الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669الرجوع إلى "الثقافة"

ثورة فى دراسة التراث المصرى القديم

Share

- ١ -

لم تحظ دراسة التراث المصري القديم إلا بقسط ضئيل جدًا من عناية الباحثين عندنا ؛ حتى تركنا للغربيين من مختلف الأجناس هم تعقب آثارنا من عهد الفراعين والتوفر لشرحها وتحقيقها في شئ غير قليل من المشقة والجهد .

وأمامي الآن مجلتان من خير المجلات الأوربية : الأولى فرنسية اسمها " الميركور الفرنسي وبها مقال للكاتب الناقد " أندريه روسو عنوانه ( الصراع بين أنصار التجديد والمحافظين في دراسة التراث المصري القديم ) ، وهو مقال مطول دقيق في حوالى ٢٠ صفحة من القطع الكبير . . والثانية مجلة انجليزية باسمها " ذي كورنهيل " ، وبها بحث للكاتب " والتر سمارت في عشر صفحات ، عنوانه ( نحو تجديد في الدراسات المصرية القديمة ) .

وسوف أحاول أن أنقل ، في شئ من التلخيص للقراء صورة من هذين البحثين القيمين على صفحات " الثقافة " ، على أن يكون في ذلك لفت للأنظار إلى بعض الجوانب الفنية والأدبية من تاريخنا القديم تستحق العناية والتأمل . .

المقال الأول لأندريه روسو

لقد شهد زوار الأقصر والكرنك خلال السنوات القليلة الماضية اكتشافات عجيبة بفضلها أصبحت آثار مصر القديمة تبين عالمًا من المعارف الجديدة . وإذا كتب لهذه الاكتشافصات الثبات النهائي فسوف يكون من شأنها أن تتخذ لها مكانًا في صف الاكتشافات الخطيرة التى جددت تاريخ الحضارات . وفي إمكاننا أن نقول إن المعابد والتماثيل والرسومات والنقوش التي كنا نشهدها في مصر قبل الاكتشافات الجديدة

كان الفضل في إظهارها للعلم الحديث ، أما حقيقتها فلم يكن أحد قد توصل إلى فهمها فهمًا صحيحًا . ولم تكن قراءة الكتابات الهيروغليفية سوى حل سطحي لرموز لغة غريبة . أما عالم الأفكار والعقائد التى تدل عليها هذه الرموز القريبة ، فقد كان بعيدًا عنا في حقيقته العميقة كل البعد . ويزيد الأمر صعوبة إذا علمنا أنه يجب علينا التأمل في عقليات تختلف تمام الاختلاف عن عقلياتنا ، والتسليم بأن الشواهد والآثار التي خلفها المصريون القدامى تتحدث إلينا بلغة غير تلك التى طبعتنا عليها عاداتنا الفكرية ومناهج بحثنا .

لهذا ، على الأرجح ، رفض عدد كبير من علماء الآثار - وعلى الأخص أسنهم و أكثرهم درجات - تقرير قيمة هذه الاكتشافات ، واتباع أصحابها في الطريق الذي رسموه للوصول بالدراسات المصرية القديمة إلى مرحلة جديدة خصبة . وبينما يزداد عدد المفكرين - على اختلاف ثقافاتهم . المؤمنين بأهمية هذه التجديدات وبأثرها المنتظر في توجيه الفكر ، نرى هؤلاء العلماء المحافظين يترفعون عن أن يعتبروا مثل هذا المجال البكر للبحث شيئًا تصح فيه الدراسة العلمية : إنهم لا يرون في مصر القديمة شيئًا يفهم غير الذي فهموه . ويعتقدون أن " الإجيبتولوجيا " ( ١ ) يكفيها أن تستمر في سيرها البطئ خلال الطرق المرسومة من قديم ، وأن هذه الاكتشافات الجديدة المزعومة ليست إلا من قبيل المغالطة والوهم . . والإجيبتولوجيا الصحيحة أرفع من أن تعير أهمية لمثل هذه السفسطات .

ذلك هو النزاع بين علماء الآثار المصرية القديمة . ولننظر الآن في أهداف ذلك النزاع ، وفي أثره في مجال الفكر عامة .

المذهب الرمزي :

ونبدأ بحثنا بإثبات بعض المؤلفات التي تشرح هذه الاكتشافات ، وهي مؤلفات قليلة ، أهمها :

( ١ ) أربع رسائل للأستاذ ألكسندر فاريل ( ١ ) في موضوعات مختلفة مثل ميراث المعبد الفرعوني وأهرامات سنفرو .

( ٢ ) كتاب للأستاذ فوالير دى لوبيكز عنوانه ( المعبد في الإنسان ) (٢ ) .

( ٣ ) مؤلف في أسلوب قصصي للسيدة قرينة الأستاذ فوالير دى لوبيكز عنوانه " هير - باك ) ( ٣ ) .

وهذاء الإجيبتولوجيا " الرمزية " - وهذه هي الصفة التي يمكن إطلاقها على المذهب الجديد في دراسة الآثار المصرية - يقولون إن المعبد في الحضارة الفرعونية يحمل في تصميماته ونقوشه ومدوناته معاني منسجمة تتجاوب مع نظم الطبيعة . ولا نعني النظم التي يلمسها بحوامه ، بل تلك التى يعقلها بفكره . ونظام الطبيعة مسجل في حركة الأفلاك . لهذا يقول الرمزيون إن المعبد المصري صنع على هيئة السماء ؛ إذ هو يرتبط ارتباطا وثيقًا بدورات الأجرام السماوية وانقلاباتها . . إن المعبد المصري في تطور مستمر . .

ومعنى هذا أن الفرعون عندما يهدم معبدًا من المعابد لايهدمه ويبني غيره لسبب إنساني يسهل على المؤرخ فهمه : مثل الغرور أو حب السيطرة والظهور . . إن التفسير الرمزي لظاهرة الهدم والبناء مختلف عن هذا كل الاختلاف : فهو يزعم أنه عندما يأتي دور جديد من أدوار الزمن - يحدده علماء الملك - يتجرأ الملك الذي بيده الأمر على هدم معابد أجداده ليقيمها على صورة جديدة . . أحيانا يهدم هياكل فخمة عظيمة ، ولكنه في ذلك لا يأتي امرًا نكرًا ، لأنه يحتفظ بعناصرها الأولى في أساس الهياكل الجديدة . . كذلك يجب أن لاتتخذ المصادفة علة لوجود قطع من معبد قديم خلال أساسات معبد أجد . فكل قطعة من مثل هذه القطع لها مكانها للعلوم في تصميم المعبد : إنها تكون في أساسات البناء نوعًا من " المكتبات السرية " ينظمها الحكماء ( هذا التشبه أبدعه فكر الأستاذ

ألكسندر فاريل ) . . ثم هي خير شاهد على النظام الفلسفي الغريب الذي يتحكم في تطورات المعبد وتغيراته خلال الزمن . وليس هذا بالطبع سوى دليل واحد بين الأدلة التي يحتج بها الرمزيون . . وقد كان المحافظون يعتقدون . ومازالوا ، أن محو المدونات من جدران المعابد أو تجديدها وزيادتها يرجع إلى رغبة الفرعون في انتحال مكانة سلفه وإحلال اسمه محل أسماء أجداده لكى يفوز بأمجاد غيره . ويرد الرمزيون على ذلك بأن هذا الاعتقاد يرجع إلى طبيعة تفكيرنا نحن أهل العصر الحديث ، ولا صلة له بتقاليد وتفكير المصريين القدامى . . فعقلنا لايدرك العقائد التى كانت تدفع بالملك إلى التعبير عن تطورات الطبيعة بأسرها في المعابد التي يبنيها ثم يعيد بناءها بعد مدة ، قد تطول وقد تقصر . من الزمن ، وبالتالي فالمدونات المختلفة المتلاحقة لا تبين المنافسات بين الأسر المتعاقبة على العرش . ولكنها تعبر عن حركة الطبيعة وتنسجم كل الانسجام مع مختلف أطوارها .

والأستاذ ميساك في مجلة كريتيك يشرح هذه النظرية ، فيقول :

" المعبد المصري على سورة السماء . . أجل ، إنه تعبير صادق عن المعارف الفلكية لبناته ، وهو يسمح بترجمة الناموس الكوني إلى لغة الإنسان . . والإنسان في تلك الأزمان لم يكن مصابًا بالغرور الذي يدعوه إلى الاستقلال بما خلق ، وإنما كان يسره أن يرى أعماله داخلة في الانسجام الكلى للكون . . وكل شئ في المعبد المصري كامل موضوع لغاية ، وليس فيه مجال للمصادفة بتة . . وكان الحكماء الأولون يعلمون على التحقيق التاريخ المستقبل لعالم الأجرام والأفلاك ، وكيف يكون تطور العمائر حسب تطور الأحداث في السماء . .

وإذا كنا أحيانًا نعجب ونأسف للتعقيد والتناقض الظاهرين في غرفات المعابد وأعمدتها ومصلاتها ، فما أسفنا وعجبنا إلا لأننا لم نعد ندرك القانون الذي بمقتضاه نسق المعبد وصممت أجزاؤه .

الإجبتولوجيا والباطنية :

من الجلى أن هذه الأسرار ، التى كانت تميز العقيدة المصرية ، مرتبطة بمذهب باطني . والأستاذ لوبيكز وقرينته

يقرران أن دراستهما للباطنية كانت أساس بحثهما في الآثار المصرية . . ولا يخفى علينا أن هذا الاتجاه نحو الباطنية هو العامل الأول في نفور المؤرخين " العقليين " من الإجيبتولوجيا الرمزية .

والحق يقال أن الإيمان بالباطنية في دراسة الإجيبتولوجيا ، أي الإيمان بأن المبادئ التي كشف عنها البحث في الحضارة المصرية صالحة لأن تطبق على كل حضارة ، أقول إن هذا يجر على الإجيبتولوجيا الرمزية أوخم العواقب .

وقد فطن أنصار النظريات الجديدة إلى هذا الخطر : فقال الأستاذ ميساك : " ليس هنا مجال لمناقشة قيمة الباطنية أو صلاحيتها . . وعلينا أن نقول للأستاذ فاريل إن كثيرًا من العقول المتعطشة مثله للمعرفة تخشى الوقوع في متاهات التصوف ونظريات الاتحاد . . "

وقال الأستاذ دى جاندياك : ولسنا بطبيعة الحال بصدد البحث في القيمة الموضوعة لتك العقائد ذات الصيغة الباطنية ) .

ومن المفيد أن تقرر هذه الحقائق تقريرًا قويا . ولكن أليس لنا بعد ذلك أن نقول بأن للحضارة المصرية المبنية على أسس الباطنية الحق في الظهور والسيادة في تاريخ الحضارات مادامت ناتجة عن أدلة علميه قيمة ؟ . . ولماذا ننكر على العلم عامة وعلى الإجيبتولوجيا خاصة أن يوجد في مصر القديمة عالم من المعتقدات لم يدركه الفكر العصري إلى الآن ؟ . .

تاريخ النزاع :

وكان موقف العلماء المحافظين من النظريات الجديدة موقفًا غريبًا : لقد رفضوها في احتقار وترفع دون إبداء الأسباب والحجج المناقضة لها .

وكان دليلهم في هذا الاتجاه الخطير الأستاذ إتبين دريوتون ، مدير مصلحة الآثار المصرية ، في رده على مقال الأستاذ ميساك بمجلة كريتيك : فهو في هذا الرد يزعم أن أبحاث الأستاذ فاريل خارجة تمامًا عن نطاق علم الإجيبتولوجيا ، وأن النظرية الرمزية " نظرية غامضة لا يمكن إثباتها " . ووجد الناس في حديث المدير رفضًا للمناقشة يؤسف له في هذا النزاع العلمي . فالنظريات الخاطئة

لا يمكن هدمها بمجرد القول بأنها غير مقبولة ، بل يجب تبرير رأينا فيها بحجج واضحة معقولة . .

. . وكانت حجج أنصار القديم في عمومها تعتمد على غير اساس علمي صحيح ؛ فهم يدعون أن ليس للعلماء المجددين الخروج عن النظريات التى قررها الباحثون ذوو الصفات الرسمية ؛ وأن كل من حاول هدم الآراء المثبتة من قديم فهو رجل خيالي قد كفر بالعلم الصحيح ؛ وأن الاكتشافات الجديدة ثورة عقيمة يأسف لها كل عالم ؛ وأن " رأي الأغلبية " في هذا الموضوع هو الرأي الصحيح . . خلاصة القول أن الإجيبتولوجيا القديمة تصادر مصادرة تامة ما يدعوه علماؤها بالآراء الخيالية والنظريات غير العلمية . .

وقد تدخل الأستاذ دي جاندياك في النزاع وطالب العلماء بالبحث العلمي الصحيح ، فقال : " أمل أن يستعمل المتنازعون أساليب عقلية علمية في المناقشة ، وأن لا يعمدوا إلى الآراء النصفية ، كي يستنير عامة القراء ويفهموا حقيقة الموضوع . . وإذا فرضنا أن النظرية الرمزية نظرية خاطئة ، فإننا نحب أن تعلن البراهين المؤدية إلى خطئها على الملأ بطريقة سهلة ميسرة . . " .

وقدر للأراء الرمزية أن تنتشر وتستقر في الأذهان ، لأن أعداءها لم يقابلوها بالعناية والتمحيص اللازمين . .

وقد بدأ الدكتور دريوتون ، بعد لأى ، يناقش هذه الآراء ، فقال : " هذه الآراء ليست مطلقا بآراء المصريين القدامى لأنها لا تتفق مع عقليتهم التى ثبتها النصوص " ولقد شاقني أن أعرف مضمون هذه النصوص التى يشير إليها الأستاذ دربوتون في حديثه . . ورأيت أنه ما دامت تحت يده نصوص يقابل بها ملاحظات الأستاذ فاريل ، ففي الميدان متسع للمناقشة ، وصممت على أن أطالب حضرة مدير مصلحة الآثار المصرية بتوضيح حججه والتعمق فيها . .

. . وقد أجاب الأستاذ دربوتون طلبي وبعث إلي خطاب واف أنشره هنا بأكمله ، شاكرًا للأستاذ فضله . .

ملاحظة:  في المقال التاي ننشر خطاب مدير مصلحة الاثار ، ورد العلماء الرمزيين عليه .

اشترك في نشرتنا البريدية