الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640الرجوع إلى "الثقافة"

جامعة نيودلهى تكرم روح طاغور

Share

حملت أسلاك البرق منذ أيام نبأ احتفال الجامعة في نيودلهي بذكري مولد الشاعر البنغالي العالمي رابندرانات طاغور ، وقد أقيم الاحتفال في اجتماع دولي شهده نحو ألفى شخص ، وقامت على تنظيمه جمعية طاغور بدلهى . وقد رأس الاحتفال السيد دبواكار نائب وزير الاستعلامات والإذاعة في حكومة الهند ، وألقي مسيو دانيل السفير الفرنسي بالهند بحثا طريفا عن الشاعر العالمي . وأحب بهذه المناسبة أن أكتب في هذا الفصل شيئا عن حياة وشعر وفلسفة رابندرانات طاغور ، ذلك الشاعر الذي طبقت شهرته الآفاق . .

ولد طاغور في مدينة كلكتا في سنة ١٨٦١ ، وهو أصغر إخوة سبعة من أبيه مارشارشي رابندرانات Marsharshi Devendranath وكان أبوه أميرا  كبيرا فأنحدر بذلك طاغور من سلالة الأمراء .

وكان طاغور من بين أسرة برهمية ، وبرهما اسم الله عز وجل في اللغة السنسكريتية الهندية ، لا كما كان يظنه فولتير اسم مؤسس ديانة البراهمة ، وبرهما عند البراهمة

الإله الموجود بذاته لا تدركه الحواس ويدركه العقل ، وهو مصدر الكائنات كلها ، لا حد له ، وهو الأصل الأزلي المستقل الذي يستمد العالم وجوده منه ، وكانت كلمة برهما في الأزمنة القديمة تعنى الصلاة التى تصحب القربان ، ولا يظهر أنها كانت شيئا آخر ، وتقول دائرة معارف القرن العشرين إن عدد البراهمة في آسبا يقارب المائتى مليون نسمة ، يسلم كل عام منهم خلق كبير ، وقد قرروا فيما بعد بينهم أن تستقل كل طائفة عن الأخرى . وألا تصاهر طائفة الأخرى . ولكن الانجليز يعملون على هدم هذه الحواجز ؛ ولهذه الديانة كتب كثيرة ، منها القيدا وادرميانا وقانون مانو وكتاب اليورانا . . الخ

وقد نشأ طاغور على الديانة البرهمية ، ولكنه أصبح صاحب نزعة فلسفية خاصة بعد ذلك . اسمعه يناجي ربه :

هذي صلاتي إليك يارباه . .

أنزع هذا البخل من قلبي واجتثه من جذوره . .

وامنحي القوة حتى أصبر علي الآتراح والأفراح

امنحي القوة حتى أجعل حبي مقرونا بالتفاني . .

امنحي القوة حتى لا أحتقر الفقير أو أخضع للقوة

الطاغية . .

امنحي القوة حتى أسمو بروحي فوق تواقه الحياة .

امنحي القوة حتى أهيم بحبك وأبقى رهن مشيئتك ؛

وهكذا يأخذ طاغور يناجي ربه في ضراعة وخضوع وما العالم في مظهره الفتي سوى ملعب يمرح فيه المبدع الأسمى ، ويتلهي بالحلق والتكوين ، وإن الله يتراءى في أبهي شىء ، يتراءي في النور والبستان والوجه الجميل ، كما يتراءي في أنفه شىء . .

هذا وقد رحل طاغور إلى انجلترا سنة ١٨٧٧ ليواصل دراسة القانون . وكان محافظا على ردائه الشعبي التقليدي ، وقد حاول أن يحصل على شهادة " البتروكليشن " لأنه

لم يكن طالبا متفانيا ؛ كان أبوه دائما في ترحال ، وكانت أمه تتركه لدى الخدم ، وعن هؤلاء الخدم تلفن طاغور صورة مضحكة مملوءة بالشر ؛ فقد سمع عنهم : ( لم يكن نظام الملكية في تاريخ الهند نظاما سعيدا ) ، وقد انعكست معظم أفراح الصبا علي حياته عندما شب وترعرع ، وكان وردزورت Words Worth يأبى أن يتعلم إلا ما يروقه فكتب أغنية في الواجب .

وأخرج طاغور سنة ١٩١٠ مسرحيته التي ترجمت بعبارة " ملك القاعة المظلمة " ومثلت هذه المسرحية في البنغال كما مثلت على مسارح ألمانيا وباريس ، ولكنها لم تفز بنجاح كما هو الحال في الهند ؛ ولعل ذلك يرجع إلى أنه ظن أن نجاح الأدب يكفل نجاح المسرح ، ولكن الجمهور البنغالي غير الجمهور الأوربي ، أضف إلى ذلك أن الرمزية عند طاغور قد لا يسهل فهمها في بعض الأحيان .

وقد ألف طاغور غير ذلك كتبا ومسرحيات عدة ، وأشعارا مبتدعة ، وله روايتا مجلة الربيع والنصيحة ، وهما تمثيليتان ، وله ( كاتا وكاتاني ) ، وله أغاني كبير والطيور العاشقة والبيت والعالم والسادهانا التي قال فيها : " كل من أعطيته رايتك أعطيته القوة التي تعينه على النهوض بها فأنت تعطيه الحب ليقوي على مجهود خدمتك ، وإني أشتاق من أعماق قلبي أن أنجو من الألم بالأم ، وليس اشتياقي أن أبلغ الخلاص باجتناب الألم الذي هو هدية من يديك " .

وربح طاغور سنة ١٩١٣ جائزة نوبل وقدرها ٨٠٠٠ جنيه ، ولقب بلقب سير ، وقد حاز الجائزة على كتابه قرأبين الأغاني ، وقد ترجم في انجلترا وأمريكا وفرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وهولندا ، وكتب طاغور كذلك ( البستاني ) فقالت عنها الديلي نيوز : ( إن أسفار البستاني تفوق حتي الأحسن والأفضل من قرابين الأغاني رقة وإبداعا ) .

وقالت الديلي ميل : ( هذه الأشعار أزهار أبهي من طلعة الشمس ، وما تدري كيف عنيت الترجمة برونقها الأصلي ، ولكنها تجلت لنا في الغاية القصوى من الجمال الرائع ) وقالت جريدة الأبزيرفر "obzerver " ( هذا الشاعر يتناول التوافه المألوفة في أمور الناس ويصوغها دررا تتألق في السماء بجلال الحب والحياة ).

وقد أثر طاغور في الأدب كما أثر فرجيل ودانتى وشوسر وملتن ، ولقد هيا للشعر البنغالي أن يزرهر في ضوء الشمس وأنفاس الهواء ، بل أن يأخذ طريقه في الحياة .

وقد قرأ طاغور كثيرا من الأدب الأوربي وتأثر به . وعندما كان صغيرا كان أستاذه يعاقبه بحبسه في حجرته حتى يترجم قطعة من الشعر ، فلا غرو أن يصبح شاعرا مفلقا بل دكتورا في الآداب في جامعة أكسفورد سنة ١٩٤٠ .

وقد كان طاغور مرهف الإحساس ثقيل الوجدان إلي حد حيد ، كتب روائع خالدة في شعر الغزل ، يقول في إحداها :

يا حياة حياتي سأعمل دائما أيضا في صيانة جسمي نقيا لأن أطرافك الجميلة تلامس كل عضو من أعضائي .

سأحمل دائما أبدا في إقصاء فكري عن الضلال ، لأنك الحق الذي أجج نيران العلم في عقلي . .

سأعمل دائما أبدا في دفع كل خبث عن فؤادي وكل نصوح يسري في زهر غرامي ، لأن مثواك في أقداس قلبي .

وحين يغيب عني محياك يفقد قلبي الهدوء والراحة ويصبح عملي نصبا متواصلا في بحر رحيب .

واليوم أشرق الصيف علي نافذتي بهمزه ولمزه وتسارعت النحلات يغازلن أزاهير الرياض

هي الساعة المواتية ! دعني ! أجل في هدوء حيالك وجها لوجه ! دعني أغنى في غمرة هذا السكون الرهيب !

وهكذا كان غزل طاغور شعرا روحانيا يرفعنا فوق آلة الحياة وينأي عن الشهوة العارمة والرغبة الجامحة ، وقل مثل هذا في أكثر شعره .

وقد أسس طاغور مدرسة ( شانتي نكنان ) أي دار السلام ، فالله هو السلام التام والصلاح التام وهو الفريد الوحيد وهو سلوة النفس وفرحة القلب وسلامة الروح . والماء في رأيه ليس هو ذلك الشئ الذي ينظف الحسد فحسب . ولكنه يطهر القلب لأنه يمس الروح ، والأرض ليست ذلك الشئ الذي يمسك الجسم فحسب ولكنها شئ يسر الخاطر . وصلتها بنا فوق الصلة الجسمية لأنها كائن حي .

هذا في الفلسفة . أما في الشعر ، فقد ظهر أثر الشاعر إبسن في المدرسة البنغالية ، وهنالك عدة مشابه بين طاغور

( البقية على الصفحة التالية )

في مأساة الملك والملكة وبين بيت الدمية Adolls house ولكننا لا يمكن أن نجزم بتأثر طاغور بإبسن ، وبعد الدكتور ادوارد تومبسون الأستاذ بجامعة اكسفورد هذه المسرحية من أروع مسرحيات طاغور .

هذا وقد زار طاغور مصر وألقي فيها بعض المحاضرات كمحاضرته في مسرح الحمراء بالأسكندرية وحديقة الأزبكية بالقاهرة ؛ بل إنه زار اليابان كذلك وألقي عدة محاضرات عن القومية والوطنية ، كان لها أثر كبير في تحريك النفوس ، ولكن المرض لم يمهله ففاضت روحه إلى ربها بعد ما أزجى صلاته إليه كعادته دائما :

اللهم ارهف مشاعري وامزجها بعالمك هذا تحية لك وإجلالا .

كغيم تموز المحمل بالأمطار ، وسحائبه المثقلة بالماء حتى

أخفض لك هامتى تحية وإجلالا .

حتى تأتلف كل نغمات حبي لحنا واحدا يتلاشى في الصمت الرهيب تحية وإجلالا .

كسرب من الحمائم ألح عليه الشوق وبرحه الحنين ، فأب إلى وكناته الجبلية ولم تذوق عينه طعم السكري . لأرحلن بحياتي إلى مقرها الأبدي تحية لك وإجلالا . .

وهكذا رحل طاغور إلى مقره الأبدي واستوفي أنفاسه الأخيرة ، وذهب ذلك العقل الذي أتت أسافله في الهند ، فكان يجوب مع شرائع الغاب ، وبطولة الرجال والنساء ولكن عبقريته كانت تمتد بفروعها وأفنانها إلى كل زمان وإلى كل مكان ...!!

اشترك في نشرتنا البريدية