٢
خطاب الدكتور دريوقون مدير مصلحة الآثار : القاهرة في ٢٧ مارس ١٩٥١
إن يكون عملا شاقا وغير مجد أن ندخل في نزاع مع الأشباح والأوهام
فتلك النظريات التي تدهش كل عالم من علماء الآثار . والتي تختمر الآن في دائرة مغلقة حول معبد الأقصر ، لم تصل حتى الآن إلى درجة التبلور في كتاب ذي قيمة علمية ، يعرض الوقائع ، وبين الحجج ، ويوضح النتائج . . وعندما تاتي هذه المرحلة سوف نكون نحن أول من يدرس الآراء الجديدة في عناية وتمحيص . ولكن كيف نستطيع ان نناقش مذاهب وتقريرات يقال عنها إنها تعتمد على عدد عديد من الحجح والبراهين ، وإن كانت هذه الحجج والبراهين لم يكشف عنها بعد ؟ .
أما الكتابات التي نشرت حول هذا الموضوع ، وأما الشروح التي تكرم بها علي أصحاب النظريات الجديدة أنفسهم - وهم أناس تربطني بهم خير العلائق الشخصية - فلم تزدني إلا وثوقا من شيء واحد : ألا وهو أن هذه النظريات ، مهما كان من حسن مظهرها ، لم تكن أبدا من نظريات المصريين القدامي . .
سصت مصر القديمة :
لن نكون مغالطين إذا اعتمدنا في بحثنا على حجة تعد في رأيي ذات أهمية كبري : تلك هي أنه لا يوجد في التراث الهيروغليفي العظيم المعروف أية اشارة إلى ما يشبه هذه النظريات ، بل لا يوجد فيه ما يدل أيضا على عقلية قابلة لفهمها واستساغتها . ولو أن الأمر اقتصر من جانب المصريين القدامي علي عدم الكتابة في هذه العقائد التي تنسب إليهم ، لبقيت المشكلة قائمة وحجتنا غير مقنعة ؛ فقد يعترض المعترضون . . بقولهم إن مراسيم الملك لويس الرابع عشر مثلا لم تتعرض لعقيدة التثليث ، ومع ذلك فلا نشك في أن هذه العقيدة كان الفرنسيون ، وما زالوا ، يؤمنون بها . . ولكن الأمر مختلف بالنسبة للمصريين القدامي : فهم قد كتبوا كثيرا في المسائل التي هي الآن قيد البحث ، دون أن تري في كتاباتهم اثرا للنظريات المنسوبة إليهم تعسفا ، فلا بد إذا من القول بأن هذه النظريات ليست نظر ياتهم . . أجل ، فإننا إذا درسنا نصوص دين ما ولم يجد فيها أية إشارة إلى عقيدة التثليث ، لوجب علينا أن نعترف عندئذ أن هذه العقيدة لا تدخل في مقومات هذا الدين .
وننتقل من هذا إلى صميم موضوعنا ، فنقول : إن المصلحين من علماء الإجبتولوجيا ، الذين تسمونهم بالرمزيين ، ينسبون إلى المصرين القدامي نظرية مؤداها
أن كل معبد بناء حي من شأنه أن تتغير صورته في أوقات معينة كي يبقى على وفاق تام مستمر مع التغيرات والانقلابات الكونية ، وأن ما نجد في المعبد من أحجار منقوشة آتية من أبنية معابد سابقة ، إنما دفنت في مواضعها المعينة كي تكون الدليل إلي الخقائق العليا الغالية . وتصبح بمثابة مكتبة سرية حقيقية للعارفين .
ولنصرف النظر عن الفكرة الساذجة التي تقول بمكتبة لا يستطيع إنسان الوصول إليها إلا بعد نقل أطنان عديدة من الأحجار والأنقاض .
ولو أن نظرية المعبد هذه قد سيطرت حقيقة على عقول المصريين القدامي ، ليعبروا عنها بالضرورة في صنفين من النصوص : النصوص التقليدية التي تكتب عند بناء المعابد ، والنصوص التي يتحدث فيها البناة من الملوك عن إصلاح وتجديد المعابد القديمة ؛ ففي الأولى كان يجب أن نجد ذكرا لفكرة تجاوب المعبد مع أحداث الكون ، وفكرة اتصاله الوثيق بالمعابد السابقة ؛ وفي الثانية كنا نقتظر أن نعثر - على الأقل - على إشارة لفهمنا إلى العهد الكوني الجديد الذي استلزم تغير أبنية قديمة وإصلاحها ، إن لم يكن هدمها . .
بيد أن المدونات الكثيرة التي تتحدث عن الموضوع لا تذهب إلى مثل هذا ، بل هي قبل ذلك تدل على عقلية معينة بأمور تختلف كل الاختلاف عما ينسبونه إليها . .
تقاليد البناء
إن التقاليد والطقوس الخاصة ببناء المعايد قد وضحتها لنا كل التوضيح الرسوم العديدة علي جدران الآثار والمدونات التي تشرح هذه الرسوم . والقاريء يستطيع أن يجد تفصيلها الوافي في كتاب " موريه الرائع " الخصائص الدينية الملكية الفرعونية ) ١ ( ، الذي ظهر سنة ١٩٥٢ ولكنه مازال يحتفظ بقيمته العظيمة . والفصل الرابع منه ( ص ١١٥-١٤٥ ) عنوانه : " الملك مؤسس المعابد ؟ .
ونحن نقرأ في الصفحة ١٣١ منه كيف كان معبد إدفو ، في القرن الثالث قبل الميلاد ، يفتخر بأنه يحقق في دقة متناهية تعاليم كتاب للحكيم امحتب الذي عاش قبل ذلك بستة وعشرين قرنا ؛ وكيف كان معبد دندرة ، الذي بدأ تشييده في أواخر عهد البطالمة ، يتيه عجبا بنفسه لأنه بني حسب تصميم قديم يرجع إلى عهد الأهرامات . ومثل هذه النصوص تنفي بالضرورة فكرة العناية بتصميم المعبد حسب التطورات الكونية . وفي صفحة ١٣٢ نجد قصيدة صغيرة تلخص طقوس التشييد ) ١ (
" لقد تناولت الوتد ، وأخذت المطرقة . " وأمسكت خيط البناء ، بمعاونة الإلهة سفخيت . " وتتبعت بنظري مجري النجوم . " وأدرت بصري نحو الدب الأكبر . " وحسبت الساعة وأحصيت الوقت بالساعة المائية " ثم عينت الجوانب الأربعة لمعبدي .
ويتضح من هذه الآبيات أن معاينة الكواكب والنجوم لم يكن لها من علة سوى تعيين الوقت والساعة المحدوة . وأخيرا ، نجد في صفحة ١٣٣ أن وصف تأسيس معبد سيتي الأول بأبيدوس ينتهي بالجملة التالية : " وعمل سليكيت بيده في هذه الأبنية التي شيدت للخلود ،
وإن هذا الخلود المفروض لأبنية المعبد ليتنافي تماما مع النظرية القائلة بالتجديد المستمر الضروري للمعبد في المستقبل .
فتعاليم طقوس البناء ليس فيها مكان لفكرة أخذ بعض المواد من المعابد القديمة لوضعها في المعابد الجديدة كي تستمر الأولى في الحياة حياة رمزية خلال الأبنية التي تقوم مقامها ، وكل المواد التذكارية التي أوجدتها الحفائر في أحجار الأساس للمعابد ، كقوالب الطين النيىء وسبائك الذهب وقطع الأحجار الكريمة ، والتي تنص عليها التعاليم صراحة ( ص ١٣٥ ) . . هذه المواد كانت في الواقع جديدة كل الجدة ، استعملت في البناء للمرة الأولى . ونعود فقول إن التعاليم الخاصة بطقوس البناء لا تذكر أبدا عملية استخدام المواد القديمة في المعابد الجديدة ، تلك العملية التي يعلق عليها الرمزيون أكبر الأهمية ويستخلصون منها أخطر النتائج
فنحن إذا أمام فرضين لا ثالث لهما : الأول أن يكون استخدام المواد القديمة ناتجا عن المصادفة المحضة والاتفاق العرضي ، فيكون المذهب المبني عليها مذهبا بعيدا عن الواقع ، والثاني أن يكون دليلا على خرافات يؤمن بها عمال البناء من أفراد الشعب ، ولا علاقة لها بالعقائد والعلوم التي كان يؤمن بها رجال الدين .
إصلاح بناء المعبد :
وهناك فرصة أخرى كان القدماء يستطيعون انتهازها للتعبير عن نظرية المعبد الحي : تلك هي المدونات التي فيها يفخر الملوك جملهم على إصلاح المعابد السابقة . وسوف تجدون إحصاء بكل تلك المدونات وترجمة لها في الأجزاء الخمسة من كتاب بريستد " سجلات مصر القديمة " ) ١ ( . وهو كتاب واف بموضوعه وإن كان صدر منذ حوالي نصف قرن . وسوف ترون منه أن الأسباب التي كان يتذرع بها الملوك في تجديدهم وإصلاحهم لعمائر اسلافهم تقتصر على كون هذه العمائر قد أصابها التلف أو أصبحت غير لائقة لصغرها وفقرها . والهدف الوحيد الذي أعلنه هؤلاء الملوك البناة هو إنشاء عمائر جديرة بمقام الآلهة تكون أجمل من سابقاتها وأبقي في سجل الخلود .
ولنتأمل مثلا ، خلال الجزء الثاني من كتاب بريستد ، كل المدونات الخاصة بالملك تونموزيس الثالث والتي لها صلة بموضوعنا .
فتقرأ في ص ٦٦ ، رقم ١٥٧ ، الكرنك : " ولقد وجدت ، أنا صاحب الجلالة ، هذا المعبد مبنيا من الطوب ، وقد تهدم الكثير من أجزائه . وهو من عمل أسلافنا . فأتممت ، أنا صاحب الجلالة ، ويدى عملية شد حبل البناء ( لإصلاح المعبد )
وفي ص ٢٣٩ ، رقم ٦٠١ ، الكرنك : " وأما ما وجد مهدما ، فقد قامت جلالتنا بإصلاحه ٤ . وفي ص ٢٤٤ ، رقم ٦١١ ، معبد فتاح بالكرنك : " لقد اقام هذا الهيكل من أجل أبيه فتاح . . لقد أقام من
أجله معبد فتاح من جديد ، صنعه من الحجر الابيض الجميل . وجعل له أبوابا من خشب الارز الشامي الجديد
" إن هذا البناء أجمل مما كان محله قديما ، لأن جلالته وجد المعبد القديم مصنوعا من الطوب . . صنعه الأجداد . وفي ص ٢٤٥ ، رقم ٦١٤ ، معبد فتاح بالكرنك :
" ولقد وجدت جلالتنا أن هذا المعبد المصنوع من الطوب بأعمدته وأبوابه الخشبية بدأ يتهدم ، فأمرت جلالتنا بإعادة مد خيط البناء من جديد في هذا المعبد ، فأقيم بالأحجار البيضاء الجميلة ، وجعل له سور من الطوب ، وكان العمل فيه بحيث يستطيع مقاومة الفناء ويبقى للخلود . . لم ينشأ من أجل فتاح معبد مثل هذا قبل عهد جلالتنا
وفي ص ١٢٤ ، رقم ٣٠٠ ، كوزي ( cusae ) : " أما معبد سيدة كوزي الذي بدأ يتهدم ، وتحل الأتربة والرمال في ساحته ، وأصبح بحيث يلعب الصبيان فوق أبنيته . . فقد زينته أنا وصنعت له الزخارف عندما أعيد بناؤه " .
ولعلكم تدركون الآن كيف أن الدراسة المباشرة لآراء المصريين القدامي - فهم قد أعلنوا صراحة أهدافهم ولهم بالتالي حق الفصل في المناقشة - أقول : لعلكم تدركون أن هذه الدراسة تجعلنا نميل إلى عدم الاهتمام بتلك النظريات الوهمية التي يدعها الرمزيون وياتون لها بالحجج المفتعلة . . وهذا هو الرأي الصحيح على أقل تقدير فيما عرض علينا حتى الآن من شروح وتفسيرات .
إن كل حضارة ما هي إلا وحدة كاملة لا تتجزأ ، ومحاولة إحياء عقلية شعب من الشعوب عن طريق براهين باطنية نستخلصها من منشأته دون النظر في النصوص التي عبر بها عن آرائه ومعتقدات . تلك المحاولة تعتبر خطأ جسيما ومنهجا غير سليم للبحث ، إنها لا يمكن أن تؤدي إلا إلى أغاليط وأوهام سقيمة
