الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الرسالة"

ثورة على الأخلاق

Share

إلى الأخ محمود بواسطة الأستاذ الزيات قرأ أصدقاؤك والمعجبون بأدبك في الأقطار الشقيقة شكواك  البليغة في عدد الرسالة   (٢٢٩) ، فعتبوا عليك، وأسفوا أن تمر  بسمائك سحابة صيف من مآسي الحياة في ظرف من الظروف  الأليمة التي يطيش فيها حلم الحليم، فتحجب عن بصرك ذلك  القبس الإلهي الذي كان يجبب إليك أن تحترق كالشمعة  لتنير الطريق إلى الذين لا يعرفون الفضيلة في الدنيا؛ وأن تتحمل  كل ما في الألم من مرارة وما في الاضطهاد من معنى، في سبيل  الأخلاق الفاضلة والذود عنها والدفاع عن حرمتها، فتنقلب في  طرفة عين إلى خصم لدود يطعنها تلك الطعنات القاتلة، فكنت  كالذي أوشك أن يتم جداراً لاقى النكد في بنائه، فأنقلب إليه  يهدمه إلى وجه الأرض لأن حجراً وقع عليه

لا يجادلك فيما ذهبت إليه في شكواك إنسانٌ في الدنيا، ولا  يوافقك على الأسباب التي أدعيتها علة النجاح من له دين وتفكير  إلا إذا كنت تريد أن يتدهور البشر إلى مستوى العجماوات  حيث يعيشون للطعام والشراب، وأن يتلاشى ذلك التراث  الإنساني الثمين الذي ورثته البشرية عن الأنبياء والمصلحين.

إن نجاح التاجر الذي يغش ويسرق، والموظف الذي  يتلون حسب الظروف، والظالم الذي لا تعرف الرحمة طريقاً  إلى قلبه، لا يقوم دليلاً على ما ذهبت اليه، ولا شأن للأخلاق  فيه، إذ ليس ذنب الماء العذب أن يزعم مريض أنه كريه المذاق،  ولا الشمس المشرقة أن يجادل في رؤيتها أعمى. فالذنب يا سيدي  الكريم هو ذنب المجتمع المريض الذي يسمي الأشياء بغير  أسمائها، فيرى الجبل شجرة، والحجرة كتاباً، والجمرة تمرة.  ولو كان لنا مجتمع تعيش فيه الصراحة والجرأة الأدبية ويشرق  عليه نور الخلق الفاضل والتربية العملية الدينية الصحيحة، لتضور  أمثال هؤلاء جوعاً فيه

وراع الدكتور عزام طعنك في الأخلاق على النحو الذي قرأه

الناس جميعاً، فأسرع يكتب إلى صاحب الرسالة كلمته البليغة لتصل  إليك في العدد   (٢٣٠)  وظن القراء أن فيما أورده الدكتور من  الآراء الصائبة ما يكفي لإرجاعك إلى الحق، والرجوع إليه فضيلة؛  وانتظروا أن يقرءوا ذلك في العدد   (٢٣١)  وإذا بصديقك  الزيات يقول إن المجلس الذي أبلغك فيه رأي الدكتور، وكان  حافلا بغيرك من رجال العلم والدين، كانوا لك وعليه، وأنك ظللت  صامتاً ولم تحر جواباً

لقد أعجبني صمتك، لأن السكوت دليل على التسليم،  ولكني لم أرض أن يزعم أن مجلسك كان حافلاً برجال العلم  والأدب والدين، ويقول على لسانهم بأن السبيل (القاصدة إذن  أن نطب لهذه الحال فيما يوائم بين طموح الناس وكرامة  الأخلاق وسلامة المجتمع، وليس هناك إلا وسيلة من وسيلتين:  إما أن نصد الناس جميعاً عن هذه الطرق المتعددة ونقصرهم على  هذه الطريق الواحدة بقوة الأديان والسلطان والتربية،  وذلك ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:   (عليكم  بالجادّة ودعوا البنيَّات)  وإما أن نعيد النظر في قانون الأخلاق  فلعل فيه ما لا يرافئ تقلب العصر وتطور المجتمع. فأما  الوسيلة الأولى فقد سجل الماضي ودلل الحاضر على أنها خيال  نبيل لا يقع في الإمكان وحلم جميل لا تقوم عليه يقظة، وتعليل  ذلك لا يغرب عنك فلا حاجة إلى تقريره. وأما الوسيلة الأخرى  فهي على ما يرون مظنة التوفيق في الإصلاح الجديد)

يزعم أصدقاؤك أن إلزام الناس طريق الفضائل عن طريق  الأديان والسلطان والتربية   (خيال نبيل لا يقع في الإمكان، وحلم  جميل لا تقوم عليه يقظة)  ويؤكدون أن الماضي قد سجل ذلك،  وأن الحاضر قد دلل عليه. . .

أما السلطان فأوافقهم على ذلك إذ:

لا ترجع الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر

وأما الأديان، فأي ماض قد سجل ذلك؟ هل قرأ أصدقاؤك  التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده؟ من هم أولئك الذين كانوا  يأكلون الدم والميتة، ويئدون البنات، ويتزوج العشرة منهم  امرأة واحدة؟ ومن هم أولئك الذين صهرتهم حرارة الدين  فأخرجت منهم أبا بكر وعمر، ووطئت خيولهم الصين وسهول

اللوار، وملئوا الدنيا والتاريخ عدلاً، وخاطب خليفتهم في بغداد  السماء بأن تمطر أنى تشاء فالخراج لهم؟

إذا تعلم أفراد المجتمع الدين تعلماً عملياً صحيحاً، وساروا على  صراطه المستقيم، فعسير أن يعيش بين أفراده مثل من ذكرهم  صديقك الزيات. فعلة العلل أننا لا نعرف الناحية العملية من  الدين. . . وهذا ما كان سبباً في تهكم أحد رؤساء الجامعات  الأوربية على دروس الأخلاق النظرية التي وجدها في أحد برامج  بعض المدارس العربية العالية. . . إذ قال بأن الشرقيين لا يزالون  في الضلال يعمهون حين يظنون أن في المستطاع تكوين الخلق  الفاضل بعيداً عن الناحية العملية. وأما الحاضر الذي دلل على  ضعف الدين، فهو حاضر لا يمت إلى الدين بشيء

والإصلاح الجديد الذي يراه أصدقاؤك يجلب على المجتمع  الدمار والبؤس والفوضى التي يئن تحتها المجتمع الأوربي في مظاهر  مدنية النار والحديد

ويرى أصدقاؤك في صلف الإنجليزي العزة، وفي طموح  الإيطالي الرجولة، وفي طمع الفرنسي الحياة، وفي صراحة الألماني  الهيبة، وفي استقلال الأمريكي الفوز، ويرون في قناعة العربي  الإهمال، وفي زهده الحرمان، وفي مداراته الذل، وفي توكله العجز.  ولست أظنهم ينصفون الحقيقة في هذا الرأي، فمقياس الفضيلة  هو مقدار الناحية العملية الصالحة منها، وحسب أصدقائك أن  يقارنوا بين فضائل من ذكروا، وبين فضائل العربي وهو قريب  من عهد الرسالة، وهي منتزعة من صميم الدين، والتي لا تمت  بصلة إلى الأسماء التي تطلق عليها الآن، وهو على أبواب مدينة  حمص حينما هاجمها الروم للمرة الثانية، فتدفع تلك الفضائل  العربي أن يعيد لأهل المدينة الجزية التي أخذها منهم، فيرفضون  أخذها ويدفعون الروم بكل ما يملكون. والأمثلة كثيرة،  وثقافتك الواسعة وعروبتك الصادقة في غير ما حاجة إلى إقامة  دليل

وأما الربا فيريدون ألا يظل في عصر الاقتصاد رذيلة،  وحجتهم أن الغرب لم يستعبد الشرق إلا عن طريق بنوكه، وأن  ربح الأموال التي كانت تضيع على المسلمين في البنوك، لو صرفت  على طرق الإصلاح ووجوه البر لما بقي أجنبي في أرضهم ولما ظل

تحت سمائهم فقير. والواقع لا يدل على ذلك أبداً، فلقد حرم  الدين الربا لحكمة لا نستطيع بعقولنا المادية المحدودة إدراكها.  ويجب أن يبقى كذلك عملاً بأوامر الدين. وأما استبعاد الشرق  عن طريق البنوك، فمسألة فيها نظر وليست قضية مسلمة، ودليل  ذلك أن الإنجليز كانوا يطمعون في مصر منذ سنة ١٨٤٥. ويقرأ  ذلك من يشاء في رحلة الإسكندر وليم كنج لاك Alexander  William king lake في بلاد الشرق الأدنى في السنة المذكورة  التي سماها   (يوثين)  eothen حيث تنبأ وهو أمام أبي الهول  باحتلالهم مصر قبل أن تشق قناة السويس. وأما طرق الإصلاح  ووجوه البر، فلو صرفت عليها الزكاة التي فرضها الدين لما بقي فقير  بين المسلمين

وبعد فسيضل الخلق الفاضل عدة النجاح مادام هنالك دين  في الدنيا والسلام عليك.

(جينين)

اشترك في نشرتنا البريدية