الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 161الرجوع إلى "الثقافة"

ثورة فى خزانة الكتب

Share

شاءت لي المصادفة البصيرة - والمصادفة قد لا تكون عمياء - أن أقرأ في ليلة واحدة فكرتين في كتابين مختلفين . لا علاقة لأحداهما بالأخري ، ولكنهما - على بينهما من تفاوت بعيد - ثعانقتا في ذهني ، وأتحدتا فتكون منهما ازدواج عجيب ؛ أما الأولى فهي ان اباءنا من المصريين الأقدمين كانوا ينسبون للأسماء المنقوشة على التماثيل والتوابيت قوي سحرية عجيبة ، تكاد تدنيها من الاحياء ؛ فهم لم ينقشوا أسماء موتاهم على تلك الأصنام الحجرية للزخرفة والزركشة والزينة ، بل ليكون لها في جوف القبور قدرة ان تصيح للروح فتهتدي بصياحها إلي الجسد الراقد لتسري فيه الحياة من جديد . وأما الفكرة الثانية

فكانت تعليقا لكاتب حديث علي رأي فيلسوف قديم في أرستقراطية العقل وحلولها محل أرستقراطية المـــــــــال . إذ أراد أن يلقي بزمام الامر في الدولة إلي من تثبت لهم الكفاءة العقلية والا يخلي بين الأدنىين في قدرتهم الفكرية وبين مناصب الدولة العليا ؛ فليس أشد عبثا في هذه الحياة من أن يحرص الانسان ما وسعه الحرص على أن يختار احسن الحذائين لاصلاح حدائه . وان ينتقي أحسن السائسين لتدريب جياده ، ثم لا يعبأ بمن يتولى إصلاح دولته !

فرغت من القراءة فأعدت الكتابين إلي خزانة كتبي ، وليس فيها سوي بضع مئات قليلة منها ، تتفاوت اقدارها العلمية ، من كتب في المطالعة والهجاء إلي مجلدات في الفلسفة والعلوم ، رصت في رفوف الخزانة الثلاثة رصا يقع بين الفوض والنظام ؛ اعدت الكتابين وأويت إلي مخدعي ، فسرعان ما استغرقتني نعاس دافئ جميل ، ما كان أحلاه بعد يوم ملئ بالعمل والعناء ، وسبحت في عالم الرؤي ، فماذا رأيت ؟

رأيتني حاكما في دولة أصرف أمور شعبها ، لعلها أن تكون اعجب ما شهدت الأرض من دول ، ولعله ان يكون أعجب ما ظهر على وجه الدهر من شعوب ! أما دولتي فمداها بناء ضخم ذو طبقات ثلاث ، ثم البث ان اتبين فيه خزانة الكتب ضخمت في عالم الأحلام ، ثم ضخمت حتى أصبحت هذا البناء الفخم الجميل ؛ وأما رعيتي فكانت بضع مئات قليلة من امساخ لا تطمئن لها العين ، ما كدت أباشر شئونها حتى ادركت انها كتبى قد اصابها في أضغات الأحلام هذا المسخ والتشويه ؛ فقد رأيتها كائنات حية ليست كالتي عهدت من كائنات ، يتألف واحدها من لسان غليظ طويل في ضخم بشع ، ولكل منها جناحان بعضها يستطيع بهما الطيران وبعضها لا يستطيع ,

وأحسب أن اللسان قد غلظ فيها وطال لأنها لم تصطنع من أول الدهر سوى بضاعة الكلام ، فتطور عضو الكلام وضمرت سائر الأعضاء ؛ وأعجب ما فيها أن خواطرها مكتوبة في عقد من اوراق الشجر يتدلي من عنقها ، بحيث تستطيع العين رؤيتها ، وهي حين تتكلم تهز من صدرها تلك الخواطر المكتوبة هزا تتحول به من الكتابة إلي الصياح .

نظرت إلي دولتى وقلبت الرأي في رعيتى ، فشاع في نفسي الأسف والأسى لسوء حالها ، وكاد يقعدني اليأس                                                                     عن محاولة اصلاحها فقد خيل إلي أن فوضاها فوق كل اصلاح : كانت دولتى مقسمة ثلاث طبقات ، علياها تسكن الطابق الأعلى ، ودنياها الأدنى ، وأوساطها في الوسيط ؛ وقد راعني ذات يوم أن أري أن أطيب ما تنتج البلاد من خيرات ينصرف إلى الفئة العالية وهي لا تعمل وأما الحثالة فالى الفئة التي تكدح وتشقى ، وهي التي سفلت في بناء الدولة حتي استقرت في قاعها ، فقلت لنفسي لا حييت بعد اليوم في الدولة حاكما إذا أنا أغمضت العين على هذه النقائص والعبوب ، وان تذهب ثقافتي عبثا ، فسأهتدي بآراء الصاحين جميعا ، من مضي منهم ومن حضر ، لأستأصل من جسم شعبي كل داء دفين .

وآثرت قبل البدء في الاصلاح أن أخالط رعيتى عن كثب ، وأحادثهم ، لعلي أعلم كيف علا من علا ، وسفل من سفل ، فان في ذلك لبداية وهداية . فصعدت لتوي إلي الطابق الأعلى ، فإذا فئة من شمي تتقلب في ألوان النعيم ، أسدلت من دونها الستر لتنتفي من النسيم ولفحة الضوء ، اجنحتها من المخمل وأوراقها المتدلية من الحرير ، وقد خط عليها ما خط بماء الذهب ، فأخذت أسأل هؤلاء واحدا بعد واحد : ماذا صنع حتى جاز له أن يصعد هذا المرتقي ؟ فأجاب أولهم : إن جواز صعوده هو أن اسمه المطبوع

على صدره له رنين قوي إذا نطق به ، وهو مكتوب بالخط الضخم العريض ؛ فعجبت له كيف يمكن أن يكون رنين الأسماء وضخامة الحروف من أسباب العلا ! لكنه أجاب بأن تقاليد الدولة منذ عهد بعيد قد أباحت لمن يعلو صوته على سائر الأصوات أن يتسع صيته ، فيأخذ من أمته مكانا عاليا ممتازا ، ولا عبرة بما في صياحه هذا من خطأ أوصواب ثم سألني : ألست تري - ياصاحب الجلالة - ما بين الصوت والصيت من علاقة في اللفظ ؟ وأضاف قائلا : إن علاقة اللفظ عند الفلاسفة دليل على روابط المعنى . فسألت آخر ، فأجاب بأن جواز صعوده هو أن جناحيه وما يتدلي على صدره من أوراق صنعت كلها من مادة جيدة مصقولة ، فعجبت له كيف تكون نعومة النفس جوازا للصعود ! فقال : إن تقاليد الدولة منذ أقدم العصور تعني بظواهر الأشياء دون بواطنها ، لأن فيلسوفا قديما علمهم أن الانسان لا يدرك من الأشياء غير الظواهر ، وأما حقائق الأشياء فعلمها عند علام الغيوب وسألت ثالثا ، فقال : إنه مطبوع في بلاد الانجليز ، فعجبت له كيف يمكن أن يكون مكان الطباعة بذي شأن ، ما دامت الأحرف هي الأحرف والكلام هو الكلام ؛ فأجاب بأن تقاليد الدولة من أقدم عصورها تقضي أن يكون لذلك اعتبار عند قسمة الأقدار . وسألت رابعا ، فقال : إنه ينتمي في نسبه إلي كاتب مشهور معروف ؛ فعجبت كيف يمكن أن تكون النسبة وحدها كفيلا له بالصعود ؛ فأجاب بأن تقاليد الدولة منذ فجر تاريخها قد جرت بأن يكون لأصحاب الانساب في الدولة أكبر الأنصاب . وسألت خامسا وسادسا وسابعا .

هبطت السلم مسرعا لا ألوي على شيء ، وأنا أوشك أن أصيح : كلا ، لن يكون لمثل هذا العبث وجود في

دولتي بعد اليوم . . إن شيخا في الطابق الأسفل قيل إن به مسا من جنون ، قد جاءني منذ أيام يقص على قصة الاصلاح الذي يريده لأمتى ، فأعرضت عنه وتوليت ، وما كان ينبغى أن أفعل ؛ فما يدرينى ؟ لعله يهدي ، فما يفصل الجنون عن النبوغ إلا حاجز رقيق وقصدت إلي الشيخ حانقا مغضبا ، فوجدته يروح ويغدو ولا يكاد يستقر به المكان ، فناديته : ادن مني أيها الشيخ وأعد على سمعي ما قصصته بالأمس ، فقال : أردت لأمتك الاصلاح - يا صاحب الجلالة - فما أعرتني أذنا مصغية ولا قلبا واعيا ، والأمر هين لا عناء فيه : أريد أن تسود في الدولة أرستقراطية العقل مكان أرستقراطية المال وغير المال من الأعراض التي لا تمت إلي طبيعة الانسان في شيء ؛ فهذا الفرد وهذا وذاك ممن تنطوي صدورهم على تفكير ناضج سليم ، وتتألف خواطرهم التي نقشت على صدورهم من فلسفة وعلم رصين ، لهم من الدولة المكان الأعلى ؛ وهذا الفرد وهذا وذاك ممن تغلب عليهم العاطفة فينطقون بآيات من الشعر والنثر ، لهم من الدولة المكان الأوسط ، لأن العاطفة عندي في منزلة دون العقل الخالص ، ثم احشر في الطابق الأسفل من رعيتك أصحاب العقول الفارغة والصدور الخاوية ، مهما يكن حظهم من ضخامة عنوان وجمال أوراق . فلم أجد في فعل ما أشار به الشيخ شيئا من العسر ، إذا استثنيت بعض نظرات ملتهبة حداد رمقني بها أفراد الطبقة الممتازة حين أنزلتهم من الدولة أسفل سافلين .

وانتبذت بعد هذا الانقلاب مكانا استريح وأزهو ، ولكنى لم أكد آخذ من الراحة نصيبا ، حتى سمعت في أرجاء الدولة ضجة وصياحا ؛ فهذا صوت شئ يتحطم ، وتلك صرخة إنسان يتألم ، فسرت في جسمي قشعريرة الخوف ، وأرهفت الأذن ، فاذا في أتبين كلمات تنبئ بثورة

الشعب ، فجمدت في مكاني لا أربم حتى هدأت العاصفة ، ثم طفت باسفل الطوابق أول الأمر ، فإذا بأصحاب الفكر وأرباب الأدب ممن أصابتهم الرفعة في الانقلاب الذي قمت به في تنظيم الدولة ، قد أعيدوا إلي دركهم الأول ، بعد أن تكسرت منهم أجنحة وقطعت ألسنة وتمزقت أوراق :

فجلست محزونا واعتمدت رأسي على كفى ، وتمتمت في يأس : لم يأت بعد أوان الاصلاح لأمتي ، فلا بد ان تنقضي قرون اخرى يعلو فيها اصحاب الظاهر البراق ويسفل أصحاب الحق المبين . . واستيقظت فإذا موعد العمل قد حان ، فارتديت ثيابي مسرعا وهرولت إلي العمل مسرعا لأرد عن نفسى عادية الأذى .

اشترك في نشرتنا البريدية