الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الثقافة"

جان آنوى

Share

توجد في دار الأوبرا في الوقت الحاضر فرقة فرنسية للتمثيل المسرحي ، وقد بدأت موسمها بمسرحية " المسافر بلا متاع " لجان آنوي yean Anouilh الذى سبق أن شاهدنا له في مصر مسرحية " موعد سنتيس ، والتحفة الرائعة " أنتيجون " .

وجان آنوي من اكبر الكتاب المسرحيين في فرنسا ، ولذلك فإنه لما يملأ النفس سرورا وغبطة ، أن يمسك الإنسان بالقلم ليكتب عنه شيئا . .

إن جان آنوي كاتب مثالي . ولذلك فإننا نجد شخصياته تجاهد دائما في سبيل ما لا وجود له . ومن هنا تلك النشوة التي نحسها ، فنحن جميعا - أو جلنا - نجاهد في سبيل ما لا سبيل إلي الفوز به .

وآنوي لا يصور في مسرحياته " أهواء" إنسانية ، وإنما يحلل " أحوالا " إنسانية تنطوي على كثير من الخطايا وكثير من الحماقات ، وكثير من القبائح ؛ فالحياة لديه كريهة ودميمة ، كما أنها - بكل ما يحف بها من مساخر ومهازل ومبادل ، وما يكتنفها من آراء خاطئه ، وتقاليد واهية ، وأوهام محزنة لا جدوي منها ولا طائل فيها ، وبالرغم من كل ما يبديه الرجال من تعاظم وشموخ يدعوان إلي الإشفاق ، وكل ما يصدر عنهم من حركات وتصرفات القصد منها هو التفاخر والمباهاة ، فإنهم جميعا خائبون ، وليس في حياتهم غير السأم والبرم .

ذلك هو ما تعيه جيدا الليدي هيرف (١) التي - بالرغم من حياتها الاجتماعية الزاخرة - تقول : " لست غير هيكل عتيق يحس بالسأم والضيق . لقد ظفرت بكل ما يجوز لامرأة أن تتمناه ، سواء في ذلك ما كان معقولا وما كان غير معقول : المال والجاه والعشاق . والآن وقد تقدمت بي السن ، أجد  نفسى ملتفة حول عظامي ، في الوحدة التي

كنت أحس بها عندما كنت صبية صغيرة تعاقب بالوقوف وجهها إلي الحائط ، ومما يبدو لي أكثر خطورة أنني أصبحت أدرك انه فيما بين تلك الطفلة الصغيرة وهذه السيدة الطاعنة ، لم يكن هناك غير وحدة كذلك ، وإنما هي وحدة أشد تعاسة ، وذلك بالرغم من كل ما كان يحيط بها من ضجيج" .

ولكن ألا يوجد وسط هذا الظلام الحالك بصيص من نور ؟ بلى ، فلدينا فوق هذه الأرض التي لا تلمس فيها غير الآلام وخيبة الآمال ، عزاء في الحب . وتقول الليدي هيرف أيضا : " إن صغيرني جولييت سوف تفوز بالخلاص لأنها عاطفية وساذجة ، وتلك نعمة لا تظفر بها كل النساء "

الحب وحده هو طريق الخلاص من تلك الحمأة وذلك الفساد .

" إن كل الرجال كاذبون متقلبون مراؤون ترثارون منافقون متغطرسون شهوانيون أو أنذال جبناء أذلاء وكل النساء غادرات ماكرات مغرورات متطفلات فاسدات . وما العالم غير بالوعة لا قرار لها . حيث تدب وتتلوى فقمات ممسوخة الخلقة فوق تلال من الوحل ، ولكن يوجد في العالم شئ مقدس وسام ، هو اتحاد هذين المخلوقين الناقصين البشعين ، "١" )

ولكن أي لون من الحب ذلك ؟ . . إنه لدى آنوي مزيج من الخيال العاطفي والطموح الفني والنزوع الديني . . وهو حافز إلى شيء آخر أكثر سموا وأعظم خلودا... كما انه درع واقية في الصراع البشري . . فإن أبطال آنوي لا ينفكون يتصارعون مع الحياة . . الحياة القاسية الشريرة ، وإنه ينبغي ، لكي يستطيعوا أن يصمدوا في ذلك الصراع ، أن يكونوا أزواجا أزواجا ، يربط الحب بين كل زوج منهم ويشد الواحد أزر الآخر . والمأساة لدى آنوي

هي في أن كل عاشق وعاشقة من هؤلاء يقفان وحدهما في وجه العالم . ولكن العقبات التى تعترضهما وتحول دون الخاتمة السعيدة ليست خارجية - فإن القصة في تلك الحال لن تعدو ان تكون قصة مغامرات - وإنما هي تكمن في نفسيهما وفي حياتهما وفي ماضيهما . ومأساتهما ليست في أن المجتمع هو الذي يعمل على قهر حبهما ... كلا . وإنما هي في أن ذلك الحب عمل في ذاته أسى يعيبه الذي يفرضه وينهشه . .

ومن تلك العيوب والحوائل ، الدنس الذي يلحق بالجسد ، فنجد آماندا - إحدي شخصيات آنوي - تدلي بهذا الاعتراف المحزن . فتقول : " لقد كان لي عشاق ، ولكني لم أعرف الحب " . . أو الذكرى ، فما يفصل بين أوريديس وأورفيه هي تلك الذكرى الفظيعة . ذكرى يدي الرجل اللتين مستا جسدها . .

" فإن كل الصور الدنسة تبقى قائمة الواحدة إلى جانب الأخرى ، وكذلك كل الناس ، حتى أولئك الذين أصبحنا نمقتهم ، حتى أولئك الذين هربنا منهم "(١)...."أأنت

واثق أن كل الكلمات التي قيلت من غير أن نعيها ، والتي لم نستطع أن نستردها ، لازالت في أفواهنا . . حين نتكلم "١" إذا لن يكون الإنسان وحيدا ، وكل ذلك باق حوله . . ولن يصبح مخلصا حتى إذا كان يبغي ذلك . ويعمل له بكل ما لديه من قوة . . وإذا كانت كل الكلمات تبقي هناك ، وكذلك كل الضحكات الدنسة ، وإذا كانت الأيدي التي مست الجسد لا زالت لاصفة به ، إذا لا يمكن لامرأة ان تغدو امرأة أخري ! " .

وفي " موعد ستليس " يقيم جورج من نفسه شخصا جديدا لكى يتقدم إلي إيزايل الطاهرة . ولكن حياته الماضية تلاحقه وتزعجه . وفي مأساة " المسافر بلا متاع " - التي شاهدناها هذا العام - يكتشف جاستون الذي أصيب بفقدان الذاكرة شيئا فشيئا ، ماضية البشع الذي عاد يلاحقه ويمضه ، فلا يجد وسيلة لأن يعتق نفسه منه إلا بأن يأباه ويرفضه .

اشترك في نشرتنا البريدية