الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 371 الرجوع إلى "الثقافة"

جانب من شخصية، نابليون

Share

نابليون بونابرت من الأفراد القلائل الذين ملأوا فجاج الأرض دوبا ، وشغلوا الناس علي اختلاف مذاهبهم طويلا ، وهو في رأي الكثيرين أقوي شخصية وأعظم عبقرية عرفتها العصور الحديثة ، ولم يكن الرجل قديسا على خلق عظيم ، ولا بطلا قد اجتمعت له أسمي معاني البطولة وأجل صفاتها ، ولم تجر حياته على أصول الآداب المرعية ، وقواعد الأخلاق المتواضع عليها ، وكان لا يتردد فتيلا في اختيار الأساليب الملائمة لتحقيق أغراضه ، وقد قتل مليون من الرجال في سبيل أطماعه ومآربه ، وترك فرنسا أصغر رقعة وأسوأ حالا مما كانت حين استولي على زمام الأمر فيها ، ولكن العظمة في هذه الحياة الدنيا قد لا تقترن بالفضيلة في مختلف الظروف والمواقف ، وحقيقة أن هناك العظمة الأخلاقية التي تتجلي في حياة الأنبياء والقديسين والشهداء ، ولكن العظمة ليس من أولى شرائطها أن تكون أخلاقية حريصه على الفضيلة ، بل هي في الواقع قد تكون مناقضة للأخلاق ، وفي اعتقادي أنه لا فائدة من الإسراف في انتحال الأعذار لأخطاء العظماء ونقائصهم حرصا على الجمع بين العظمة والفضيلة ، ولكن ما هي هذه العظمة التي قد تختلب ألبابنا وتسدر أبصارنا وتذهلنا عن الخير والشر والفضيلة والرذيلة ؟ ولماذا كان نابليون عظيما ؟ ولو اننا خصصنا بالعظمة كل من قام بعمل خالد الأثر لأخرجنا كبار السياسيين وعظماء الفاتحين من تلك العظماء الخالدين ، لأن الفتوح الباهرة عارية مستردة ، والدول تبنى وتهدم ، والقوانين تغير وتبدل ، والأفكار تنقض وتبطل ، ويفصل لونها ، وتفقد حيويتها ، فالعظمة إذا لا تقوم على بقاء الأعمال ، فكل شئ في هذه الحياة لا محالة زائل ، فلماذا

نسمى احد السياسيين أو الفاتحين عظيما وقداذد ثرت آثاره ودالت دولته ، وذهبت فتوحه ؟ ولماذا نعجب بقيصر والإسكندر ونابليون ونسميهم عظماء ؟

هم عظماء فيما اعتقد لأنهم كانت لهم شخصية قوية عنيفة ساحرة جذابة ، وقد كانت حياة نابليون على ما بها من سقطات ومآخذ ملحمة رائعة حافلة بالمغامرات والمواقف المحرجة الحاسمة ، وقد كان رجلا من غمار الشعب ، ولكنه وصل إلي اسمى منصب بهمته وسعيه لا بحسبه ونسبه ، وقد التقت فيه القوة العملية الفائقة والقدرة الفكرية الممتازة ، وكان له جلد عجيب وقوة احتمال تفوق المألوف ، حتى يخيل إلي الإنسان أنه قد قد من الصخر أو صيغ من الفولاذ ، وكان يستطيع أن يمضى ستة عشرة ساعة على متن جواده دون أن يعتريه الكلال ، وأن يظل أياما متصلة بلا راحة سوي لحظات قصار ثم يئب مع ذلك وثبة النمر ويهجم هجمة الأسد في الوقت المناسب ، وكان يعرف ما هو صانع ، ويحكم الرماية ، ويصيب الهدف ، ولم يكن بطبيعته فظا غليظا ، وإنما كان لا يريد أن يقف شئ في طريقه ، وقد ذكر عنه أمرسن أنه كان كثيرا ما يظلم كبار قواده وينتهب مفاخرهم ويعزوها إلي نفسه ، وانه كان كثير الكذب ولوعا بالتأثيرات المسرحية ، ولكن حياته من ناحية اخري أنموذج في المثابرة والشجاعة والدقة والإحكام ، وهي في مجموعها حياة تطلق الخيال وتفسح مجال التفكير .

ويروي عن بابليون بألسنة اصدقائه وأعدائه وانصاره وخصومه كلمات مجنحة عظيمة وطرائف فريدة ونوادر مستملحة ، تكشف عن التفانات إنسانية ، وتدل على نفس عميقة الإحساس جائشة العواطف : كان مرة في الصيد والقنص فمر بكوخ للكاتب الكبير شاتو بريان الذي نفاه وأبعده ، فكسر غصنا من إحدي اشجار النار ووضعه على باب خصمه ؛ ولما حملت له زوجته الثانية طفلا ليرث عرشه قال له الطبيب وهي تعالج آلام الوضع : " لا يمكن إنقاذ

الأم إلا بالقضاء على الطفل في أثناء العملية ، فأمره الإمبراطور قائلا : " أنقد حياة الأم في بادئ الأمر " وبعض هذه الكلمات والنوادر والملاحظات ادل على عظمته وكثرة جوانبه وسعة آفاقه من اعظم وقعانه واروع انتصاراته.

والقصة الآتية التي أرويها عن الكاتب كونراد قوس بارك لا اعرف مدى نصبها من الحقيقة التاريخية ، ولكن كيفما كان الأمر فهي تشير إلي جانب من شخصية نابليون تواثرت الروايات على تأكيده وقامت على صحته الشواهد ، واثر هذا الجانب في نفوسنا اقوى وأعظم وابقي وأدوم ، لأنه يرينا أن هذا البطل الكرار الذي قضى خبر أيامه في زماجر الملاحم وتحت فساطل الوقائع لم يفقد إنسانيته ولم يتحجر قلبه او يتبلد احساسه ، وهي قصة مروية في صورة خطاب من المدعو إدوارد جيرا إلي لوشيان :

عزيزى لوشان ستعلم أن ولنجنن كسب معركة وترلو ، ولكن برغم ذلك اتسامحني إذا سألتك أن تسمع قصة الطفلة في النزل القريب من نهر السومير؟

كان بناء قديما يرفرف عليه الهدوء والسكينة وقد توافرت فيه اسباب الراحة وظللته اشجار الدر دار القارعة ، وكان صغير الجرم محدود المدي لا يكاد يوجد به حجرة لنا . وكنت قد رقيت إلي مقر القيادة حديثا ، علما وصلت إلي هناك لم أجد لي فراشا لأنام فيه ، فجميع الحجرات التي يمكن الانتفاع بها كانت مكتظة بكبار الضباط والقواد .

وكان الإمبراطور يحرص في كل يوم على أن يسمع انباء الإجراءات التي تتخذ لراحة رجاله ، ويطلع على التقريرات الخاصة بحالتهم الصحية والتوسعة عليهم ، ونقضي زمن قبل ان احظى برؤيته ، ودعيت اخيرا للمثول بين يديه وكان توهج ضوء الشمس النارية قد زايل الأفق ، وكان هناك مصباحان يشعان ضوءا شاحبا على منضدة الخريطة

التي كان يجلس قبالتها ، وكان يرتدي - إذا كانت ذاكرتي لم تخنى - سترة مارشال فرنسا ، ولم تكن تتسق بحال مع ضيق الحجرة التي كان يزحمها فراش كبير وكرسيان ومنضدة .

والقى علي نظرة حينما دخلت وأصغي إلي وقد وضع رأسه بين يديه الرشيقتين الحساستين وانا اتلو على مسامعه التقرير الذي كتبته ، ولما بلغت منتصف التقرير اعترضني :

- حسن حسن . ابس هناك نقص ولا تقصير ؟

- لا يا سيدي كل شئ على ما يرام !

فنظر إلى وتبينت من نظرته أنه متعب وان الإعياء قد بلغ منه مبلغا ، وكان قد قضى اسابيع مكبا على العمل ليلا ونهارا يصرف شئوون الدولة ويعالج المشكلات .

- إذا كان يجب أن تصل إلي النتيجة في وقت أسرع  من ذلك يا كولونيل !

وكنت أهم بالجواب ولكنى أبصرت عينيه شاخصتين تحوي فأدركت انه من الحكمة ان التزم الصمت ، ونهض من مقعده واخذ يتمشى في حدود الحجرة الضيقة صامتا وكان في حالة من تلك الحالات الهادئة الخطرة التي كانت تنتابه في بعض الاحابين ، وكان الشعاع يضئ وجهه الحائل اللون ويحيط بمحجري عينيه اللذين كان يبدو منهما انه يحمل متاعب الدنيا جميعها ، فأي جهد وإعياء كان يبدو عليه ؟ وبغتة التقي ناظري وناظره وعلقت عيناء عيني ، وكانت نظراته تنم على القسوة والجبروت .

ثم صاح بي فجأة وعلى غير انتظار : " حسن " فشعرت بأن سيفي يصل في غمده ، وأؤكد لك يا صديقى انني لست منخوب الفؤاد ولا ممن يسرع اليهم الجزع ، ولكن إمبراطورنا كان له اسلوب يسترهب كبار القواد ، وصدقني ان هذا شيء يقام له وزن ويحسب له حساب ، ومهما يكن من الأمر فقد طقطق مهمازا حذائي واصطنكا .

وسمعت في تلك اللحظة قرعا خفيفا على الباب ، ودخل الضابط الموكل بالحراسة وبدا لي انه متردد بين الإحجام والإقدام :

- سيدي!

وتوقف عن الكلام كأنه ليس على بينة من امره ، وسرعان ما ادركت السبب ، فقد جاءت إلي ركن الحجرة طفلة صغيرة في حالة عصيبة ، وكانت سنها لا تتجاوز التاسعة او العاشرة ، وقد ارتدت ثوبا قديم الطراز مهلهل النسج كان يسغ عليها ألفة منزلية طريفة ، وكانت تحمل شيئا ضخما عرفت معرفة ملتبسة غامضة أنه ذلك الشئ الذي يضعه السيدات العجائز في فراشهن للتدفئة .

وكانت تبدو في صورة فكهة مضحكة وهي واقفة في طريق الباب وقد ظهرت عليها امارات الخوف والقلق ومعها الضابط يشرف عليها من عليائه وهو يرتدي سترته الزرقاء المقصبة .

وكان الإمبراطور أمامي ولذا لم استطع أن أري وجهه وقد انحني قريبا من غدائرها الناعمة المسترسلة ، وخرج الحارس وقد تنفس الصعداء .

وقال الإمبراطور في رفق : " حسن يا طفلتي " . وكان صوتا لم أعهده . واطمأنت الطفلة وسكن روعها والقت الإناء وتهلل

وجهها وقالت في تلك اللهجة البغيضة ، لهجة سكان  البسائط الشمالية : " للفراش " .

ويمكنك ان تتصور ان صبري بدا ينفد - لأجل فراشى ؟ .

وصعدت الطفلة طرفها وتتضن وجهها الصغير وأجابت : " لا أعرف ، لقد قالت لي أمي إن علي أن أضعه في الفراش الكبير ، هذا ما قالته لي أمي وهذا ما أمرتني به " .

فاعترض الإمبراطور حديثها في رفق ولين : " دعيني احمله عنك " وحمل الإناء من طرفيه وتعاون إمبراطور

فرنسا والطفلة على رفع الإناء الساخن في وقار إلي الفراش .

ونظر إلي ضفائر شعرها السبط وملسها في رفق ، وخطر بفكري أنه كان يأنس بالنظر إلى غدائرها وبراءتها بعد معاناة الأيام الموقرات بالمتاعب ، ورأيته ينحني ويهمس في اذنها وسمعتها تضحك ، ثم ربت وجنتها وقبلها قبلة الوداع في أعلي جبينها :

- أذهبي الأن إلى فراشك يا صغيرتي . ولكنها تعلقت بيديه وتشبثت بهما وقالت وهي مقيطة : - لقد استأثر الجنود بالفرش . - ما هذا ؟

فتجهم وجه الطفلة وقالت : " لقد غص المنزل بالجنود وقد رقد في فراشي احد اعيان القواد بالحجرة المجاورة ، وفراشي لا يتسع له ، ولذا رأيت ساقيه متدليتين منه ، وأمي وأبي راقدان في الهري " .

وانتقضت الطفلة : - أنا لا أحب الهري! - ولكنهم لم يخرجوك من مرقدك ايتها الصغيرة ؟ . - لقد أخرجت ، وقد أخبرتك بذلك وقد شغلها الرجل

العظيم ، ووالدتي تقول إن علينا أن نقدم فرشنا لأن الجنود لا ينامون في الهري ، ووالدتي تخشى بأسهم .

وبصعوبة كظمت غيظي ثرثرتها ، ولكن الإمبراطور هب قائما واشار إشارة تعبر عن الضيق والتأفف وقال في حدة وقد حول وجهه إلى : " هذا غير ممكن ، الا تسمع هذا يا كولونيل ؟ إنا لا اريد ان يستبد رجالي بالفلاحين وياخذوهم بالعنف ، ابحث عن فراش لهذه الطفلة ، وأعطها فراشك إذا استدعي الأمر "

فأجبت - وأنا أعجب من اهتمام إمبراطور فرنسا بطفلة صغيرة غريرة ابنة احد اصحاب الفنادق البلجيكية :

- أنا كذلك أنام في الهرى يا سيدي . فنظر إلي نظرة عجيبة :

- أكبر الظن أنك أيها الشيطان جئت متأخرا إلي ميدان التزاحم على الفرش .

- نعم يا سيدي ، وفي هذا المنزل سبع حجرات يرقد بها خمسة عشر رجلا من رجال هيئة اركان الحرب ، ويخيل إلي أن الهري مزدحم كذلك .

فصاح وهو يضحك ضحكة خفيفة : " لتذهب في داهية " ، وما اظن احدا منهم قد فكر فيك أو اعتنى بك " وانحني وابتسم للطفلة الصغيرة

حسن يا كولونيل ارفع هذه الستارة التي تحجب الفراش .

وكان هناك ستارة ملأي بالثقوب مستندة إلي الحائط - ضعها هنا بحيث تحجب الفراش . والآن أيتها الصغيرة هنا مكان نومك هذه الليلة .

فحملقت إليه الطفلة مشدوهة مدهوشة وسجدت في مكانها .

- في الفراش الكبير؟ - الفراش الكبير . - ولكني لم أنم قط في الفراش الكبير - إذا ستكونين ناعمة مسرورة - ولكن والدتي ...... ؟ - سأسوي الأمر مع والدتك ، وستكونين في حرز

حريز ، انظري ، إننا سنضع هذه الستارة بحيث يحجب الفراش ، فلا تخشى شيئا ايتها الصغيرة ورددي صلواتك وادعيتك .

وخطوت إلي الأمام . - سيدي . - نعم يا كولونيل - سيدي أستميحك العذر ... ولكن - ولكن ماذا ؟ آه أنت لا توافق على ذلك ولم تكن المسألة كما تري مسألة موافقة او غير ذلك ،

فقد كنا نعلم أن الإمبراطور كان متعبا منهوكا ، وقد بلغ منه الإعياء إلي حد انه الغي عرضين للجيوش في ذلك الأسبوع ، وكانت اعباء الدولة ومستلزمات الحرب الراهنة قد ثقلتا عليه ، وكان مستقبل فرنسا في يد رجل واحد ، ومن اللازم ان لا يعرض هذا الرجل للخطر لقلة النوم ونقص الراحة ، وقد شعرت بهذا أكثر مما فكرت فيه حينما أجبته :

- في وسعنا ان تخرج احد اركان الحرب من مرقده يا سيدي .

فأبتسم وقال : " يا عزيزي الكولونيل ! اتقترح اقتراحا جديا ان اخرج احد رجالي المحاربين القدامي من مرقده في هذه الساعة من الليل لأضع هذه الطفلة مكانه ؟ فيا لله ! أتستطيع ان تتصور ماذا سيظنه بي ؟ لا استطيع أن أسمع خاتمة ذلك ؟

وبدت له الفكرة مسلية إلي حد أني اجترأت على أن أذهب إلي أبعد من ذلك .

حسن يا سيدي ، إنها تستطيع أن تنام في الهري - ولكنها تخاف الهري يا كولونيل . - إذا في أي مكان مناسب يا سيدي وسأدبر ذلك ، لا في فراشك فإنك في حاجة إلي النوم في هذه الليلة .

- هكذا ودنا مني والطفلة تراقبنا . - اتظن يا كولونيل انني في حاجة إلى النوم في هذه الليلة؟ ومتى كان لك انت او اي شخص غيرك من هيئة اركان الحرب حق الفصل في مسألة متي وفي أي وقت أكون محتاجا إلي النوم ؟

فأدركت انني قد تجاوزت حدي ، وكانت هذه هي طريقة الإمبراطور ، فهو يسمح لك بشئ من رفع الكلفة ثم فجأة بكلمة أو بإشارة يعرفك مكانك .

فأجبت في شئ من الخشونة : " أبدا يا سيدي ،

وإنما حرصي علي راحتكم هو الذي أوحي إلي هذا الإقتراح .

فأعرض الإمبراطور عن ملاحظتي ولم يعبأ بها . - الراحة ؟ هي أساس الموضوع ، إذا حرمنا الطفلة من الفراش فإنها حينما تشب وتكبر ستضع جيش فرنسا في صف جيوش اللصوص والملاعين .

ونظر إلي كأنه إما أن يكون قد قال أكثر مما يلزم وإما ان يكون قد قال اقل مما يلزم ، ولم يكن على بينة من الحد الذي يسمح به لاحد اركان حربه بإحراز ثقته . وأني اصارحك بأنني كنت عاجزا عن فهم وجهة نظره ، فأنا جندي خشن أكثر مني مفكرا أو سياسيا . ولست استجيب لهذه البحوث الأخلاقية ، ولكنها كانت مزية أن أقف هنالك واستمع إلي هذا الرجل الذي طأطأت له رقاب عواهل أوربا وأعظم أبناء فرنسا وهو بنظر بجد واهتمام في آراء طفلة فلاحة !

واتجه إلي الطفلة الصغيرة وكانت لا تزال واقفة وقد عرتها الحيرة وأمرها بأن تذهب إلي الفراش ، ولم تكن في حاجة إلي أمر آخر لتختفي خلف الستارة

- والأن يا كولونيل ارجو لك ليلة سعيدة - ليلتك سعيدة يا سيدي . وتربثت قليلا ، ولكني لم أكن استطيع شيئا ، وكان الضابط الموكل بالحراسة ينتظر خروج الطفلة ، فرفع إلي حاجبه سائلا مستفسرا ، فلم استطع ان امسك من الإفضاء إليه همسا بما حدث .

فانفجر قائلا : " يا إلهي ، إني اعلم أن هذه هي الليلة الثانية التي لم يذق فيها الامبراطور النوم ، ولو صنع بنفسه مثلي أو مثلك هذا الصنيع لفقد صوابه " ثم شد شاربه واسترسل بقول : " آه ولكن ماذا نفعل ؟ إن هذا شبيه به " أليس كذلك ؟ "

وقابلني خادمي في اسفل النزل ، وتقدمني إلي الهري واستلقيت في فراشي وقد ذهب بي الفكر كل مذهب . وانتحتني الهموم ، وتذكرت قول حارسه : " إنها الليلة الثانية التي لم يذق فيها الإمبراطور النوم " وتقلبت في فراشي ، ونمت في عقب ذلك نوما مضطربا متقطعا .

وتقدمنا في صباح اليوم التالي للقاء الجيش الإنجليزي الذي يقوده ولنجتن ، وشاهدت وانا إلي جانب الإمبراطور " كيف تبدد شمل حرسه الملوكى وكسرت شوكته ، وكانت الدموع تسيل على خدي في غير خجل ، وكنت فائد الحرس قبل ترقيتي إلي مقر القيادة العليا ، والتفت إلي الإمبراطور وفي عينيه بريق النصر وصاح بي : تقدم يا كولونيل جيرا بفرقتك إلي الجناح الايمن ! لقد غلبه يا صديقي الإعياء من قلة النوم لا القائد الإنجيلزي ، لقد أنساه أني لم أعد قائدا للفرقة العاشرة من فرق الحرس .

الوداع

إدوارد جرا جزيرة سنت هيلانه ، سنة ١٨١٦

اشترك في نشرتنا البريدية