الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 671الرجوع إلى "الثقافة"

ثورة في دراسة التراث المصرى القديم

Share

-٣-

رد الأستاذ قاريل :

اليوم وقد أوشك عهد عقائد الجبرية على الانتهاء ، تعاد جميع المشاكل إلى مائدة البحث ، سواء في ميادين دراسة الحضارات الشرقية القديمة ، أو التنقيب في العلوم الكيميائية ، الطبيعية أو البيولوجية ، فخير لنا إذا أن تقابل في تؤدة بين النظريات المختلفة فيما يختص بمصر القديمة ، ويسرني أن أبين رأيي الشخصي في الموضوع، بيد أن خطورة المسألة تضطرني إلي تحديد موقفي في دقة تامة ؛ وأنا أرفض قبل كل شئ تصور فكرة المعبد المصري كما يريد تقريرها الأستاذ دريوتون .

فالهيا كل الكبيرة المتلاحقة على ضفاف النيل لم يبنها الفراعين بطريقة تعسفية وبمحض اختيارهم ، بل هي قد أنشأت حسب خطة عامة شاملة ترجع إلي أوائل عهود الأسرات بمصر . فالملوك المصريون لم يتكلفوا مشتقات الإنشاء والعمارة في سبيل إشباع ذوق جمالي خاص أو إطفاء نزعة غرور طارئة . . ولم يتمادوا في التعدي على تراث أسلافهم وفي نحو مخلفات العهود الماضية بمجرد لذة شخصية أو منافسة مؤقتة . ولكنهم ، على النقيض من ذلك ، حاولوا التمسك بأهداب سنية عرفت منذ أول عهود حضارتهم . تلك الحضارة التى بدت ناضجة مكتملة العناصر منذ بدئها . ولقد أعلن الأستاذ دريوتون رأيه الصريح في هذه المسائل المختلفة . وسوف أشرح ، معتمدا على المراجع التي لجأ إليها الأستاذ ، أن استنتاجاته وتقريراته تحتاج إلى مراجعة شاملة . . .

الفرعون والصفات الإلهية الكونية (١) :

أريد قبل الدخول في صميم الموضوع أن ألخص الاستنتاجات التى عرضناها في كتاباتنا السابقة حول العقائد المصرية الخاصة بالله وبالصفات الإلهية الكونية وبالملك . وإن تجارب عشرين عاما خلال مناطق الحفائر قد أظهرت

لنا أن المعبد الفرعوني مصمم باعتبار أنه " هيكل حي " ، وأنه تعريف مادي المبدأ الطبيعي " نيتير " الذي يحتوي عليه وينبغي له إظهاره . والنيتير يحمل الصفات الإلهية الكونية التي يمثلها الملك . ففرعون في مدوناته (Cartouches) ونظمه  (protocole) خلاصة النيتير في  عصر من العصور ؛ وتاريخ الأسرات جميعه ما هو إلا نقل رمزي بارع لهذه الفكرة الملكية خلال الزمن ، والمعبد إن هو إلا تجسيم للمبادئ المجردة التي تؤثر على تاريخ الأسرات وإذا كانت قوي النيتير المركزة في معبد تتفاعل وتنطلق في دورات معينة ، فإن الأزمنة الخاصة القابلة لهذه التطورات تستوجب تغييرات هامة في مبنى الهيكل.

ويجدر بنا في مثل هذه المناقشة أن نقدم حججا ، وأن لا تقتصر على إبداء الآراء ، لذلك فسوف نعمد إلى تطبيق ما سبق على الأمثلة التي اخذها الأستاذ دريوتون من معبدي إدفو ودندرة ، والأول مخصص لعقيدة حوريس الشمسية ، والثاني لعقيدة حتحور القمرية.

كان معبد إدفو في القرن الثالث قبل البلاد يفتخر بأنه قد حقق في تصميمه تحقيقا دقيقا نظريات ، " كتاب الخطط المسيرة لمعبد النيتير (١) . ألفه الرئيس الديني إمحتب ، ابن يتاح الـكبير " ، الذي كان يعيش في عهد زوس ( الأسرة الثالثة ، حوالى سنة ٢٧٧٠ قبل البلاد ) . . وقد اكتشف العلامة " برسانتي Barsanti " في عام ١٩٠٦ ، عند الناحية الشرقية لفناء معبد إدفو ، أول آثار عرفت لمعبد يسبق في تاريخه عهد البطالسة ، وبه مدونات لملوك يحملون اسم رمسيس ، وهم مثال الفراعين المؤمنين بالعقائد الشمسية

والهندسون الذين أعاروا بناء معبد دندرة في أواخر عهد البطالسة يذكرون " خطة توتموزيس الثالث الكبرى

للتجديد والإصلاح ( ١٥٠٤-١٤٥٠). تلك الخطة التي تعتمد على كتابات قديمة ترجع إلى عهد خوفو  ( حوالي  ٢٦٩٠ ) ، ولا نستطيع الشك في أن توتموزيس كان يمثل العقيدة القمرية ، لأن اسمه يعني " ابن نوت " أي نيتير القمر ومقدر الأزمنة القمرية.

ففي كلا الحالين إذا نجد الهياكل قد جددت حسب خطة سابقة وضعها الأسلاف في عهود فراعين يمثلون اكمل تمثيل مجموعات النيتير الخاصة بكل زمن من الأرمان ، في المجالات المحددة للشمس أو للقمر .

حول " الدب الأكبر" :

إن أهمية اختبار " الزمن الـكوني " المناسب لإقامة مبنى المعبد تتضح لنا جلية في المراسيم الخاصة ببناء معبد دندرة الذي ذكره الأستاذ دريوتون ، وذلك على شريطة أن لا نلتجيء إلي ترجمة موريه (Morei) القديمة ، بل ترجع مباشرة إلي المدونة الأصلية . والنفوش تظهر لنا كلا من الملك والإلهة سيشات (Sechat) يغرس في الأرض وتدا ، وبين الوتدين خيط للبناء ممدود بحيث يكون على شكل دائرة وهذا الخيط قد لف بحيث يسمح ينقل أحد الوتدين بالنسبة للاخر المثبت في الأرض ، مع مراعاة أن تبقى المسافة بينهما عند القياس واحدة . وعنوان المنظر هو : " مد حبل البناء في العبد بين الوتدين " . والعبارات التي تجري على لسان الملك أثناء الحركة التقليدية هي : " قل : إنني أمسك بالوتد وأقبض ( لكي أغرسه ) بذراع المطرقة . وآخذ بطرف خبط البناء مع الإلهة سيشات ، والتفت بوجهي نحو مدارات النجوم ، وأرمي ببصري نحو برج فخذ الثور ( وهو الدب ) . والإله سخ آهاو ( أي توت ) يقف بجانب الساعة ميرخيت (Merkhet) . وأعين الجوانب الأربعة لمعبدك (معبد حوريس) . " فالملك مختار إذا لتعيين الأركان الأربعة من العبد زمنا خاصا يعرفه بمراقبة اتجاه نجوم الدب التي تعتبر عقربا كبيرا لساعة إلهية " تحدد التاريخ بواسطة الساعة " فالفرعون في الواقع يبحث عن " الزمن الفلكي " بالنسبة للزمن الأرض الذي تفيسه الآلة المذكورة ميرخيت ، فالمسألة ليست إذا مسألة تصميم هندسس يحدد بالنظر إلي الدب الأكبر ، كما يزعم الأستاذ

دريوتون في بعض مقالاته ، ولكنها مسألة قياس دقيق لزمن فلــكي معين ، وهذه النظرية لا غبار عليها ، بل لا جدال فيها من ناحية علم الفلك.

خلط في الترجمة:

ولنأخذ الآن في دراسة النصوص التي فيها يفتخر بعض الفراعين بأصلاحهم وتجديدهم لمعابد قديمة . والأستاذ دريوتون بذكر لنا خمسة من هذه النصوص ترجع إلى عهد توتموزيس الثالث معتمدا في ذلك على كتاب بريستيد الذي مر عليه منذ ألف قرابة نصف قرن من الزمان . وأنا ادعو الأستاذ دريوتون إلي الرجوع إلي ترجمات أحدث لهذه النصوص كي يري مدي الخطأ الذي يوقعنا فيه استعمال الترجمات القديمة المعتمدة علي نقل غير صادق للنقوش والمدونات ، وقد نشر العالم الألماني برشاردت Borchardt إحدى الجمل المذكورة ، من بعد بريستد ، فرأينا أنها لا صلة لها بتاتا بالموضوع الذي نناقشه ، أما الأمثلة الأخرى فهي مليئة بأغلاط الترجمة . وإذا نحن رجعنا إلى الوثائق الأصيلة فسوف نجد أن الكتابات التي ذكرها الأستاذ دريوتون ليست في الواقع إلا عبارات قليلة جزت بطريقة تعسفية من نصوص مطولة ومهمة ، ولا يمكن أن تقرأ على حدة . ودراسة هذه النصوص المطولة لا يمكن نشرها في هذا المجال الضيق ، ولكننا على استعداد تام لمناقشتها مع الأستاذ دريوتون في نشرات علمية ، إذا رأي في ذلك فائدة ترجى . وسوف أقصر اهتمامي في هذا المقال على بقية تلك المدونات ، كما سوف استخرج منها الخطوط الرئيسية والنقاط الهامة في مجال البحث .

وهي تبتديء قبل كل شئ ، مجموعة من كلمات المديح تبين جانبا خاصا من شخصية الفرعون صاحب العمارة ، إذ تصل بينه وبين مبادئ النيتير التي يصل من أجلها . وهذه المدونات تصف بعد ذلك معبد النيتير القديم في إبان زواله . ثم تعمد إلى سرد خصائص المعبد الجديد . . . وتعين المواد التي سوف يبني منها ؛ مثل الحجر الرملي  (رمزا العنصر الأرضي)  الذي يحل  محل الطوب (المتخذ من طمي النيل ... أي العنصر المائي ). ويطلق على هذا الحجر الرملي اسم الحجر

الأبيض (روجيت، Roudjet)  ، وأحد مقاطع هذه الكلمة يدل على معني النمو النباتي واخيرا تنتهي المدونات بتقرير أن الهيئة الجديدة للعمارة المقامة لم يكن لها مثيل من قبل .

ومن الواضح إذا ان هذه النصوص تدل على الاتصال والتجاوب بين تصميمات الملك وخططه وبين المراحل المعينة لدورات الأفلاك التي تنطوي علي أسرار مستقبل الملوك والأسرات ، وبالتالي فنصوص المقولات الخاصة ببناء المعابد لا تدل على معان رمزية فحسب ، وإنما هدفها الأول أن تحفظ في قالب رمزي علما رفيعا .

فبناء معبد النبتير هو في الحقيقة تجسيم لفكرته - بكل معانيها - في حدود المواد البنائية الخاصة والمقاييس الملائمة والشكول والنصوص المعينة . وإن تلك الفكرة المجسمة في هذه الصورة ، قد سجلت بذلك للأبد في جوهر الكون .

... وصفة الخلود التي تفرض للهياكل المقامة لا تتنافي أبدا مع فكرة التجديد الضرورى لهذه الهياكل نفسها في المستقبل ، كما يزعم الأستاذ دريونون ، فالعمل الذي ثم في مرحلة فلكية معينة سوف يبقى ويسجل في كل تجديد يطرأ وكل عمارة تقام...

شهادة النيل :

وهناك ظاهرة طبيعية كان البناءون في عهد الفراعين يستطيعون بواسطتها تعيين عمر الهياكل التي يقيمونها : تلك الظاهرة هي ارتفاع مستوي مياه النيل . وفي أغلب الحالات كان ارتفاع المياه إلي مستوي أساسات المعبد هو السبب المباشر لتجديده . وعمن نعلم أن مياه النيل تحمل في كل سنة طبقة معلومة من الطمي ترسبها في الوادي والمجري فيزداد ارتفاع المياه تدريجيا . وهذا الازدياد المطرد في الارتفاع كان يمكن حسابه بسهولة . وإنا لنعلم جيدا مقدار الأهمية التي كان المصريون يعلقونها بالمقايسس اليابسة التي تكثر في المعابد . فلا عجب في أن ينتفعوا بها لمثل هذه الأغراض . وتخيرنا النصوص الخاصة بتقاليد البناء أن العادة جرت على حفر الأرض في المكان المزمع إقامة المعبد عليه حتى مستوى الماء . وأظهرت الحفائر الحديثة التي قام بها الأستاذ روييشون Robichon بالكرنك أن أساسات البناء كانت تقام على هذا

المستوى المذكور . . وبواسطة بعض العمليات الهندسية في هذه الأساسات كان الباني يستطيع أن يحسب بدقة المدة التي يبقي فيها المعبد بعيدا عن المياه ، فيجعل تاريخ انغمار البناء بالمياه موافقا لتاريخ الانقلاب الفلكي الذي يعينه علماء الملك . وهكذا يأخذ النيل على عاتقة مهمة تنبيه الناس .. (إذا كان فهم من ينسى ) إلي أوامر السماء...

ملاحظات أثرية:

ولننظر الآن في النتائج التي أدت إليها اختبارات علم الآثار : إذا ما تأملنا في بناء معبد " مجدد " وجدنا فيه عناصر قديمة من معابد سابقة "أعيد استعمالها" حسب مبادئ تتكرر في كل الحالات ، ولا سبيل إذا الي إنكار أهميتها . فهناك قطع من الحجر المزخرف في نقوشها ذكر مبدأ النيتير للمعبد . نقلت من البناء القديم ووضعت في زوايا خاصة من البناء الجديد ، بينما وضعت قطع أخري منها عند تقاطع الجدران . وإذا كان الحجر القديم قد استعمل بحيث يبدو الموضوع المنقوش على وجوهه مقاربا فمعنى ذلك أنه يراد به الرمز إلي الجذور المغذية للمعبد الجديد . وقد استعمل المصريون بعض أجزاء الأبواب القديمة في عتبات الأبواب الجديدة كما وضعوا قطعا من الأعمدة السابقة كبذور رمزية في أساسات البواكي " اللاحقة . وتستطيع أن لقول في تعبير عام : إن اللواد البنائية المتخذة من الأجزاء العليا للمعابد القديمة كانت توضع في المباني السفلى للمعابد الجديدة . والمغزى الرمزي الذي تأخذه من هذا المبدأ هو أن بذرة النبات الذي انقضي أجله قد غرست في الأرض لتفتح نباتا بكرا وقد تصنع في جوف البنيان الجديد مجموعات صغيرة من الأحجار القديمة المتقوشة . ولا غرض من هذه الأحجار سوي مجرد " وجودها " في هيكل البناء . وهذه الرغبة المستمرة في إخفاء بعض اللوحات والنفوي تحت أطنان متراكمة من المواد البنائية تدل دلالة قاطعة على فكرة تصميم المعبد في الأذهان . الفكرة المشبعه بالسحر والباطنية . وليست هي بالفكرة القيمة ، كما يزعم الأستاذ دريوتون ، إذا قورنت بفكرة إخفاء الأشياء التذكارية والتمائم في جدران للمقابر ( وذلك يحدث في كثير جدا من الأحيان ) . والمهم في كلتا الحالتين هو عملية وضع الحجر المنقوش أو التميمة

السحرية في صميم البناء ، وليس كيفية انتفاع الأجيال بهذه الأشياء . ويتحتم علينا هنا أن نتخلص كلية من تصورنا المصري لفنون البناء فتتبع الوقائع وتنظر فما تكشف عنه الحفريات تم تخلص بعد هذا إلي خصائص العقلية المدبرة لكل ذلك مهما كانت تلك العقلية مغابرة لعقليتنا عن أبناء القرن العشرين . ولا نستطيع أن ننكر أن الكتابات المصرية القديمة تذكر دائما العمل السحري على أنه العمل الذي ينبغي في الزمن الذي ينبغي ؛ وإزاء هذا ، وفي ضوء الملاحظات  الأثرية العلمية . تظهر لنا هندسة البناء المصرية في جوهرها كأنها ضرب من " التسجيل " أو كأنها " كتابة " من نوع خاص ...

حفريات الأستاذ روبيشون Robichon: وخير مثل أسوقه لتطبيق العلوم السابقة هو ما توصل إليه الأستاذ كليمنت روبيشون من نتائج باهرة خلال دراسته لمعبد مونتو Montou بالكرنك ، والبناء الظاهر الآن من هذا المعبد ليس في الواقع إلا تحديدا لأبنية معابد سابقة ، وهو من انشاء أمينوفيس الثالث ( ١٤٠٥-١٣٧٠ ) ، الذي وسعه في مرتين متتاليتين . ثم جاء الملك الأثيوبي طهرقة Taharka ( ( ٦٦٤-٦٩٠ فأضاف إليه مجموعة من الأعمدة ، ظلت قائمة زهاء خمسة قرون ، فعمد أولو الأمر في عصر البطالسة إلى " طيها " وادخالها في أساسات مجموعة جديدة من الأعمدة .

وفي سنة ١٩٤٣ كنت قد عثرت على مدونة غريبة لهذا المعبد ترجع إلي عهد أمينوفيس الثالث . وقد نشرتها في إحدي الرسائل ( ١ ) . وهذه المدونة تذكر اسم الهيكل وخصائصه . وتصف فخامته ، وبلاطه المغطي بالفضة ، وأبواب المكسوة بالذهب ، ومسلاته العظيمة ، ثم تتحدث أخيرا عن ذبح الألاف من الثيران قربانا لإله المعبد .

وفي سنة ١٩٤٩ عمد الأستاذ روبيتشون بطريقة علمية ناجحة إلى دراسة الأساسات التى أنشأها البطالسة لهذا المعبد عندما جددوه لآخر مرة ، فاكتشف في صميم هذه

الأساسات مجموعة أحجار من عهد الملك طهرقة " أعيد استعمالها " ، وشكلت بحيث تكون لوحة معينة تصور حقل التضحية بالثور ( ١ ) . وفوق هذه اللوحة مباشرة وجد حجر آخر " أعيد استعماله " هو أيضا ، ونقشت عليه صورة التضحية تماما كما في اللوحة المذكورة ، وعمل هذا الحجر النقوش آثارا حمراء تدل على انسكاب الدم فوقه . وهذا يعني أن الثور قد ذبح قربانا للإله مونتو في عهد البطالسة عند التجديد الأخير على حجر من أحجار المعبد القديم تمثل نقوشه طقوس القربان .

ثم قضت التعاليم المقدسة بترك هذا الحجر فوق اللوحة التذكارية ليكون الاثنان شاهدين يدلان على إتمام الواجب المفروض ، وهكذا - بعد مضي ثلاثة عشرة قرنا على عهد أمينوفيس الثالث - ظلت الأعمال السحرية التي يحتمها النيتير المحلي ، تقام وتسجل بمختلف الطرق في صميم بناء المعبد الذي أنشئ لهذا النيتير .

المغزى المستفاد من المعبد:

كل معبد يعرض في زخارفه ونقوشه مجموعة مختارة من المناظر ، وكل المغزى الباطني لمعبد كائن وراء الاختيار الخاص لهذه المناظر ، فـكل منظر من المناظر المصورة على الجدران يجب اعتباره رمزا معينا وتتابع هذه المناظر بسمح بالتعبيـ عن فكرة فلسفية بعيدة .

وقد جعل المعبد ليكون مقرا للنيتير ، والنيتير ليس سوى صورة للمعنى " الكلي" المنفرد : فالمغزي العام الذي يستفاد من المعبد هو أنه سفر حامل لتاريخ تكوين العالم؛ وهي أن يسجل كل فصل من فصول هذا السفر تسجيلا معياريا دقيقا بواسطة التجديدات أو الإصلاحات المتتالية في بناء المعبد.

وإن الطقوس التقليدية التي يقيمها الفرعون عند إنشاء معبد باسمه قد تختلف في التفاصيل حسب العصور المتتابعة . ولكنها في جوهرها لا تخرج عن أركان ثلاثة : (١) صناعة قالب من طمي الأرض ، يشبه في صورته جسم الإنسان .

واتخاذه تذكارا رئيسيا بين المخلفات التي تترك في أساس البناء - (٢) إنشاء المعبد من مواد بنائية جديدة تتخللها موادة "أعيد استعمالها" بحيث تدل على "أصول" البناء الجديد-  (٣) "إهداء العمارة إلى ربها" أي تلاوة عزائم سحرية لدعوة النيتير إلى الدخول في صميم معبده كي "يحييه". . .

خفايا الأشياء:

إن عقلية القدماء الفلكية تمتاز بأنها تربط ربطا مستمرا بين مظاهر وصور ذات صلات تقليدية معلومة . وكان الناس في عهد الفراعنــــــة يرون في الــــكون سلسلة من الرموز تتجاوب بعضها مع البعض الآخر . . .

وعندما يقدر الرجل الغربي أن يغشى المعبد "الحي" الذي أنشأ ، الفكر الفرعوني ، سوف يحار لاشك قليلا أمام التعقيدات التي يعرضها هذا القصر الأرض للنيتير . . ولكن حيرته مصيرها إلى زوال . . أما العالم الممتد بمنطقه ومنهجه العلمي والذي ينكر ما كان باستير Pasteur يسميه "خفايا الأشياء " فسوف تظل حقائق المعبد مغلقة أمامه أبدا . .

ولم أكن أسمح لنفسي بأن أقف أمام مدير مصلحة الآثار الذي أكن له كل الاحترام مثل هذا الموقف المضاد لو أن الأمر اقتصر على خلاف مدرسي بسيط في بعض التفاصيل ، مما لا ينذر قيامه في المجال العلمي بين جيلين من الباحثين ، ومما يتكفل الزمن بإصلاح المعوج فيه . ولكن الشكلة التى نحن بصددها ليست أمرا بسيطا . وإنما هي ذات أهمية كبرى وينبغي لها علاج سريع ناجح ، فلا أقل من أن يثار الجدل حولها في مناقشة عامة شاملة ؛ ذلك لأن حل المشكلة لتوقف عليه مناهج البحث والحفر في المعابد ثم طرق المحافظة عليها .

وعلى علماء الإجيبيتولوجيا اليوم أن ينتزعوا من فكرهم سائر النظريات القديمة في جميع مبادين البحث ؛ لا للتنقيص من قيمة جهود سابقيهم المشكورة ، ولكن للتأمل في المسائل المختلف عليها دون هدف سوى الوصول إلى الجواهر الدقيقة . وعليهم أن يتجرأوا فيتخلصوا من كل تحفظ جبان وعلم تقليدي أجوف . وأن يتحرروا من سائر الأفكار

الاصطلاحية العتيقة . . وبذلك فقط يكون في إمكانهم أن يقدروا حق قدرها قيمة المعارف والعلوم التي توصل إليها المصريون القدامى ، وسجلوها بطرق متعددة سرية في معابدهم . . وذلك فقط يستطيعون أن يبحثوا  بحثا علميا صحيحا في التراث المصري القديم ، وأن يعملوا على نشره وحمايته (الأقصر في ٢٠ من إبريل سنة١ "١٩) الكسندر فاريل  

اشترك في نشرتنا البريدية