قرأت رد الدكتور بشر فارس على ما وجهت إليه من أسئلة عن الغموض في الرمزية، وإنني أشكره على شرحه الموجز لهذه النقطة. إلا أنني أعود فأقرر أن جبران لم يسر على نهج الشاعر الإنجليزي وليم بليك في غموض أشعاره واستغلاق معانيها على القارئ مهما أجهد عقله في فهمها؛ وهذه كتب جبران كلها - وتبلغ قرابة العشرين - يستطيع كل مثقف أن يفهم ما ترمي إليه وما تهدف له وإن كانت ذات رمزية! أو روماتيكية، أو كليهما معاً
وإذا كان الدكتور ينسب طريقة جبران في الرمزية إلى
الشاعر الإنجليزي بليك فما أولاه أيضاً أن ينسب كتاب (النبي) الرمزي والرومانتيكي معاً إلى كتاب الفيلسوف الألماني نيتشة (هكذا قال زرادشت!) . أما استشهاده بما قال النحات رودان وبما كتبته عنه فنانة أمريكية في مقدمته لكتاب لها (يضم عشرين صورة) فهو مما يؤيد رأينا: في أن رسوم جبران فقط كانت تغلب فيها الرمزية على ما عداها
وأما قوله أن الرمزية تشق الآن طريقاً في الأدب العربي. . . (المستحدث) . . . فهذا صحيح ولا يتفق مع قوله أن الرمزية في مصر لم تفهم بعد حق الفهم في طرائقها وتعبيراتها ووسائلها فكان نتيجة لذلك ما يشكو منه الدكتور من كتابات مضطربة ترمي إلى غير هدف وتسير في غير طريق؛ ولكن الواجب على زعيمي الرمزية في مصر: الدكتور بشر والأستاذ الحكيم أن يضعا عنها كتباً مطولة تكشف عن مناهجها وما يحيط بها وما يندمج فيها من مؤثرات وما تؤثر هي به في الأدب وما تزيده تقدماً وشمولاً وإحاطة. . . لا توطئات مركزة دسمة إن هي أفادت فئة من الأدباء المطلعين على الثقافات الأجنبية إطلاعاً واسعاً فهي لا تكفي مطلقاً ذوي الثقافات المتوسطة من الأدباء، بله عامة القراء
والرمزية - بعد - في الأدب العربي المستحدث في أول الطريق، فالحديث ذو شجون ولازم على من يشقون ويوسعون الطريق لها فيه أن يطيلوا الكلام والإبانة عنها للسالكين
وما أحرى الدكتور بشر في هذا المقام - إذا تفضل - أن يوالي مجلة الرسالة الغراء بمقالاته الثمينة عن الرمزية يوضح طرائقها ويترجم لزعمائها وقادتها ومدارسها منذ نشأتها إلى الآن توطئة لتأليف رسالة عنها بقلمه الفذ
وإنا لنشكر الدكتور بشر كل الشكر على علمه الغزير، وله منا سلام واحترام وحب
