الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 29الرجوع إلى "الثقافة"

جبهة دفاعية فى الشرق الادنى، ومركز مصر فى هذه الجبهة، لمحرر "الثقافة " السياسي

Share

اتجهت الأنظار إلي مصر غير مرة خلال الأزمة الدولية الأخيرة؛ ويرجع هذا الاهتمام قبل كل شئ إلي الحقيقة الدولية المعروفة، وهي ان مصر بموقعها الجغرافي وكونها صاحبة قناة السويس، طريق الشرق الأقصي وشرق إفريقية، معرضة دائما لاخطار المطامع والمنافسات

الدولية، معرضة لأن تدفع إلي خوض آية حرب عامة تنشب بين الدول العظمي. يبد أنه يرجع أيضا إلي أسباب ايجابية اخري تتصل بالأزمة الدولية اتصالا مباشرا، فقد تطورت مسألة البحر الأبيض المتوسط منذ الحرب الأهلية الأسبانية تطورا خطيرا، وتطورت الأوضاع البحرية

والعسكرية القديمة في هذا البحر بصورة تضاعف أهمية مصر كعامل في حفظ التوازن فيه؛ وقد ذكرت قناة السويس ضمن مطالب إيطاليا الاستعمارية على لسان السنيور موسولينى بصفة رسمية؛ وما تزال مقاصد إيطاليا نحو قناة السويس ونحو مصر غامضة؛ بيد انها لا يمكن ان تبعث على الاطمئنان، خصوصا إذا ذكرنا ما تقوم به إيطاليا في لوبية علي حدود مصر الغربية من استعدادات حربية ضخمة، وأخيرا، نري مصر تبدو كعامل هام في تنظيم جبهة مقاومة الاعتداء في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وفي تنسيق الجهود الدفاعية المختلفة التي تبذل في هذه الجبهة من رومانيا شمالا إلي قناة السويس جنوبا

وقد تضاعف هذا الاهتمام بمركز مصر السياسي والعسكري أخيرا لمناسبة الرحلة التي قام بها وزير الخارجية المصرية في تركيا ودول البلقان؛ ومع ان نتائج هذه الرحلة لم تعرف بعد بصفة رسمية، فان وقوعها في الوقت الذي وثقت العلائق فيه بين تركيا وفرنسا بعقد الميثاق الفرنسي التركى، بعد أن وثقت العلائق بينها وبين بريطانيا العظمي بعقد الميثاق الانكليزي التركي، وفي تلك الظروف التي بلغ فيها معترك السياسة البلقانية ذروة النشاط، قد يحمل علي الاعتقاد بأنها لم تكن في جوهرها بعيدة عن موقف مصر من الجبهة الدفاعية في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وبحث علائقها مع باقي الدول المشتركة فيها علي ضوء الحوادث والتطورات الأخيرة. ومما يلاحظ بهذه المناسبة أن هذه هي أول رحلة سياسية من نوعها يقوم بها وزير خارجية مصري في أوربا، ويقوم فيها بمحادثات سياسية خطيرة مع عدة من الدول الأوربية باسم مصر المستقلة؛ ومن ثم كانت الأهمية الخاصة التي علقت عليها في معظم دوائر أوربا السياسية، وخصوصا في برلين

ورومة، حيث اتهمت الصحافة الالمانية والإيطالية مصر بأنها تعمل تحت نفوذ السياسة الانكليزية لتدعيم سياسة التطويق التي ترمي بريطانيا العظمي بتنظيمها ضد ألمانيا وإيطاليا .

والواقع أن مركز مصر السياسي والعسكري قد تطور في الأعوام الأخيرة تطورا خطيرا. فأما من الناحية العسكرية فإن فتح ايطاليا للحبشة، ومجاورتها بذلك لحدود السودان الشرقية، قد آثار احتمالا لم يكن موجودا من قبل، وهو تعرض مصر لخطر الغزو من الجنوب، ووجود إيطاليا في لوبية التي تتصل من الجنوب الشرقي بشمال غربي السودان، وما يذيعه الخبراء العسكريون عن نيات القيادة الفاشستية في حالة الحرب من محاولة اختراق السودان من هذه الناحية لوصل لوبية بالحبشة والإحداق بمصر من الجنوب والغرب، مما يزيد هذا الخطر قوة ووضوحا. وأما من الناحية السياسية فقد حصلت مصر علي استقلالها بعقد المعاهدة المصرية الانكليزية وألقت المعاهدة عليها، فضلا عن تبعات مركزها الجديد، نحو حليفتها انكلترا، تبعات عسكرية خطيرة في حالة وقوع حرب تشتبك فيها انكلترا مع دولة أخري، وهي تبعات قضت بها مصالح البلدين الحيوية المشتركة في الدفاع عن مصر وقناة السويس .

ولما كان الصراع الذي يضطرم الآن بين الدولتين الديمقراطيتين الكبيرتين أعني بريطانيا العظمي وفرنسا وبين محور برلين رومه، يدور قبل كل شئ حول السيادة العالمية والمسالة الاستعمارية، وينذر الانفجار بين اونة وأخري بصورة لا يمكن تحديد مداها، فان مصر بموقعها وحراستها لقناة السويس، التي تعتبر في نظر انكلترا طريقا

حيويا للامبراطورية البريطانية، وفي نظر إيطاليا طريقا حيويا لامبراطوريتها في شرق إفريقية، تجد نفسها في مركز دقيق جدا، يجرها حتما إلي خوض ايه حرب أوربية تقع بين الدول العظمي، إذ لا يمكن ان نتصور وقوع مثل هذه الحرب، دون ان يكون البحر الأبيض المتوسط ساحة من اخطر ساحاتها، ودون ان تكون قناة السويس هدفا من أهم أهدافها .

ولذا لم يكن غريبا أن تتبع مصر تطورات الحالة الدولية بمنتهي الاهتمام ، وان ترقب بنوع خاص كل تغيير يطرا على الحالة في البحر الأبيض المتوسط، ولاسيما في شرقيه، ان تري في تحالف تركيا مع بريطانيا العظمي وفرنسا، عاملا قويا في توطيد جبهة مقاومة الاعتداء في شرقي البحر الابيض، وفي تدعيم وسائل الدفاع عن هذه الجبهة التى تنهى مصر علي طرفها الجنوبي .

على انه يجب ان نلاحظ ان هذه الجبهة الشرقية التي تمثل مصر فيها ترتبط ارتباطا وثيقا بتطور الحالة في بلاد البلقان، وهي بذلك تمتد شمالا حتى رومانيا .

وإنها من جهة اخري ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة في البحر الاحمر، وهي بذلك تمتد جنوبا إلي عدن وباب المندب

فأما عن الحالة في البلقان، فإن تركيا ترتبط، كما نعلم، بدول البلقان الاخري، اعني رومانيا ويوجوسلافيا واليونان، بميثاق ينص على احترام الحالة الراهنة في البلقان، وهي تبادل المشاورة والمعاونة في كل تغيير يطرا عليها، وعلى الدفاع المشترك ضد أي اعتداء يقع على إحداها؛ ومع ان هذا الميثاق لا يزال قائما فانه يخشى ان يكون قد فقد كثيرا من قيمته إزاء التطورات الدولية الأخيرة؛ أولا: لان بلغاريا

التي لم تدخل فيه، تبدي ميلا واضحا نحو دولتي المحور، وتطمح إلي اقتضاء ثمن حيادها بتحقيق امانيها في استرداد ولاية دبروجه من رومانيا، وفي الحصول علي منفذ علي بحر إيجه، وهذا ما تأياه عليها رومانيا واليونان؛ وثانيا: لأن يوجوسلافيا التي تجد نفسها بعد احتلال إيطاليا لآلبانيا محصورة بين دولتي المحور، أعني ألمانيا من الشمال، وإيطاليا من الجنوب تقف حذرة مترددة في الطريق الذي تسلكه، بالرغم من كونها لا تزال تميل إلي الجبهة الديمقراطية. وعلي ذلك ففي وسعنا ان نعتبر الحلف البلقاني قائما فقط بين تركيا ورومانيا واليونان، وانه قد توثق بالتصريحين البريطاني والفرنسي اللذين صدرا علي اثر احتلال إيطاليا لألبانيا، باستعداد بريطانيا وفرنسا للدفاع عن كل من رومانيا واليونان إذا اعتدي علي استقلالها وقاومت الاعتداء؛ ثم توثق بعد ذلك بعقد الميثاقين التركي الانكليزي والتركي الفرنسي .

وعلي ذلك فإن هذا الحلف البلقاني بين تركيا واليونان ورومانيا، وهو حلف تتوجه معاونة انكلترا وفرنسا عند الاقتضاء يعتبر دعامة قوية في القسم الشمالي لجبهة مقاومة الاعتداء في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وهو بذلك يمكن ان يعتبر سدا في وجه المطامع الالمانية في الزحف إلي البلقان والبحر الأسود، وفي وجه المطامع الإيطالية في الأناضول وسوريا .

وأما عن الحالة في البحر الأحمر، فمن الواضح انها ترتبط اشد الارتباط بتنظيم الجبهة الشرقية؛ وهنا تعتبر مصر ايضا طرفا شماليا لجبهة مقاومة تمتد جنوبا حتى باب المندب.

فمنذ افتتحت إيطاليا الحبشة، وأصبحت تسيطر بذلك

على رقعة كبيرة في شرقي أفريقية تقع بين البحر الأحمر وبين المحيط الهادي، اشتد التنافس بين بريطانيا العظمي وإيطاليا على سيادة البحر الاحمر، الذي تعتبره إيطاليا طريقا لامبراطوريتها والذي تسيطر بريطانيا على بابيه، الشمالي، وهو قناة السويس، بواسطة تحالفها مع مصر، والثاني وهو بوغاز باب المندب، بواسطة احتلالها لمنطقة عدن

يضاف إلي ذلك ان فرنسا تسيطر على مخرج الحبشة باحتلالها لثغر جيبوتي وخليجه، وبذلك يدعم مركز حليفتها بريطانيا العظمي؛ وهو ما يفسر كون إيطاليا تضع " جيبوتي " في طليعة مطالبها الاستعمارية

وقد حاولت إيطاليا ان تعمل لتقوية مركزها الضعيف في البحر الأحمر، بالضغط على اليمن وجرها إلي محالفتها؛ وقد عقدت بالفعل معاهدة صداقة بين اليمن وإيطاليا، ولكن عاهل اليمن الإمام يحيي، ما يزال حريصا على الاحتفاظ بحيدته بعيدا عن المؤثرات الخطرة، خصوصا وهو يعلم حق العلم ان يريطانيا جارتة من الجنوب في عدن لا يمكن أن تسمح بأن تخضع اليمن لنفوذ أيه دولة أخرى .

ومن جهة أخرى؛ فإنه يبدو مما نقرأه منذ حين أن المانيا، تحاول بكل ما وسعت ان تتقرب من البلاد العربية، وبخاصة من عاهل المملكة السعودية، الذي يسيطر على معظم الضفة اليمني للبحر الاحمر؛ وقد جرت أخيرا محادثات بين مندوب الملك ابن سعود وبين الهير هتلر، واذيعت عنها أقاويل كثيرة؛ وقيل ايضا إن مندوبا ألمانيا في طريقه الان لمفاوضة ابن سعود. بيد أنه مهما كانت هذه المساعي والأحاديث، فإنه يلوح لنا مما نعرفه من تاريخ علائق الملك عبد العزيز مع بريطانيا العظمي منذ الحرب الكبرى، أنه من الصعب أن نعتقد أنه يمكن أن يتحول

عن صداقته التقليدية لبريطانيا العظمي .

والخلاصة اننا نشهد اليوم جبهة دفاعية متصلة ترتسم فيما بين البحر الأسود شمالا، وبين باب المندب جنوبا، وتتخذ مصر فيها مركز الواسطة من العقد، فتعقد الصلة بين طرفيها الشمالي والجنوبي.

ومما هو جدير بالذكر أن هذه الجبهة الدفاعية تنتظم اليوم قبل ان يصبح خطر الحرب حقيقة واقعة، وتضطر الدول الديمقراطية إلي الارتجال في خططها واستعداداتها كما حدث في الحرب الكبرى، فهي تنظم اليوم دفاعها المستقبل على أسس متينة واضحة، لكى تتقي خطر المفاجأة، وهي مزية سيكون لها بلا ريب أكبر الأثر في مصاير المعركة القادمة .

اشترك في نشرتنا البريدية