حملت أسلاك البرق منذ أيام نبأ احتفال الجامعة في نيودلهي بذكري مولد الشاعر البنغالي العالمي رابندرانات طاغور ، وقد أقيم الاحتفال في اجتماع دولي شهده نحو ألفى شخص ، وقامت على تنظيمه جمعية طاغور بدلهى . وقد رأس الاحتفال السيد دبواكار نائب وزير الاستعلامات والإذاعة في حكومة الهند ، وألقي مسيو دانيل السفير الفرنسي بالهند بحثا طريفا عن الشاعر العالمي . وأحب بهذه المناسبة أن أكتب في هذا الفصل شيئا عن حياة وشعر وفلسفة رابندرانات طاغور ، ذلك الشاعر الذي طبقت شهرته الآفاق . .
ولد طاغور في مدينة كلكتا في سنة ١٨٦١ ، وهو أصغر إخوة سبعة من أبيه مارشارشي رابندرانات Marsharshi Devendranath وكان أبوه أميرا كبيرا فأنحدر بذلك طاغور من سلالة الأمراء .
وكان طاغور من بين أسرة برهمية ، وبرهما اسم الله عز وجل في اللغة السنسكريتية الهندية ، لا كما كان يظنه فولتير اسم مؤسس ديانة البراهمة ، وبرهما عند البراهمة
الإله الموجود بذاته لا تدركه الحواس ويدركه العقل ، وهو مصدر الكائنات كلها ، لا حد له ، وهو الأصل الأزلي المستقل الذي يستمد العالم وجوده منه ، وكانت كلمة برهما في الأزمنة القديمة تعنى الصلاة التى تصحب القربان ، ولا يظهر أنها كانت شيئا آخر ، وتقول دائرة معارف القرن العشرين إن عدد البراهمة في آسبا يقارب المائتى مليون نسمة ، يسلم كل عام منهم خلق كبير ، وقد قرروا فيما بعد بينهم أن تستقل كل طائفة عن الأخرى . وألا تصاهر طائفة الأخرى . ولكن الانجليز يعملون على هدم هذه الحواجز ؛ ولهذه الديانة كتب كثيرة ، منها القيدا وادرميانا وقانون مانو وكتاب اليورانا . . الخ
وقد نشأ طاغور على الديانة البرهمية ، ولكنه أصبح صاحب نزعة فلسفية خاصة بعد ذلك . اسمعه يناجي ربه :
هذي صلاتي إليك يارباه . .
أنزع هذا البخل من قلبي واجتثه من جذوره . .
وامنحي القوة حتى أصبر علي الآتراح والأفراح
امنحي القوة حتى أجعل حبي مقرونا بالتفاني . .
امنحي القوة حتى لا أحتقر الفقير أو أخضع للقوة
الطاغية . .
امنحي القوة حتى أسمو بروحي فوق تواقه الحياة .
امنحي القوة حتى أهيم بحبك وأبقى رهن مشيئتك ؛
وهكذا يأخذ طاغور يناجي ربه في ضراعة وخضوع وما العالم في مظهره الفتي سوى ملعب يمرح فيه المبدع الأسمى ، ويتلهي بالحلق والتكوين ، وإن الله يتراءى في أبهي شىء ، يتراءي في النور والبستان والوجه الجميل ، كما يتراءي في أنفه شىء . .
هذا وقد رحل طاغور إلى انجلترا سنة ١٨٧٧ ليواصل دراسة القانون . وكان محافظا على ردائه الشعبي التقليدي ، وقد حاول أن يحصل على شهادة " البتروكليشن " لأنه
لم يكن طالبا متفانيا ؛ كان أبوه دائما في ترحال ، وكانت أمه تتركه لدى الخدم ، وعن هؤلاء الخدم تلفن طاغور صورة مضحكة مملوءة بالشر ؛ فقد سمع عنهم : ( لم يكن نظام الملكية في تاريخ الهند نظاما سعيدا ) ، وقد انعكست معظم أفراح الصبا علي حياته عندما شب وترعرع ، وكان وردزورت Words Worth يأبى أن يتعلم إلا ما يروقه فكتب أغنية في الواجب .
وأخرج طاغور سنة ١٩١٠ مسرحيته التي ترجمت بعبارة " ملك القاعة المظلمة " ومثلت هذه المسرحية في البنغال كما مثلت على مسارح ألمانيا وباريس ، ولكنها لم تفز بنجاح كما هو الحال في الهند ؛ ولعل ذلك يرجع إلى أنه ظن أن نجاح الأدب يكفل نجاح المسرح ، ولكن الجمهور البنغالي غير الجمهور الأوربي ، أضف إلى ذلك أن الرمزية عند طاغور قد لا يسهل فهمها في بعض الأحيان .
وقد ألف طاغور غير ذلك كتبا ومسرحيات عدة ، وأشعارا مبتدعة ، وله روايتا مجلة الربيع والنصيحة ، وهما تمثيليتان ، وله ( كاتا وكاتاني ) ، وله أغاني كبير والطيور العاشقة والبيت والعالم والسادهانا التي قال فيها : " كل من أعطيته رايتك أعطيته القوة التي تعينه على النهوض بها فأنت تعطيه الحب ليقوي على مجهود خدمتك ، وإني أشتاق من أعماق قلبي أن أنجو من الألم بالأم ، وليس اشتياقي أن أبلغ الخلاص باجتناب الألم الذي هو هدية من يديك " .
وربح طاغور سنة ١٩١٣ جائزة نوبل وقدرها ٨٠٠٠ جنيه ، ولقب بلقب سير ، وقد حاز الجائزة على كتابه قرأبين الأغاني ، وقد ترجم في انجلترا وأمريكا وفرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وهولندا ، وكتب طاغور كذلك ( البستاني ) فقالت عنها الديلي نيوز : ( إن أسفار البستاني تفوق حتي الأحسن والأفضل من قرابين الأغاني رقة وإبداعا ) .
وقالت الديلي ميل : ( هذه الأشعار أزهار أبهي من طلعة الشمس ، وما تدري كيف عنيت الترجمة برونقها الأصلي ، ولكنها تجلت لنا في الغاية القصوى من الجمال الرائع ) وقالت جريدة الأبزيرفر "obzerver " ( هذا الشاعر يتناول التوافه المألوفة في أمور الناس ويصوغها دررا تتألق في السماء بجلال الحب والحياة ).
وقد أثر طاغور في الأدب كما أثر فرجيل ودانتى وشوسر وملتن ، ولقد هيا للشعر البنغالي أن يزرهر في ضوء الشمس وأنفاس الهواء ، بل أن يأخذ طريقه في الحياة .
وقد قرأ طاغور كثيرا من الأدب الأوربي وتأثر به . وعندما كان صغيرا كان أستاذه يعاقبه بحبسه في حجرته حتى يترجم قطعة من الشعر ، فلا غرو أن يصبح شاعرا مفلقا بل دكتورا في الآداب في جامعة أكسفورد سنة ١٩٤٠ .
وقد كان طاغور مرهف الإحساس ثقيل الوجدان إلي حد حيد ، كتب روائع خالدة في شعر الغزل ، يقول في إحداها :
يا حياة حياتي سأعمل دائما أيضا في صيانة جسمي نقيا لأن أطرافك الجميلة تلامس كل عضو من أعضائي .
سأحمل دائما أبدا في إقصاء فكري عن الضلال ، لأنك الحق الذي أجج نيران العلم في عقلي . .
سأعمل دائما أبدا في دفع كل خبث عن فؤادي وكل نصوح يسري في زهر غرامي ، لأن مثواك في أقداس قلبي .
وحين يغيب عني محياك يفقد قلبي الهدوء والراحة ويصبح عملي نصبا متواصلا في بحر رحيب .
واليوم أشرق الصيف علي نافذتي بهمزه ولمزه وتسارعت النحلات يغازلن أزاهير الرياض
هي الساعة المواتية ! دعني ! أجل في هدوء حيالك وجها لوجه ! دعني أغنى في غمرة هذا السكون الرهيب !
وهكذا كان غزل طاغور شعرا روحانيا يرفعنا فوق آلة الحياة وينأي عن الشهوة العارمة والرغبة الجامحة ، وقل مثل هذا في أكثر شعره .
وقد أسس طاغور مدرسة ( شانتي نكنان ) أي دار السلام ، فالله هو السلام التام والصلاح التام وهو الفريد الوحيد وهو سلوة النفس وفرحة القلب وسلامة الروح . والماء في رأيه ليس هو ذلك الشئ الذي ينظف الحسد فحسب . ولكنه يطهر القلب لأنه يمس الروح ، والأرض ليست ذلك الشئ الذي يمسك الجسم فحسب ولكنها شئ يسر الخاطر . وصلتها بنا فوق الصلة الجسمية لأنها كائن حي .
هذا في الفلسفة . أما في الشعر ، فقد ظهر أثر الشاعر إبسن في المدرسة البنغالية ، وهنالك عدة مشابه بين طاغور
( البقية على الصفحة التالية )
في مأساة الملك والملكة وبين بيت الدمية Adolls house ولكننا لا يمكن أن نجزم بتأثر طاغور بإبسن ، وبعد الدكتور ادوارد تومبسون الأستاذ بجامعة اكسفورد هذه المسرحية من أروع مسرحيات طاغور .
هذا وقد زار طاغور مصر وألقي فيها بعض المحاضرات كمحاضرته في مسرح الحمراء بالأسكندرية وحديقة الأزبكية بالقاهرة ؛ بل إنه زار اليابان كذلك وألقي عدة محاضرات عن القومية والوطنية ، كان لها أثر كبير في تحريك النفوس ، ولكن المرض لم يمهله ففاضت روحه إلى ربها بعد ما أزجى صلاته إليه كعادته دائما :
اللهم ارهف مشاعري وامزجها بعالمك هذا تحية لك وإجلالا .
كغيم تموز المحمل بالأمطار ، وسحائبه المثقلة بالماء حتى
أخفض لك هامتى تحية وإجلالا .
حتى تأتلف كل نغمات حبي لحنا واحدا يتلاشى في الصمت الرهيب تحية وإجلالا .
كسرب من الحمائم ألح عليه الشوق وبرحه الحنين ، فأب إلى وكناته الجبلية ولم تذوق عينه طعم السكري . لأرحلن بحياتي إلى مقرها الأبدي تحية لك وإجلالا . .
وهكذا رحل طاغور إلى مقره الأبدي واستوفي أنفاسه الأخيرة ، وذهب ذلك العقل الذي أتت أسافله في الهند ، فكان يجوب مع شرائع الغاب ، وبطولة الرجال والنساء ولكن عبقريته كانت تمتد بفروعها وأفنانها إلى كل زمان وإلى كل مكان ...!!

