أين سوق الخلود ومن ذا الذى يدلنى عليه ؟ ترى أيكون هنالك على سواقى الرياح عند تخوم العدم ، أم يقوم على ساق وقدم فى زحمة الأشباح بمدينة الأوهام ؟ ومن هو تاجر الخلود وبائعه وشاريه ؟ هل له سمسار ، هل له أسعار ؟ هل هو بدينار أو ألف دينار ؟
من هذا المنادى تحت جنح الليل وكأنه يسوم النجوم مالا ويسلبها جمالا ؟ ليس الخلود بضاعة تشترى بذهب ولا متاعا يباع بفضة ، ولو كان ذلك من شأنه لأحرزه الأغنياء وذاق حرمانه الفقراء ، لكنه نبوغ يوهب ، ومال ينبذ ، وحياة تبذل ، وإيمان لا يتزعزع ، أو هو كما
قال شوقى :
وليس الخلد مرتبة تلقى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرها بقينا
ولقد سألت نفسى ما ثمن الخلود وأنا أرنو إلى السيدة كورى فى خاتمة عمرها فأراها متغضنة الجبين شائبة الشعر ، شاحبة اللون ، مسجاة على السرير وحولها بنتاها تبكيانها فى ساعتها الأخيرة ، وصورة زوجها بيير علامة الطبيعة معلقة على الجدار فوق رأسها - فأجابنى صوت من الأعماق يقول :
- ثمن الخلود عبقرية امرأة اقتربت ولبت نداء العلم فى باريس ، وقد أذابت فى رطوبة حجرة سكنتها شمعة صباها ، ووصلت آناء الليل بأطراف النهار وهى تقلب يديها فى المواقد ، وتصب السوائل وتنشق سموم الدخان جاثمة العينين على الأنابيب ، قابضة بالأصابع على القوارير ؛ فاذا حان طعام أو وجب شراب نالت منهما خسيسا ، وإن أخذ الكرى بمعاقد جفونها راحت إلى بيتها فأكملت ما به بدأت ، وشاركها فى ضنك العيش زوج كان بها برا رحيما ، وعليها جادبا حنونا . ولما رضى الدهر بأن يبيعهما
الخلود فتح كفيه ليأخذ الثمن فدفعاه له أغلى من الذهب وأصفى من الفضة وأنقى من الماس وأشرف من كل الجواهر ، لقد أعطياه معدن الراديوم فوهب لهما الخلود .
فكرت بهذا وقد أخذتنى عزة الزهو والإعجاب بالسيدة كورى ، فاهتزت نفس لهذه الآية النسائية الفريدة ، والحجة الدامغة على الرجال بنبوغ المرأة فى علوم الطبيعة ومواهب الاختراع ؛ ولم أكد أتأمل فى هذا الخلود العلمى الذى تركت دويه فى الدنيا أعظم امرأة عرفها تاريخ العلوم إلى اليوم حتى تجهم خاطرى ، إذ تمثل لى زوج مارى الأستاذ كورى وهو فى دربة من دار العلم إلى بيته ، فإذا بعربة هاجمة بخيلها تصدم جبينه وتحطم رأسه ، ومن يدرى لعله كان سادرا ذاهلا ، وكان فى ذهوله يفكر فى إشعاع من إشعاعات المعدن الأعظم الذى اكتشفه وزوجه ، فكان مصرعه ضحية علمه وقد بذل غاليا ثمن خلوده .
ومددت عينى إلى صحائفنا وأيامنا الغر المحجلة فانطلق الفكر بى إلى ليال سحيقة فى دهر العرب، رأيت ظلماتها تلف ألوفا من العلماء والفلاسفة والشعراء والكاتبين ، أعينهم جواحظ على مجال إلهامهم وتفكيرهم ، وأقلامهم مكبة على القراطيس ، وقد شغلهم العلم والفكر عن نعيم الحياة وزخرفها ، فخلقوا لأنفسهم مجدا لايقاس به مجد ، وشرفا لا يطاوله شرف ؛ فهذا أبو حيان التوحيدى يبذل عمره بالوراقة والتأليف ، ويموت مضطهدا فقيرا ؛ وذاك أبو إسحاق النظام يجوع حتى يأكل الطين وينحدر نحو الأهواز لعله يصيب طعاما ؛ ويقنع الشافعى الأبى من زمانه بالقوت ، فيكيد له الخراصون والخصوم ، ويريدونه على التماس جدواهم أو يحمل قوته وحل الطريق فيموت ولا يرضى منهم بالقوت ؛ ويقيم الفراهيدى مبتدع العروض فى خص من خصاص البصرة لا يملك فلسين ، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال وهو زاهد فيما يرغبون ؛ ويطلب المتنبى الرزق له ولجدته فيترك الكوفة متقلبا فى البلاد
يمدح الملوك والوزراء ويكسب بالشعر عداوة الناس ، ويسأله القوم ما أنت وما تبتغى ؟ فيقول : ما أبتغى جل أن يسمى ! وتتقاذفه المفاوز والرحلات من غربة إلى غربة ، حتى يصرعه القدر فيكون ثمن خلوده غاليا .
ويموت مئات من الأطباء وهم يستقصون الأدواء ويكشفون الجراثيم ، ويطوون أعمارهم فى المران والتجريب بين أسرة المرضى ومضاجع الجرحى ليخففوا مواجع الإنسان ، فيشترى الخلود بأغلى الأثمان كبيرهم باستور . وتطوف بالخيال أفواج المخترعين والمكتشفين ترف عليهم رايات المجد والخلود ، مكتوبا عليها هذه الأثمان : ضيعة شباب ، ورضا بالحرمان ، وكدح وسهر ، وتشويه وجروح ، ودأب على الإتقان والإحسان .
وتزخم خيالى قوافل البيد وكتائب البطولة والنضال ، فأرى خالد بن الوليد وأبا عبيدة وطلحة وصحبه العشرة الذين جاهدوا فى الله حق جهاده ؛ وأرى صلاح الدين يحوم بجواده حول أسوار بيت المقدس ؛ وسيف الدولة يجوس خلال الوقيعة فى ديار الروم ، فأجد ثمن الخلود صبيب دماء وأرواحا للفداء بذلها الشهداء فى سبيل الله ، ذاكرة عند اسمه الأسمى أولئك الأحرار المتهجدين ، الزاهدين فى حطام الدنيا ومتاعها ، فأتبين فى طليعتهم الصديق أبا بكر والفاروق عمر بن الخطاب وسميه ابن عبد العزيز الخليفة الأموى ، وغيرهم من الصالحين المصلحين ، الذين أصاخوا لصوت الحق ، فمحصهم الله ليقوموا بين الناس بعدله . وترن فى سمعى صرخات حداد تصل من على أعواد المنابر ، فأرى وراءها عليا المثل الأعلى يستفز قومه ويحضهم على الكفاح والبلاء ، والخوارج يمكرون به ويتذامرون ؛ وأتمثل الحجاج على منبر الكوفة فى عينيه شرر كاللهب، وعلى لسانه وعيد كحد السيف ، وجبروته محيط بأهل الزلل والعصيان . ثم أرتد بالفكر إلى عصرنا هذا فأرى بأمسه القريب والبعيد الشيخ محمدا عبده ، وقاسم أمين ، وولى الدين ، والزهاوى ، والكواكبى ، وأديب إسحاق ، ومى وسواهم ذاق بعضهم مرارة الاضطهاد والتشريد ؛ واتهم
البعض الآخر بعقيدته ونزعته ،فلا أعجب من ترادف النكبات والهموم على هؤلاء وأندادهم قديما وحديثا ، لأن من اجتبتهم المواهب والحوادث لبعث النهضات وإيقاظ الرقود وتحرير الأفكار لا بد أن تحف بهم المكاره والمحن ، ويستهدفوا للأقاويل ، فإذا جاء أجل هؤلاء المختارين الأخيار عمرت مآثرهم ومآربهم فى الأجيال ، وبقى نورهم يسعى بين أيدى الشعوب ، فيا للمواهب المنكوبة التى وهبت وما سلبت ، وفدت وما افتدت ! ويا للقرائح والبطولات ما اشترى أصحابها وما باعوا فى سوق المجد والخلود ! ولكن هل كانوا مغبونين ؟ ولعمرى إن فى البيع لغبنا ، وإن فى الأموال لربحا أو خسارة ، ولكن ها هنا تلقى التجارة سلاحها ، وتلم أرباحها فى غير نقصان ولا خسران ، وقد يعترى الكساد أو الفساد كل تجارة إلا تجارة الخلود ، فمن نزل سوقها وأوتى نصيبا منها فناهد وغامر وجاهد وكابد بلغ الشأو واستولى على الأمد .
فيا أيها الذين حسبتم المجد والخلود لقمة رخيصة ، وجرعة سائغة ، رويدكم فيه حتى يبلغكم عن أصله وهو له الخبر ، وتروى لكم عنه السير والعبر ... إن على بابه المرصود قد نقش الدهر بيتين من شعر المتنبى وهما :
ولهذا الباب حلقتان كتب على الأولى : (( ولا بد دون الشهد من إبر النحل )) ، وعلى الثانية : (( لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا )) . أرأيتم أن الخلود عزيز المنال صعب المرتقى ، وأنه لا يلتمس بمال ولا يكتسب بالزلفى والمحال ، لأنه إبداع من الله يختص به من يشاء ، فيه نفحات من وحى الأنبياء ووعى الحكماء ، وعزم الأبطال ، وثورة الأحرار ، وهو لا يعرف قيودا ولا حدودا ، لأن مجهود الخالدين وحصيد عبقرياتهم وقف مشاع على الإنسانية جمعاء .
لقد وعى التاريخ فى غابر الدهر ذكرى الخالدين الذين
بدلوا الدنيا غير الدنيا ، ووجهوا الإنسان شطر المثل العليا ، ونحت المنقاش أشباها لهم فى تماثيله المنصوبة محفوفة بالروعة والوقار ، ورسمت الريشة صورهم على الألواح فازدهت بها الجدر وغالت فيها المتاحف ؛ وفى العصور الحديثة أقيمت المجامع العلمية والمجالس الأدبية والسياسية لجمع شملهم وتكريمهم وتعميم نفعهم فى حياتهم ، وهؤلاء هم الذين واتاهم الحظ وأقبلت عليهم الدنيا ؛ أما الذين عبست لهم الأيام وتولت عنهم ، فإن الموت قد فتح لهم باب الخلود ولم يستطع من بعده أن يطمس معالم نبوغهم شانىء حسود أو منكر للجميل . فسلام عليكم أيها الخالدون ، يازهو الوجود ومجد العالم . إن ذكراكم باقية على الزمان ، وأصواتكم على لسانه رمز تجديد وتخليد
دمشق
