الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165 الرجوع إلى "الثقافة"

جامعة لاجادو

Share

لم تعرف الانجليزية أدبيا متشائما ساخرا كسوفت  Swift- (١٦٦٧ -١٧٤٥ م ) ، فهو لا ينهكم على ضعف الانسان وغروره ، ولا يهزأ بالتقاليد والمعتقدات ، كما يفعل غيره من الادباء الساخرين ، وإنما هو ينم على الانسان لانسانيته . يكفي الرجل ان يكون من بني آدم كي يسخر منه ) سوفت ( ويصب عليه نقمته

وأشد ما يكون الكاتب تهكما وسخرية من بني جنسه في كتابه " رحلات جلفر " في هذا الكتاب بصور لنا سوفت الإنسان مخلوقا ضعيفا ، مغرورا ، قاسيا شرها ، ظالما ، خائنا ، حاقدا ، منتقما ، محبا لذاته ، ومدفوعا وراء شهواته - مخلوقا يجمع كل الرذائل ، ولا يتصف بفضيلة واحدة .

ومجمل القصة أن ملاحا اسمه (جلفر ) أغرم بالأسفار وركوب الأخطار ، فأقلع في سفيفته بضرب في عرض البحر . وتحطمت السفينة على صخرة نائية ، وقذف به الموج إلي بلاد عجيبة . ونظر حواليه فاذا بين جنس من البشر لا يزيد طول الواحد منهم على نصف القدم . ثم رمي به  المطاف إلي بلد آخر سكانه من العمالقة ضخام الجسوم . وما إن استطاع جلفر أن يفر من هؤلاء القوم حتي حل بجزيرة تسبح في الهواء ولا يحدها ماء ، واخيرا ألفي عصا النسيار عند أرض الخيل فيها سادة والناس عبيد

وفي ثنايا القصة يسخر كاتبنا من كل شئ . يسخر من أسباب الحروب ، وما يثيره تافه البواعث من بغض وشحناء ، ويسخر من العلم والعلماء وهو يقول في رسالة له عن هذا الكتاب : " إن الهدف الذي أرمي إليه هو أن اثير الحلف في نفوس القراء ، ولست أبني  أن ادخل على قلوبهم السرور " .

وسنعرض على القارئ فيما يبل صورة من سخرية سوفت ، وقد اقتبسناها من الجزء الثالث من اجزاء الكتاب حيثما كان جلفر في الجريرة السابحة في الهواء ، وأدخلنا عليها من التحوير والتغيير ما يسيغ قراءتها ويجعلها مناسبة لمقال

أخذ الرحالة يضرب في عرض البلاد حتى حل بعاصمة الحزيرة ) لاجادو ( ، وطفق يتفقد منشآتها ومبانيها ، حتى استوقفت نظره جامعتها ومركز العلم فيها . والكاتب هنا يسخر من ادعاء الانسان العلم والحدق والقدرة علي الاختراع . وكانه يريد أن يقول إن مجهود الانسان وعبقريته وذكاءه. ونشاطه كما عبث باطل لا غناء فيه ، ولا تؤدي بنا إلي السعادة ورفاهية العيش ، وهما غاية البشرية المنشودة

وليست جامعة لاجادو - مقر العلم ومثواه - بناء واحدا قائما بذاته ، وإنما تتألف من عدة منازل ، تحوي في مجموعها ما لا يقل عن خمسمائة حجرة ، في كل غرفة منها عالم مخترع أو عالمان .

ويقول جلفر : كان أول رجل التقيت  به شخص هزيل الجسيم ، نحيل البدن ، مغير الوجه ، اسود اليدين ، غرير الشعر ، كث اللحية ، ممزق الاهاب ، وقد احترقت ثيابه في كثير من أجزائها . انفق هذا الرجل ثماني سنوات من عمره يحاول ان يستخرج اشعة الشمس من الغثاء وكان يرمي إلي أن يحتفظ بهذه الأشعة في قنينات محكمة الاغلاق ، تفتح حينما يظلم الجو أو تهبط حرارة

الهواء فتفيض دفئا ونورا . وكان هذا العالم يأمل أن يبلغ مأربه بعد ثماني سنوات أخري . ولكنه شكا لي من ان راتبه لا يتفق وما يبذل من مجهود وما يظهر من عبقرية ممتازة وتوسل إلي أن أعينه ببعض المال ، وكان معي منه الكثير ، اعطاني إياه حاكم الجزيرة لانفح به أمثال هؤلاء ، لأن الحاكم كان يعلم أنهم لا يكفون

عن الشكوي والسؤال ، وأنهم يستجدون المال بمختلف الوسائل

ثم انتقلت بعد هذا إلى مهندس معماري نابغ حدثني أنه اخترع طريقة جديدة لبناء المنازل ، وهي أن يبدأ إنشاء البيت من اعلاه ، ثم يهبط ويهبط حتى يبلغ الاساس ، وهو يشبه طريقته هذه بطريقة النحل والعناكب ، وهي من الحشرات الحاذقة الحكيمة

ومررت بعد هذا برجل كفيف البصر ، له تلامذة عديدون مثله لا يبصرون وكان عملهم جميعا ان يمزجوا الألوان للمصورين . وقد علمهم استاذهم أن يميزوا اللون باللمس والشم . ولا يسعنى إلا ان اقرر ان الاستاذ كان كثير الخطأ وان طلبته لم يجيدوا ما عهد إليهم أداؤه ولكن مكانة الأستاذ - على رغم هذا كانت في الجامعة عظيمة كبيرة الخطر

وفي حجرة اخري سرني كثيرا أن أري مخترعا اهتدى إلى طريقة حرث الارض بالخنازير وهي وسيلة توفر علينا كما يزعم تكاليف الماشية والعمال وطريقته هي ان يدفن الزارع في باطن الأرض على بعد نصف قدم من السطح عددا من الكستثناء وغيره من الفوا كه والخضر التي يميل إليها الخنازير . ثم يطلق الخنازير في الحقل ترعي . وستنقب عن هذه الفواكه ،

فتقلب الأرض في بضعة أيام ، وتجعل عاليها سافلها ، وسافلها عاليها ، وتعدها بذلك للزرع وإلقاء البذور وحقا لقد دلت التجارب الأولى على ان تكاليف هذه الطريقة وما تقتضيه من مشقة مضنية باهظة . وأن الأرض لم تنتج زرعا ولا شبه زرع ولكن أحدا في الجامعة لم يشك في ان هذا الاختراع قد يعود - بعد تحسينه وإصلاحه - على الانسانية بالنفع والخير العميم .

ثم انتقلت إلي غرفة اخري ، يغطي سقفها وجدرانها نسيج العنكبوت ، وينتشر النسيج في فراغ الغرفة ، لا يترك غير ممر ضيق يدخل منه المخترع ويخرج وعند

دخولي صاح الرجل في وجهي أن لا أزعج عناكبه ، وأن لا أهد نسيجها بمسيري ثم أبدي لي شديد أسفه من أن الناس يتشبثون باستعمال حرير القز ، وتحت اعينهم وفي ميسورهم كثير من العناكب تفوق الديدان فيما تنسج من خيوط وتمدنا منها بالشئ الكثير . وهي تستطيع ان تغزل وان تنسج ويعتقد هذا العالم أنا لو رضينا بنسيج العنكبوت لباسا لنا فستوفر على انفسنا تكاليف الألوان

التي يصبغ بها الحرير ، لانه اهتدى إلى طريقة يستطيع بها أن يحصل على نسيج العنكبوت فيما شاء من ألوان . وما أيسر هذه الطريقة فإنك لو أطعمت العنكبوت بذباب أخضر كان لك منه خيط أخضر ، ولو اطعمته بذباب أحمر لكان لك منه خيطها أحمر ، وهكذا . وإن لديه لعددا من الذاب عديدا ، مختلف الألوان متنوعها ،

لأنه يستطيع أن يتحكم في لون الذباب باطعامه مختلف أنواع الصبغ والزيت وغيرها من المواد اللزجة السائلة وبدا يتهيأ لكل امريء ان يختار من الوان اللباس ما يحب وما يهوي .

ثم عبرت الطريق إلي ناحية اخري من أنحاء الجامعة حيث يقيم العلماء الذين يبحثون في العلم النظري . وأول من لقيت من الاساتذة كان في غرفة فسيحة ، يتحوطه أربعون طالبا ، فحييته وحياني . وجلت ببصري في أرجاء الغرفة ، فاستتوقف مني النظر هيكل خشبي يملأ فراغا من الحجرة عظيما . وحينئد التفت إلي الاستاذ وقال : لعلني أعجب من اشتغاله باختراع يصلح به من المعارف المعنوية بالحيل الميكانيكية والتجارب العملية ولكنى العالم سوف

يدرك عما قريب فائدة هذا المخترع العظيم . ولم يشك الأستاذ لحظة في أن أحدا من الناس في تاريخ البشرية باسرها لم تطفر إلي رأسه فكرة نبيلة جليلة كهذه . وكلنا يعلم مقدار ما يلاقي الطالب من عناء في اتقان الفنون والعلوم النظرية بالطريقة المألوفة . ولكن هذا الاختراع الجديد سيمكن اجهل الناس بقليل من التكليف ويسير

من الجهد من ان يمارس الفلسفة والشعر والسياسة والقانون والرياضيات وعلوم الدين ، دون الحاجة إلي مقدرة خاصة أو درس عميق .

وسار بي الأستاذ نحو الهيكل القائم ، حيث كان تلاميذه يصطفون حول قوائمه وقد الصقت فوق جوانبه صحائف من الورق تشتمل على الفاظ اللغة كلها في صورها النحوية المختلفة ، ولكنها تنتشر بغير ترتيب . وكان كل طالب يمسك مقبض من الحديد ، يديره عندما يأمره الأستاذ ، فيتغير ترتيب الألفاظ . وقد يتكون من ائتلاف بعضها جمل مفيدة يسارع الطالب إلي تدوينها ؛ وبهذه الطريقة يجمع الطالب ألوفا من الجمل تعبر عن كل ما في العالم من فنون وعلوم .

وانتقلت بعدئد إلى قسم اللغات ، والتقيت بثلاثة من الإسلاتذة ، وقد جلسوا يتشاورون في طريقة اصلاح لغتهم القومية ؛ واقترح أولهم ان يختصر الكلام بتقصير الكلمات الطويلة ، ويكون ذلك بحذف المقاطع الأخيرة وقصر الكلمة علي مقطع واحد ، ثم تحذف فوق هذا - الأفعال والصفات ، لأن كل شئ تتصوره في الوجود هو في حقيقته اسم " لا هو صفة ، ولا هو فعل ، ولا هو من حروف الجر ، إلي غير ذلك مما ادي إلي تعقيد الكلام .

واقترح الآخر أن يستغني الناس عن الكلمات بكل ضروبها ، أسماء وافعال وحروف . وسيؤدي ذلك من غير شك إلى السرعة في الآداء ، وإلى رفع مستوي الصحة العامة لأنه من الجلى الواضح أن كل كلمة تنطق بها تؤثر في الرئتين ، فتقصر من طول أعمارنا . ولما كانت الكلمات

- كما اقترح الأستاذ الأول - إن هي إلا أسماء لأشياء ، افلا يكون من الأصلح للناس جميعا ان يحملوا معهم الأشياء التي يحتاجون إليها للتعبير عما يجيش بصدورهم من معان ، وأن يستغنوا البتة عن النطق باللسان ؟ وكان من الجائز أن ينفذ هذا الاقتراح فيسهل علي

الناس التفاهم وتتوفر لهم صحة الأيدان ، لولا أن النساء والجهال والرعاع هددوا بتأجيج الثورة وإعلان العصيان إذا حرموا حرية الكلام باللسان على طريقة الأسلاف . ما أعدي العامة للعلم ، وما أبعدهم عن الحكمة والتعقل ؛

ومهما يكن من شئ فان كثيرا من العلماء والحكماء يأخذون بالرأي الجديد ، فيعبرون عن أنفسهم بالشئ لا باللفظ . وليس من وراء ذلك سوي مشقة واحدة ، وهي  انه إذا تعقد العمل وتنوعت الأفكار ، ثقل علي الرجل العبء . وتعددت الأشياء التي ينبغي له أن يحملها كي يؤدي بها غرضه اللهم إلا إن كان يمكنه ان يستصحب معه خادما - أو خادمين من أقوياء الرجال ، يرافقه حيث يسير ، ويعينه على حمل ما يريد .

وقد شهدت مرة فيلسوفين ممن يأخذون بهذا الرأي يكادان يهويان تحت ثقل ما يحملان التقيا في عرض الطريق ، فألقي كل منهما عن كاهله حمله ، وأخذا يتجادلان  ساعة بما لديهما من سلع . ثم استأذن كل منهما صاحبه في الانصراف ، وانطلقا

وإذا كان الحديث قصيرا فأنت تستطيع أن تحمل بضاعتك في جيبك ، أو تحت أبطك ولن تأخذك الحيرة وانت في عقر دارك ؛ ففي الدار كل شئ مما يحتاج إلى التعبير عنه . والغرفة التى تلتقي فيها الجماعة التي تأخذ بهذا الرأي وتمارسه تنزع بالأشياء كي تمد المتحدثين بوسائل التعبير كلما اقتضت ضرورة الحال .

ومن مزايا هذه البدعة الجديدة انها تصلح ان تكون لغة عالمية ، تفهمها الأمم المتمدنة كلها ، فهي ( الأمم ) تتناول الأشياء عينها دون خلاف ومن مزاياها كذلك أن سفراء الدول يستطيعون التفاهم مع الامراء والوزراء الذين يختلفون عنهم لسانا وتعبيرا . ومن يدري ؟ لعل بهذه الوسيلة يسود بين الناس حسن التفاهم والوئام ، فتمتنع الأمم عن الحروب وشن القتال

اشترك في نشرتنا البريدية