبات مختلفة ، جسدية
احيانا ، تدخل لكها في نطاق التعازير . لكن هذا الحقل المحدود ، الضيق الاطار - إطار السوق - سوف يتسع فيما بعد رويدا رويدا ، حتى يصبح صاحب السوق محتسبا " يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر " على الاطلاق والعموم ، ويصير رمز المحافظة على شعائر الاسلام ، وشريف الاخلاق وحسن السيرة ، مثله الاعلى السلف الصالح وقبلته صدر الاسلام وميزانه الذي يقتحم به كل منزل ويسير به كل حياة فردية ويزن به كل عمل : استنكار البدع . اليست " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " ولعل الباحث عن سبب سبات الاسلام العميق يجد نصيبا وافرا من المسؤولية في سوء فهم هذه الوظيفة وانقلابها احيانا الى ديوان تفتيش والى لجام .
وانك لتلاحظ ايضا في كتاب يحي بن عمر منعرج هذا التطور ، فان صاحب السوق الاغلبية فيه ، رغم الاختصاص الضيق الذي يظهر اثره في نفس لقب وظيفته لا يقتصر على السوق دوما ، بل هو يتعدي هذا الميدان كي يغير على اهل الكتاب زيهم او يفحص على اصحاب الخمر والمجون او يستنكر آلات الطرب الخ
لكن صاحب سوق يحي بن عمر لا يتجول خارج حقله الا نادرا وهذا مما يعطى الكتاب ، زيادة على بعض الارشادات الاجتماعية العامة قيمة ، اخبارية جليلة فيه يخص الحياة الاقتصادية بافريقية في القرن الثالث . تجد به معلومات عديدة عن اسواق سوسة والقصر القديم والقيروان وعن البضائع - ومنها القطن - وعن المقاييس وعن النقود وعن طرق الاحتكار ووسائل مقاومته وعن انواع الغش وعن دفع اجور العملة وعن الحياة الفلاحية وبيع الثمار في بساتينها قبل جنيها وعن الحرف المختلفة وتكاتف اصحابها كاخلاء السوق لاحدهم يبيع فيه وحده كامل يومه حتى يستعد ما ضيع من ثوة او يتلافى ازمة مالية او يسدد نفقات زواج مثلا ، وعن غير ذلك .
تنبيه الحكام في الاحكام : صاحبه ابن المناصف (١) فقيه نشأ بالمهدية سنة ٥٦٣
من اب اندلسي هاجر الى افريقية وبعدما تتلمذ ابن المناصف لابن الحجاج المخزومى قاضي تونس وقضى زمنا بتلمسان التحق بالاندلس حيث تقلد قضاء بلنسبة - وبها اتصل بابن الابار سنة ٦٠٨ واخذ عنه اجازة في جميع كتبه - ثم قضاء مرسية . ثم فصل ابن المناصف عن القضاء لشدة صرامته فمكث بقرطبة حينا ، ثم اجتاز العدوة الى مراكش وبها توفى سنة ٦٢٠ .
مؤلفه في الحسبة انما هو باب عقده في تنبيه الحكام للبحث في هذه الوظيفة فاتى بحثه بحث فقيه ، اي انه نظري اكثر منه عملي ، يهاجم فيه الكاتب البدع مهاجمة عنيفة ، ويقسم فيه المنكرات الى ستة اقسام حسب اتصالها بالعبادات ، او بالطرقات او بالاسواق او بالاسعار والتسعير ، او بجهل من ينتصب للافتاء . ولا يذكر المؤلف بلدا ولا زمنا لكن الغالب على الظن هو انه يغير على اهل الاندلس ، ومهما يكن الامر فان الباحث يستطيع ان يقتطف خلال هذا الباب على كثرة نقائصة بعض ارشادات لا تخلو من فائدة على الحياة بالاندلس .
تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر : مؤلفها محمد بن احمد بن القاسم بن سعيد العقباني التلمساني (١) من اسرة فقه وقضاء ، تتلمذ لجده كما تتلمذ لابن عرفة ايضا . توفي العقباني سنة ٨٧١ ، فكتابه اذن وليد القرن التاسع الا اننا نجد فيه حيث هو يعتمد على النقل والاقتباس خاصة فصولا من كتب عديده سبقته احيانا بازمنه قديمة جدا . وفي الكتاب تتجلى نظرية الحسبة وقد اكتملت وبلغت قمة تطورها ، ولقد خصص الكاتب الباب الاول من مصنفه لبحث هذا الموضوع مضمنا الآيات والاحاديث مستشهدا بمالك سحنون والغزالي وغيرهم .
ان من الجلي ان العقباني لم يكن محتسبا كمن سبقه من المحتسبين يسجل في كنش قضايا عرضة بل هو فقيه يطمح الى تصنيف كتاب علمي يهتم فيه بتكوين من يعتزم تعاطي خطة الاحتساب تكوينا فقهيا واسعا يمكنه من تحقيق المنكرات وتغييرها عن بصيرة . الا ان بحثه هذا لا يفيدنا في الحقيقة شيئا جديدا فيما يخص ما اصبحت عليه الوظيفة وانما هو يعيد ما اثبت وقرر وحدد الماوردي سابقا .
لكن العقباني بعد ما اغرق واسهب في بحثه النظري انتقل في النهاية الى باب هو لب الكتاب بالنسبة لنا اذ صاحبه اراد فيه ان يكمل ثقافة المتربص للاحتساب
بمعلومات تطبيقية واقعية اعتمد فيها في آن واحد المصنفات السابقة - كمصنفات ابن رشد ، وابن المناصف ، والمازري ، وابن الحاج ، والبرزلي ، وسحنون ، ويحي بن عمر ، وغير هؤلاء - والملاحظات الشخصية مما يجعل من كتابه رواق لوحات ارتسمت عليها صور مختلفة تصور لك مشاهد من الحياة الاجتماعية في القرون الخالية بالمغرب من القرن الثالث الى التاسع مشاهد تتدفق حيوية لانها اخذت عن العين ، لانه لا تصنع فيها وانما هي في اسلوب الحوار اليومي وهي اشبه شئ بحديث وصفي . ويستطيع القاريء ، ان يضع كل مشهد موضعه من الزمن والمدى اذ العقبانى لم يهمل اسماء اولائك الرسامين الذين صوروا المجتمع من حيث ارادوا ان يغيروه بل هو يذكر احيانا اسم المدينة بكل دقة .
ولقد حاولنا استثمار ما عثرنا عليه " بالتحفة " من ارشادات مختلفة في بحث قد سبق (١) تعرضنا فيه لمختلف مظاهر النشاط الاجتماعي : في المدينة وفي ميدان الاقتصاد وميدان الدين وميدان الحياة العامة والفردية وميدان شؤون اهل الذمة مما يكفينا مؤونة الاعادة والتكرار ويجعلنا نقتصر على انتقاء بعض فصول تظهر فيها ميزات هذا المصنف وقيمته الاخبارية ، ريثما تتاح لنا الفرصة كى ننشر يوما ، لا كل الكتاب اذ لا حاجة تبرر ذلك ، وانما كامل ما به من نصوص تفيد المؤرخ وتزيح - شيئا ما - الستار عن ذاك الماضي البعيد القريب الذي سلمنا حاضرنا :
انواع الخبز بحواضر افريقيا :
" يتقدم ( المحتسب ) للفران ... يبيع خبز السميذ على حده ، والدقاق على حده ، والحشكار على حده ؛ وهذا ايضا في قوم يميزونه كالحواضر . واما ما شاهدناه من فران الشام ومصر فانهم يعملون الخبز بمجموع ما يخرج من القمح وما يسقطون منه الا النخالة الكبيرة " ( التحفة ص ٨٣ عن جامع الاحكام للمازري )
فهل كان اذن اهل حواضر افريقية في القرن الخامس اكثر حضارة او قل اكثر تأنقا في المأكل من اخوانهم بالشرق ؟ !
رقوم الثياب بالصور ، واحتفال المسلمين بعيد الميلاد احتفال المسيحيين به :
" . . .كمثل رقوم الثياب بالصور ، لا بأس بها ... وانما استخفت الرقوم في الثياب من اجل انها ليست تماثيل مجسدة لها ظل ... وانما هي رقوم لا اجساد لها ولا يحيا في العادة ما كان على هيأتها ...
ومن ذلك ما اجاب عنه في اسئلته بما يعمل في النيروز من صور الحيوان كالزرافات قال : " لا يحل عمل شئ من الصور ولا بيعها ولا التجارة فيها " ( التحفة ٧٢-٧٣ عن ابن رشد (١) )
فهل كانت اذن دور النسج بالاندلس تنتج الثياب المزدانة بصور الحيوان ... والاشخاص ؟ اما الاحتفال بعيد الميلاد ، احتفال البعض به اليوم ، واهداء اللعب على شكل الحيوان ، فهي كما ترى ليست بعادة مستحدثة ، بل هي عريقة النسب في الاندلس وتلمسان - وطن العقباني - وفي المغرب عامة على ما نظن ؛ عادة مورثوة عن اهل الكتاب كما ورثوا عنا . . . الحجاب
حجاب الكتابيات بتونس وتلمسان :
" والعادة عندنا بتونس ان نساء النصارى يستترن كالمسلمات غاليا من غير علامة ومنهن من يلتزم زي النصارى . واليهوديات لهن علامة المشي بالقرق او حافية وعلامة اليهود من الذكور الشكلة الصفراء فوق الاحرام لا تحته لانه قد يشكل اذا اعطى بظهره . واما النصارى فلهم زي على رؤوسهم يلزمونه وقد كان بعضهم تزيي على راسه بزي المسلمين فالزمهم السلطان زواله ...
قلت : وزي اليهود عندنا من كان اصله واصل سلفه من البلد نفسه ، فالشكلة الصفراء فوق الاحرام كما ذكر في افريقية وزي النساء منهم الالتحاف في الكساء الفيلالي دون نقاب من كتان ولا غير ، وانما يسترن وجوههن بطرق من الكساء نفسه بأيديهن . " ( التحفة ١١٦-١١٧ واول النص فيها نقل عن البزرلي المتوفى سنة ١٤٤٠ ميلادي )
اليس هذا دليلا على ان الحجاب ظاهرة اجتماعية وانه لم يكن حبسا على المسلمات فحسب ! فما الكتابيات تقيدن بقيده عملا باوامر الشارع وانما قصد الظهور في مظهر الطبقة الممتازة والخواص واهل الفضل في نظرهن . اليس هذا التوق النفساني اللا شغوري هو السر في عموم الحجاب في بلاد الاسلام ياترى ؟ ان البدوية التي تدخل المدينة اليوم فتتخذ الحجاب لا تلبى بغتة حادي الدين بل يحدوها ما حدا رفيقتها الكتابية آنفا وما حدا اخوتها اللائي مضين وخلفن لها الحجاب فيما خلفن لها من تراث .
ان قيمة هذه المصادر التي استعرضناها استعراضا سريعا تختلف ، الا انها مهما يكن الامر تسد فراغا بالنسبة للمغرب ولو لم يكن لها الا هذه الفضيلة لكان ذلك كافيا لوجوب التعريف بها . ونحن نرجو ان يطبع قريبا المصدر الاول منها ولنا الامل في نشر اهم فصول المصدر الثالث وعندها يستطيع المطالع والباحث ان يبديا حكمهما عن كل دراية وبصيرة .

