اليوم مات ابي . مات دون ان اراه . لقد قتلوه بعيدا عنى . . عن اهلى . كنت اود ان ارى صفرة الموت وهى تلون محياه وان كانت رؤية الاموات تخيفني وتجعل الدماء تفر من عروقى .
عندما بلغني نعيه كنت جالسا امام الدار اخيط ثوب اخى الصغير واعرض جسمي لشمس الربيع الدفئة . كنت انتظر عودته من السوق . وأنى لى ان احزر انه ذهب ولن يعود ، وان طلعته المشرقة قد توارت . . قد احتجبت عنا الى الابد ؟
لم ادرف دمعة عليه . فقد استولى على جمود بارد . تقمصتني روح غائمة . تائهمة طارت بى الى عالم آخر . بقيت مدة طويلة اتطلع الى السماء بعينين ثقبلتين وبراس وقلب فارغين . ولم اشعر اننى قد عضضت على شفتى السفلى حتى ادميتها . وكانت ثمة طيور صغيرة تحوم فوقى مستسلمة لروعة الربيع . مرسلة اغاريد شجية تغرق النفس فى صوفية لذيذة
قمت مكانى ودلفت الى الدار كالناثم او كالحالم وارتميت فوق الدكة ودفنت راسي بين ذراعي . كانت امي تنحب في صمث كالصغار الهادئين ، لم ترفع صوتها هى الاخرى ، لم تولول ولم تعدد . فالمفاجأة قد عقلت لسانها . وجمدت اطرافها واسلمتها الى ذهول غريب . كانت تهزهز رأسها وتتمتم بكلمات لعلها لم تكن تسمعها هى نفسها . وكان اخي نائما فى حضنها وقد صبغت وجنتيه حمرة قانية ، وتدلت فوق عينيه شعرات شقر ، وكانت رجلاه عاريتين تقريبا . وكانت حولها اشاء مبعثرة هنا وهناك .
اقتربت منها وانحنيت عليها اقبل عينيها ، ثم قبعت امامها وعيناى تحدقان فيها ، فرنت الى وهى تكاد تشرق بدمعها :
- مات ابوك يا رشيد . قتلوه . . ابناء الكلاب ! قالت امى ذلك والدموع تنفح على خديها . اجل لقد مات ابى . قتلوه وقضى الامر . فهل نعيش على ذكراه ؟ .
- وما العمل يا اماه ! هذه ارادة السماء . وليس في وسعنا ان نعيده الى الحياة . لقد مات هو وسيموت اخرون بعده ليفتحوا طريق الحياة امام غيرهم .
لم اكن اومن فى تلك اللحظة بأن من حق احد ان يموت ليعيش غيره . وكنت اعلم سلفا ان هذه الكلمات لم تكن كافية لاثارة دفقة العزاء فى قلب امي فقد كنت اعرفها جد المعرفة . عرفت ذلك منها عندما قتل اخي فى السنة الماضية . لقد ظلت تبكى ثلاثة ايام بلياليها . لم يرقأ لها دمع ولم تكن تعرف غير البكاء والعويل مع ان ابى حاول ان يفهمها بان موت اخى كان ادعى الى الفرح منه الى الحزن والالم ، وان الموت في سبيل الارض احلى ما يمكن ان نتمناه فى هذه الدنيا .
على ان امى ابتسمت بمجرد ان سمعت كلماتى تلك ابتسمت رغم الدموع رغم الحسرة والكآبة . رغم موت ابى فابتسمت لها بدورى او هكذا خيل الى واخذت اضمها الى صدرى واعانقها وفرحة خفيفة وحنان دافق يهزان قلبي . الا ان تلك الفرحة وذلك الحنان لم يلبثا ان تبخرا فى اعماقي . اذ اظلتهما سحابة خوف داكنة حين سمعتها تقول :
- لقد جاء دورك يا عزيزى .
وبلعت ريقى وانا اردد في نفسى : دورى . . دورى . وهل لى دور ؟ الحق اننى لم افكر في ذلك على الاطلاق . قبل اليوم لم يخطر على بالى شئ من هذا . وانسحبت من امامها ورجعت الى حيث كنت احمل همى وهلعي . لم اعرف كيف يمكن ان اتصرف على التحديد . ولم اعرف ما هو موقفي تجاه الحياة ؟ في الماضي لم اشعر بعبثها ، كانت رياحها تهب علي لينة منعشة . ولكن موت أبى اشعرنى بهولها ، بفظاعتها ، وكلمة امى اشعرتنى بأننى غريق ، ضائع لا محالة .
كنت اعلم ان الحياة عبث ، غبار تذرذره رياح الموت من بعيد لبعيد ، انها مهزلة يمكن ان تسر وان تحزن . وان المهم هو ان احسن القيام بدورى . فما
هو دوري الان فيها ؟ ومن يمدني به ؟ لقد مثل ابى دوري فيما مضى . فمن يتولى تمثيله لى الآن ؟ .
والتفت الى ذاتي ابحث عن شىء . عن بصيص من نور يهديني الى طريقى . يرسم لي وثيقة الخلاص من ضياعى . ومن بين ركام الذكريات فى مخيلتى طالعنى وجه صديقي واخي سعيد . فتذكرت زيارتي اليه قبل ان يرفع راية الكفاح بشهرين . لقد طلب منى ان ازوره في منزله لاول مرة . وما ان دققت الباب حتى خرجت الى فتاة ، اطلت على براسها الصغير ، وقامتها الرشيقة ، وعينيها الكحيلتين . وفمها الملموم ، وبرعميها الثائرين . كنت اعلم قبل ذلك ان له اختا. ولكننى كنت اظن انها لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها . لم انتظر ان اجدها فوارة الانوثة ، طاغية الجاذبية ، ساحرة فاتنة ، ولم اتوقع انها ستسلب لتبي لاول وهلة . وسألت نفسى : هل دعانى سعيد لرؤية أخته ؟ الحقيقة اننى لم اكن ادري ما كان غرضه من زيارتى اليه . وما كان اشد عجبى حين رأيتها تفتح الباب عن آخره وتنطلق في الترحيب بى :
- مر حبا يا رشد . - اوه . مرحبا يا آنسة . انك تعرفين اسمى ! لقد حدثني اخى عنك كثيرا . تفضل . - واين سعيد ؟ - سيعود حالا . تفضل . لا . شكرا . افضل ان انتظره عند رأس الشارع ريثما يعود .
- مستحيل . لقد امرنى ان ادخلك . ولا اظن انك ترضى ان اتعرض للضرب والشتم .
ولم يكن بد من الدخول فتبعتها وانا اتأملها من خلف . . وجلسنا متقابلين مطرقين ، كلانا يتجنب التحديق في الاخر ، وشعرت انا بالارتباك حين وجدتنى معها تجمعنا غرفة واحدة ويظلنا سقف واحد ، الا ان ارتباكي لم يدم طويلا ، اذ سرعان ما حضر سعيد ، فجلسنا نتحدث بينما ذهبت اخته تهئ لنا القهوة وتشعبت بنا فروع الحديث الى ان القى على هذا السؤال ، هل تؤمن بتجدد الحياة ؟ - طبعا
- وهل تجددت انت ؟ هل لك مبدأ ؛ واجبته على الفور : ليس لي مبدأ معين ، ولا اعتقد ان من الضرورى ان يكون لى مبدأ . ما نفع المبادىء ؟ ، ان الواقع يصدمنا دائما بحقائقه المرة ، وعلى هذا فانا انقبل الحياة كما يصورها لي خيالي لا كما هى في واقع الامر
ومع اني كثيرا ما كنت اتناقش معه ، فانى لم الحظ عليه انزعاجا من رائي ، ولكن وجهه في ذلك اليوم اكتسب تعبيرا قاسيا وهو يجيبني :
- هذا يعنى انك تريد الهروب من مواجهة الحقائق ، الفرار من وجه الحياة ، ان الواقع سيظل يصدمنا الى الابد ما لم يكن لنا مبدأ يجعل حياتنا كأمة محنكة ، والله لا يطلب منك ان تشكره لانك حي ، بل يطلب منك ان تقوم بعمل ما ، ان تكون فعالا منتجا ، فانت بذلك تفتح امامه طريق الامكانية ، امكانية مساعدتك ومديد المعونة اليك .
كان يتحدث بانفعال شديد ، بحيث انه بدا لي مخيفا ، خطرا ، وما ان قلت له : انني اعيش لنفسى لا لاحد ، اليس من حقى ان اعتنق ما اريد ؟
حتى انفجر في وجهي : - لا يتفوه بمثل هذا الا فاقد الضمير ، انك انانى ، جبان ، الا تشعر بآلام شعبك ؟ !
- ارجوك ياسعيد ، هل تسمى هذه مناقشة ام هجاء ؟ و . . وارغمنى دخول اخته على السكوت ، وقبل ان تضع صينية القهوة امامنا لاحظت الوجوم الذي كان يبدو على وجهينا ، وتساءلت وهى تنقل نظراتها بيني وبين اخيها :
ماذا جرى ؟ يبدو انكما تخاصمتما ! وعلت شفتيه ابتسامة متكلفة وهو يجيبها : لا شئ يا عزيزتي ، لقد تحدثنا عن اشياء مؤلمة - وما هى ؟ لقد روى لي رشيد ماساة شاب ضائع لم اعر كلمته أي اهتمام ، وتركته على رأيه في انني ماساة ، لاني لم اكن
اريد ان اغضه . فقد كنت اعزه كثيرا ، واخذنا نترشف القهوة وعينا اخته لا تفارقاي لحظة واحدة وكاننا تثقبان فؤادى ثقبا ، ولابد ان اعترف اننى نسيت افكار سعيد عند ما ادركت انها تبادلني نفس الشعور ، على ان وجهه الصارم كان لا يزال بصب على لعنات صامتة ، ويثير الرعب فى اوصالى ، فاستاذنته وانصرفت . . لقد اقسمت الا اعود اليه ، فررت منه ، من افكاره ، ومن نظرات اخته ، وقبل ان اعرف اسمها لاحمله معى ، وبعد ايام سمعت عنه انه التحق بقوافل التحرير
وعدت من جديد افكر فى كلمات سعيد ، ولا انكر اننى لم افهمها آنذاك بل لم اكن اريد ان افهمها ، لاننى لم اكن اهتم لشئ على الرغم من انه نبهنى الى ماساتي ، ولكنني فجأة شعرت بانها حقيقة لا تقبل الجدل كان على ان اسلم بها في ذلك الحين ، ولو لم تكن لحظات وجودى مليئة بالجبن ، والانانية ، والضياع لكنت الآن فى مكان آخر مع سعيد . احسست بالاحتقار لنفسى ، وباننى اتصاغر حتى لا اكاد ارى نفسي .
- يا اخي ، يا سعيد ! ما كنت اود ان تسبقني الى شرف الجهاد ، ولكنني كنت كما تعلم حبانا ، ضائعا ، اعذرنى يا اخى . . لقد اريتنى الطريق ولو لم اكن اعمى لسرت وراءك . هتفت بهذه الكلمات من اعماقى . وفكرت ، لقد اشرق الان كل شئ فى نفسي . فلماذا احقد على نفسى واحتفرها ؟ انثى مازلت شابا ، والأوان لم يفت بعد ، آه ، ما اشد شوقى الى تقبيله ان كان لا يزال حيا !
عدت الى امي فوجدتها قد انقطعت عن البكاء واخذت تغسل ثيابى ، وثياب اخي واردت ان اقول لها شيئا ، ولكن كلمتها " ابناء الكلاب " وقفت في حلقي ، ما أتفهها من كلمة ؟ ترى ماذا يفيدنا السب والشتم ؟ انه لدليل العجز والاستسلام دليل فقدان روح المقاومة والقيام بعمل ايجابي ، وقلت لامى :
اماه ! لقد جاء دورى كما قلت ، الوداع يا اماه ! وعانقت أمي ، ورفعت اخى الى صدري وانا اقول : ستعيش بعدي يا اخي . وحين غادرت الدار وبدأت اصعد ، شعرت بان الفجر قد انبثق في بلادي .

