أما من ثورة عالية للعلماء والمفكرين يقومون بها في اجماع ضد دجاجلة السياسة ، وسماسرة المال ، وحاملي الجاهلية ، والمرتدين عن دين الحياة بالعلم والفضيلة ؟
أما يؤلمهم ويحز في نفوسهم ان يخنق اراؤهم ومثلهم العليا ، وتداس أفكارهم التى لها يعيشون وبها بأنون
أما يغيظهم أن يظلوا دائما مجرورين في عجلات أولئك الدجالين والجهال والسماسرة ، يسحبونهم على وجوههم في تلك الطريق المعهودة من عهد الجاهلية للآن ؟
الجامعات ، لو صحت الأوضاع ، هي رءوس الأمم التي تفكر بها ، وتنتصرف في شئون الحياة صادرة عن وجها ، فلماذا تري الشوارع تتحكم في الجامعات ، ولا نري الجامعات تتحكم في الشوار ع ؟ لماذا نري الاقدام تتحكم في الرءوس ؟ !
هل يقنع الجامعيون من الحق والعلم والفن ان يروا كلا منها في إطار من الصحف والكتب الجميلة والصور المعلقة على جدران الجامعات والمتاحف والمعارض ، وان يتحدثوا عنها في حجرات الدراسة ، ويلبسوا لها " الروب " الجامعي ، ويهزوا بها ذقونهم ، ويقفوا بسمت ووقار ، وينطقوا بمضغ ولباقة ؟ !
ما فائدة هذا التمثيل الدائم على مسارح العلم أيها الحكماء ما دام هناك مناقضات فاحشة بين ما في البيوت والشوارع ، وما في الجامعات ، وما دمتم انتم تلبسون للحياة العملية ثيابا اخرى وتضطرون لان تواجهوها بوجوه أخرى ؟
ما فائدة الجري وراء البدوات والفروض الرياضية للحياة ، والتنقيب عن احاقير الماضي اللغوية والأثرية والتخبيل بأحلام المستقبل المثالية ، ما دامت تيارات الحاضر نقلت من أيديكم وتستعصي علي توجيهكم ؟ لقد نكل الحاضر بمخلفات الماضي ومقدساته
وبامال المستقبل وتخييلاته تنكيلا فظيعا ، حين أطلق هذه الحرب الحطمه الطاحنة بصواعقها ونواسفها ، فإذا الأبراج العاجية والصوامع الجامعية تذروها الرياح دخانا وهباء منثورا مع ما فيها من كنوز الماضي ورصيد المستقبل .
وكان ذلك كذلك لأن الجامعيين والمفكرين لم يؤمنوا طريق العلم والحضارة ، ولم يكبلوا الوحوش والغيلان الممثلة في الدجالين والسهامرة ، والجائعين للشهرة والجمال الذين يفتتكون بالمدنية ، ويأخذون منتجات العلم وينتقمون بها في تسخير الحياة من غير ان يأخذوا الاسس النفسية الفاضلة التي في نفوس العلماء .
وكان ذلك لان خدام العلم لم يسلكوا في تعبيد طريقه وتأمينها مسلك خدام الدين الأولين ، فلم يقيموه علي أساس التعصب له والثورة به والفناء في سبيله ؛ ولم يقيموه في نفوس الطلبة على أساس الروح ذات الجذوة الخمراء التى تنضح كل ما تقتنيه وتحوله إلى كيانها ؛ وإنما اقاموه على أساس الفكر ذي الجذوة البيضاء الهادئة التي تقتني المعلومات كما تقتلي اليد الأشياء ، وتضمنها على الرغوف وفي الخزائن : فهي دائما منفصلة لا تندمج في كيان المقتني
فلا بد إذا من ثورة اجماعية للعلم تقوم على أساس التعصب له وللفضيلة ، فان العلم من دين الله الذي يدين به البشرية وتتوحد به غاياتها ومقاصدها ، وتخضع اعناقها لمعجزاته الداعمة المتجددة .
ولا بد من السرعة في إقامة أسس الحياة على الثابت من قوانينه ، حتى لا يكثر العدد من ضحايا عهد الانتقال ، كما هو الحال الآن ، كما لابد من الثقة بالفكر البشري الهادئ المستنير ثقة كاملة .
فقد قاد الفكر القطيع البشري ، ونقله من حياة البساطة والعجز والجهل إلي هذه الحياة المعقدة القادرة العالمة ، ولا يزال يقوده وينقله مرحلة فمرحلة في طريقه إلي مستقبل مجهول .
وكلما استقرت الأجسام البشرية في مرحلة ، وعاشت فيها حياة آلية رتيبة ، واطمانت جنوبها إليها ، وقالت هنا ينتهي الطريق ويقوم الهدف ، ثار بها ثائر من عالم الفكر ودفعها إلي أفق جديد تقاوم هي الاندفاع إليه في أول الأمر ، ثم لا تلبث أن تسير مع مجلة الفلك بدافع من قوة التطور البديعة ؛ وتأخذ في دور الاستقرار فيما انتقلت إليه ، إلى أن يومض بارق ويثور ثائر على الواقع ، ويلوح لها بجديد من عالم المثال ، فتتبعه بعد جهد على رغم ما تلاقيه من عنت الانتقال وترك المألوف !
فقصة الحياة الإنسانية هي قصة الفكر وثوراثه المتتابعة على الواقع . ولولاء لظل القطيع البشري كاي قطيع حيوانى مما يدرج على الأرض : لا ارتقاء له بذانه ، ولا قدرة له على تغيير واقعياته .
وما كان يراه الواقعيون القدماء مستحيلا او بعيدا عن قدرة الانسان حققه الفكر المتطلع الثائر ، وجعله من ايدينا داني القطوف على طرف التمام ، وبعبارة اخري : كثير من حقائق اليوم وواقعياته التي تنقلب فيها الحواس ، وتعمل فيها الآيدي ، كانت احلاما وبروفا تلوح في افاق الفكر الموهوب المدرك لما وراء صور الواقع من صور أكمل وأبدع
والبطء الشديد في الانتقال ، بل التخلف والوقوف الطويل في مرحلة من مراحله ، بل الأرتداد الذي يحدث من المجتمع في كثير من الأحيان ، إنما مبعثته العتاد والجمود والجموح من القطيع ، والثوانى والإهمال من المدركين للكمال ، القاعدين عن نداء الفكر وإهابته بهم ان يتجردوا لما استحفظوا عليه ويأخذوا الإنسانية إليه ، الطامسين لتلك الصور الجميلة التي يرسمها في صفحات ضمائرهم ومخيلاتهم القلم الأعلى الذي يعلم الإنسان ما لم يعلم ، وبدرجه في قراءة الحقائق وإدراك الكمالات درسا فدرسا . ومما لا شك فيه أن الحياة الاجتماعية يمكن ان تكون
أحسن مما هي عليه الآن وأكمل ، فتدرج هذه الحياة من صور الاجتماع الأولى إلي هذه الصور المعقدة العظيمة في الاجتماع الحالي . وطواعية الفرد تحت احكام القوانين والنظم والتقاليد التي تحيط بكل تصرف من تصرفاته، اكبر دليل على إمكان الوصول إلى ما يصبو إليه ذوو الأفكار السامية والقلوب الكبيرة التي نضجت فيها معاني الإنسانية وأسرارها
وما يضر الإنسانية شئ كما يضرها الاستسلام للواقع الخاطئ الناقص القائم على أسس فاسدة
وقد كان يصح إلي حد ما اغتفار الثواني وترك المجتمع يقوم على أسس فاسدة وأشكال ناقصة أيام كانت الثقافات محدودة والمعارف ضيقة والتعليم لونا من الوان الترف في الحياة ، وأيام كانت حدود الأشياء ، وقيمها مختلطة مشوشة ، وأيام كانت آثار هذا الثواني والإهمال ضيقة الأضرار هينة الجرائر والأثام ؛ وأيام كانت العارف متقاربة بدور الناس بها دورانا نظريا في حيز ضيق من حياة المجتمعات وايام كان انتقال الحياة في طريق الآليات والصناعات انتقالا بطيئا لا تنشأ عنه مسافات بعيدة بين القاعد والماشى . .
أما الآن وقد صارت قيمة التعليم والتهذيب للفرد كقيمة الخبز ، وحدود الأشياء واضحة مميزة ، وصارت آثار الثواني في إقامة المجتمع على اسس العلوم والأخلاق والفنون آثارا عميقة غليظة الجرائم والانام ، وصارت افاق العلوم والمعارف متباعدة متعددة في نطق واسعة جدا لا اختلاط بينها ولا تشويش ، وصار كل يوم يأتي بأشياء جديدة عجيبة من وسائل العلم والسيطرة والقوة . . فلا يجوز مطلقا ان يتواني مفكرو اي مجتمع ويتركوه يقوم على الأسس الفاسدة ، ويسير على مجري التاريخ الذي يجرف الطفولة النضرة مع الجيف القذرة . .
إن الناس لم يرضوا ان يسيروا بأقدامهم على الطرق والدروب القديمة في المدن والقري ، بل مهدوها تمهيدا
فيه فن وتنظيم على أحدث الأساليب ؛ فكيف يرضون أن يظلوا في حياتهم الفكرية سائرين برءوسهم على مسالك وعرة قذرة ، فيها أنقاض وخربات من عالم بائد ؟ !
أجل ! في حياتنا الفكرية أنقاض وخربات يسكنها ظلام وحشرات وخفافيش وزواحف سامة تفزعنا وتفسد احساسنا بجمال الحياة الحديثة ، فيجب هدمها او تجديدها إذا كان فيها ما يجب أن نبقى عليه . وإلا فسنظل فرائس للفزع والاشمئزاز .
وفي حياتنا النفسية مستنقعات آسنة ننز وترشح إلى ما يجاورها من الرياض العلمية والفنية الحديثة ، وتفرخ فيها كثير من جراثيم الآفات ، فيجب ردمها وتحويلها للإزهار والإثمار الصالح . وإلا فسنظل مرضي مصروعين متناقضين . .
وإن الناس ما رضوا أن يتركوا موارد الطبيعة كما هي بدون أن يدخلوا عليها أساليب التنظيم والاستغلال والانتفاع . فلماذا رضوا ان يتركوا موارد النفس ومصادر الأخلاق ، كما هي دون تنظيم وتعديل ، كما يقضي بذلك الإدراك الصحيح ، والمنفعة العاجلة والأجلة ؟
لقد أقاموا الاستحكامات والمصافي والخزانات على المنابع والأنهار ، ليتقوا غيضها وفيضها وأقذارها مما ذاقوا منه الدمار والأمراض في المهود القديمة . ولكنهم لم يقتنعوا بعد بأن موارد النفس ومصادر الأخلاق وما فيها من غيض وفيض وقدر وضعف وطغيان ، تحتاج إلى إقامة أمثال تلك الاستحكامات ووسائل التصفية من الاكدار . فهل يظلون مصرين على الممى هما وراء الأجسام ، سجناء الشواخص والكتافات وحدها ؟ !
لقد صارت الحياة المادية بما ادخله عليها العلم والفن ، حياة قيمة جدا عمل على الثقة بالإنسان كعامل عظيم من عوامل التكوين والتنويع التي في يد الله . . فيقبح جدا بالإنسان أن يترك نفسه تحت تأثير الغرائز الضيقة ،
والحماقات القديمة التي تحمله علي تدمير تلك الحياة المادية القيمة ، وتخريبها هذا التخريب الذي تمثل اليوم مأساته الدامية الشنيعة على مسرح الأرض كلها . .
إن الفكر البشري قوة مبصرة عظيمة تتحكم في كثير من القوي المادية العمياء . فالواجب الأول أن يعني به قبل غيره ، وان يحافظ المجتمع على قوانين نموه واطراده والانتفاع به ، وصيانته من العوادى التى تعدو عليه فتفسد حياته ثم تفسد الحياة به .
ومن العجيب ان تفزع الدولة حين تري جسما مريضا مرضا وبائيا ، فتضرب بينه وبين الناس نطاقا من العزل الصحي و" التعلميم " والوقاية ؛ ثم لا تبالي ولا تفزع حين تري الأمراض الفكرية الوبائية تجتاح صحة القلوب والأفكار ، وهي أوعية أسرار الحياة الإنسانية ، وعوامل توجيهها !
إن العناية بالمظاهر الجميلة البراقة لا تغني عن العناية بالخفايا والأسرار في أي شئ ، وخصوصا في الحياة الإنسانية التى يجب أن يسبق الفكر فيها كل عمل وكل مظهر وإن المجتمع ليهدر قيمة الفرد الاجتماعية مهما كان جميلا قوي الجسم حين يري به جنة أو مسا من الخيال . . فيسجنه في مستشفيات المخبولين او سجون المجرمين ؛ ذلك لأن الفكر هو الشئ الأول الأهم في الإنسان . لولا العقول لكان أدنى ضيغم
أدنى إلي شرف من الإنسان والإخلاص للفكر والعلم يحمل علي ابتداء حياة الامة بهما وإنشاء أوضاعها من جديد ، ومقاطعة الاشتغال بأي فرع من فروعها إلا بعد اصلاح الدعامات والاصول التي يقوم عليها بناؤها .
و " الترف العقلي " الذي نراه في الأمم الراقية التي سبقتنا بأشواط وأشواط ، فنفتتن به ونتوجه إليه كافراد منسلخين عن حياة الشقاء التي تحياها أمتنا ، ينبغي ألا يشغلنا ويصرفنا عن مجامهة العقدة الأولى ، وهي إصلاح أسس
حياتنا مهما لقينا من العنت والمشقة والاضطهاد من الراضين بالحياة كما هي ، والذين لهم مصالح في الحرص على بقاء الحياة كما هي . .
وليكن اجتهادنا في صنع القوالب الصالحة وتخطيط الاتجاهات ، ولو كانت تلك العملية مستمة ليس فيها زواق ورواه .
وليكن لغيرنا ممن يأتي بعدنا لذة الاشتغال بألوان الترف العقلى ، وطلب الشهرة بأهمال التلوين والزواج ، مما يقف العوام وأشياههم ويذيع الشهرة بينهم .
فإذا أصررنا على ترويق الأجسام الآدمية الحديثة بطلا ، رقيق من المدنية ، تاركين النفسية القديمة كما هي ، فلن يكون ذلك أقل خداعا من دهن الاحطاب والجذوع النخرة باللون الأخضر . . اتهاما للناس أنها نبات صالحي في أرض طيبة . .

