الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 308الرجوع إلى "الثقافة"

جرائم الدكتور بيسيو ، صفحة جنائية مروعة

Share

ورد في أنباء باريس الأخيرة أن رجال الشرطة استطاعوا القبض أخيراً على الدكتور مارسيل بيبتو petiot ، السفاح الباريسي ، في إحدي محطات المترو علي مقرية من غاية قنسان ، وكان متنكراً في زى ضابط من ضباط القوات الفرنسية الداخلية .

وهذا النبأ ينطوي علي مأساة من أروع مآسي الإجرام الحديثة . ذلك أن الدكتور بيبيو متهم بأنه ارتكب أثناء الاحتلال الألماني نحو خمسين جناية قتل بطريقة وحشية ، وبأسلوب في منتهي البراعة ؛ ولو لم تكشف أمره المصادفة  المحضة لبقيت جرائمه كلها سراً دفيناً .

ولم يحدث في ثبت الإجرام الباريسي - وهو عادة حافل بأروع صنوف الجريمة - منذ أيام لا تدرو قاتل  النساء الشهير ، حادث أشد هولا وغموضاً من ذلك الحادث الذي يشغل الشرطة الباريسية من بضعة أشهر . ومن عجائب الاتفاق أن يوجد ثمة تماثل مدهش في الظروف بين جرائم الدكتور بييو وجرائم سلفه هنري ويزريه لاندرو ؛ فقد بدأ لاندرو ارتكاب جرائمه منذ أواخر الحرب الماضية ؛ وكان ضحاياه فيها من النساء اللاتي يستدرجهن باسم الزواج ويسليهن  ما يملك من مال وحلى ، ثم يصحبهن في رحلة أخيرة إلي منزله المنعزل في " جانبيه " في ضاحية باريس ، وهنالك يقضي عليهن ، ثم يحرق جثمهن في قرن خاص أعده لذلك

ولم يكشف أمره إلا في سنة 1919 ، بعد أربعة أو خمسة أعوام من بدء جرائمه ، وبعد أن قضى بهذه الوسيلة على خمس عشرة امراة أو يزيد . وكذلك خلفه الدكتور بيبو  بطل المأساة الحالية ، فإنه رأي الفرصة سائحة للعمل في ظل

الاحتلال الالماني ، وكان يستدرج فرائسه ، ومعظمهم  من النساء ، بحجة العمل علي تهريبين إلي المنطقة غير المحتلة ، ثم يجهز عليهن بعد الاستيلاء على مالهن وحليهن بطريقة فنية مروعة ؛ ولم يكشف أمره إلا بعد أن زهن على يديه بهذه الطريقة الوحشية زهاء خمسون من الأنفس.

وكان اكتشاف أمره بطريق الصدفة المحضة . ففي صباح يوم 11 مارس الماضي ، أخطر مكتب البوليس  تليفونياً من بعض سكان شارع لسوير ، أن مدخنة المنزل رقم 21 تنفث دخاناً مريباً يحمل رائحة اللحم البشري ، فكان ذلك بدء اكتشاف ثبت من أروع الجرائم التي عرفتها فرنسا منذا أكثر من عشرين عاماً .

ويقع منزل الجريمة في شارع لسوير، في حي " الأنوال " ،  أعني في حي من أعظم الأحياء الأرستقراطية الباريسية ؛ وهو منزل صغير قديم جدد منذ حين ؛ تعاقب عليه المستأجرون ، ومنهم الممثلة الشهيرة سبسيل سوريل ، ثم بيع في سنة 1941 إلي مالك جديد هو الدكتور يبسيو ، وهو طبيب يزاول مهنته في عياده في شارع كومارتان .

ولم يكد المالك الجديد بتسلم المنزل حتى جاء العمال لإجراء بعض أعمال فيه . وكان للمنزل فناء خلفى مستطيل يفصل بينه وبين المنزل المجاور جدار عال ؟ وفي مدخله مخزن كبير يتألف من غرفتين ، تطل إحداهما على فجوة مظلمة مثلثة ،

فقرر الدكتور أن يحول هذه الغرفة إلى مكتب ، وأمر  العمال بإقامه فاصل مزدوج في وسط الفجوة يحتجز منها زاوية مظلمة ، وأن يبطن الحاجز من الجانبين بالقماش السميك العازل ، قائلا إنه سيضع في هذا الزاوية محركا لإدارة أجهزته الخاصة بالأشعة ، وإنه لا يطيق العمل في الضوضاء ، فلذلك يود إخماد الصوت بقدر المستطاع ؛ ثم أمر بأن يعمل في أعلى الجدار الأيسر للزاوية المظلمة ، وهو الذي يفصلها عن الفناء الداخلي ، ثقب صغير ثبت عليه

جهاز بعدسة يستطيع الإنسان أن يري بواسطتها ما يحدث داخل الزاوية ، قائلا إنه يريد أن يرقب عمل المحرك ؛ كما أمر بأن يصنع في الجدار الفاصل بين الفجوة وبين البناء المجاور باب وهي بمصراعين . وكان المنزل محاطاً بأبنية  عالية لا يري ما بداخله إلا من ناحية واحدة ، ففي هذه الناحية ابتنى الدكتور جداراً غالياً أبيض يحجب جميع الأنظار التي يمكن أن تطل على الداخل .

وأما بطل الجريمة ، الدكتور بيبيو ، فهو رجل في الحلقة الخامسة من عمره ، وفي ماضيه ما يلقي ضوءاً على نفسيته ؛ ففي الحرب الماضية كان طبيباً في مستهل حياته العملية ، ولكنه تظاهر بالجنون ليفر من الخدمة العسكرية ،

فحجز في مصحة للأمراض العقلية ، وهناك عاش حيناً بين المجانين . وفي سنة ١٩٢١ بعد أن حصل على درجة الدكتوراه ، استقر في مقاطعة " يون " ونزل إلى ميدان السياسة ، وانتخب عضواً بالمجلس المحلى ؛ ولكنه لم يكن في حياته مثلا طيباً ، بل كان يثير من حوله الريب بسلوكه  وتصرفاته ، فاستقال من النيابة . وخارت حوله الشبهة بارتكاب جريمة قتل لم يقدم من أجلها للقضاء لعدم وجود الأدلة الكافية ؛ فانتقل إلى باريس وافتتح له عبادة بشارع كومار كان ، و كان يحيط نفسه بمظاهر خممة ، ويزع القدرة على شفاء الأمراض المستعصية ؛ وتخصص في معالجة صرعي المغدرات ، واستطاع محت ستار هذا العمل  ان يتجر في المغدرات ، وان يستغل المدمنين ؛ وكشف من عليه بالعقوبة ، ولكنه عاد فاستأنف عمله وتجارته المشينة . ولم يكن يعف عن السرقة البسيطة

فكان يسرق ما تصل إليه يده من تحف انيقة وغيرها . وكان مسرفاً مبذراً ، وكانت حاجته إلى المال تشتد يوماً عن يوم ، ولم تعد تجارة المخدرات تفي بمطالبه وأطماعه ، فعندئذ عول على تنفيذ مشروعه الإجرامي الضخم .

وكانت الفرصة سائحة للعمل المثمر . ذلك أن الاحتلال الآلماني قد آثار الروع والقلق في العاصمة الفرنسية ، وكان كثير من ذوي اليسار من الأجانب والمشبوهين من أهل الحرف والأعمال المريبة يتوقون إلى الفرار من العاصمة إلى الخارج . وإذن فليتقدم الدكتور يبسيو إلي إرشادهم ومعاونتهم على تحقيق هذه الأمنية . وسخر الدكتور بعض الوسطاء لجلب الفرائس ، ومن هؤلاء أربعة قبض عليهم فيما يعد ، في مقدمتهم كاتب مسجل قديم يدعي تيزتديه .

وكان يؤتى بالفرائس تباعاً إلي عبادة شارع كومارثان وهنالك تعقد الصفقة ، ويتمهد الدكتور بالقيام بكافة الإجراءات ، وبأنه سيوصل العميل أو العميلة إلى جمعية خاصة تقوم بتهريبه إلي أمريكا الجنوبية . وبعد أن يعقد الاتفاق يلقي الدكتور نصائحه ، وخلاصتها أنه لا ضرورة لإحضار أمتعة كثيرة ، ويكتفى بما خف حمله وغلا ثمنه  من حلى وأوراق مالية ونقود بحيث لا يزيد ذلك على حقيبتين ؛ وكان المقرر أن العميل إذا لم يكن مليئاً ، ولم تكن أصلابه ونقوده تصل على الأقل إلى مليون فرنك ، فلا داعي للاتفاق معه .

وإليك الآن أروع منظر في هذه المأساة ، وهو منظر يقول التحقيق إنه تكرر زهاء خمسين مرة . عندما يحل اليوم الموعود ، وتأتي الفريسة مثقلة بأسلابها ، إلى عيادة كومارتان ، يسير يبسيو مع فريسته ثوا إلى شارع لسوير . وهناك ينفذان معاً خفية إلى المنزل المنعزل ؛ ثم يقود الدكتور صاحبه إلى غرفة المكتب ، وقد جهزت بمقعدين كبيرين من الجلد . وبعد التحية والسيجارة ، يقول الدكتور إنه سيدخل مضيفه بواسطة مدخل سري إلي المنزل المجاور المطل على شارع آخر ؛ وفي هذا الملجأ السري يجب على الطالب أن ينتظر موعد سفر الفوج الراحل إلي بلاد الآرجنتين . ذلك أنه حرصاً على السلامة يجب

الا يرى الدكتور وصاحبه يخرجان معاً من منزل شارع لسوير ثم يقود الدكتور مضيفه إلي الباب المزدوج المفضي إلي الفجوة السرية المثلثة ؛ وهنالك في جانب الجدار الفاصل بينها وبين المنزل المجاور باب مغلق ذو مصراعين ، ولكنه باب وهمي لا يفضي إلي شئ . ويفرع الدكتور  زراً إلي جانب الباب فلا يأتي أحد . وعندئذ يرجو الدكتور صاحبه أن ينتظر حتى يخرج إلى المنزل المجاور ويفتح الباب بنفسه .

ثم يغلق الدكتور باب الفجوة المزدوج ، وبعد بضع نوان يبدأ العمل الشيطاني ، ويقذف الدكتور إلي الفجوة من ماسورة صغيرة إما بنوع من الغاز القاتل او المخدر القوي فيملأ هواء الفجوة الضيقة بسرعة ويرتد بعد ذلك إلى ناحية الفجوة الخلفية مما يلي الفناء الداخلي ، وبتسلق الحدار ويسلط على الفجوة نوراً قوياً ، وينظر من الثقب ذي العدسة ليرى ما يحدث للفريسة ، فاذا اطمأن إلى نتيجة عمله ارتد إلي المكتب ، وقد يضطر إلى أن يجهز على الفريسة بحقنة قاتلة ، وهو يضع على وجهه قناعاً واقياً .

ثم يحمل الجثة الهامدة وينقلها إلى "الجراج" حيث يضعها مؤقتاً في حفرة أعدت لذلك تحت البلاط . فإذا جن الليل عاد الدكتور إلي المنزل ليتم مهمته ، فيرفع الحثة من مرقدها ويحملها إلي مطبخ المنزل ، وهنالك يضعها على مائدة اللحوم ويعمد إلى تقطيعها إرباً ، ثم يحمل هذه البقايا البشرية في كيس يضعه في دراجته ، ويرميها تحت جنح الظلام في نهر السين أو غاية يولونيا أو غيرها من الأحيا المنعزلة . وقد عثرت الشرطة ببعض هذه البقايا في سنة 1942 ، ووصف الدكتور يول ، الطبيب الشرعي الشهير ، الجاني بأنه رجل من أهل الفن.

ومنذ سنة 1941 ، يتابع الدكتور يبسيو عمله المروع في منزل شارع لسوير دون ان تفطن السلطات إلى جرائمه .

وفي مايو سنة ١٩٤٣ قبض عليه بأمر سلطات الاحتلال بتهمة معاونته في تهريب بعض الأشخاص المشبوهين ؛ واستمر اعتقاله أشهراً ، وأستندت إليه تهم واعمال عديدة ، ولكن أحداً لم يفطن إلى ما وقع في معزل شارع لسوير .

وفي تلك الأثناء استطاع الدكتور بيسييو أن يتصل بأخيه موريس ، وكان يقيم في بلدة أو كسير ، وان يكلفه بنقل أمتعة الفرائس من منزل شارع لسوير ، فصدع بإشارته ؛ وبلغت الحقائب التي عثر بها سبعاً واربعين ، وأدرك لأول مرة ماذا كان يجريه أخوه في المنزل المنعزل .

واستمر اعتقال الدكتور بضمة أشهر ، وهو يرتجف  خوفاً خشية اكتشاف أمره . ولكن أفرج عنه أخيراً ، فهرول إلي شارع لسوير معتزماً أن يصفي كل شئ .

وكان قد ترك في الحفرة عدة جثث لم يوفق إلي التخلص منها ؛ فاستحضر بواسطة أخيه موريس مقداراً من الجير وألقاه في الحفرة مدى حين ، ثم استخرج هذه البقايا البشرية وعمد إلي إحراقها في الموقدين الواقعين في الطابق الأرضي

وهنا حدث ما لم يتوقع . ذلك أن النار سرت إلي المدخنة العليا ، وانتشرت مع الدخان رائحة كريهة مريبة حملت الجيران على أن يبلغوا البوليس ، فجاء رجال المطافىء إلى المنزل المريب ، ونزلوا إلى الطابق الأرضي ، وألقوا في أحد الموقدين جذوات من عظام بشرية ، وبقايا جماجم ظاهرة ، وعثروا فوق ذلك على بقايا جثة امرأة في كيس من القماش .

وعلى أثر ذلك هرول الشرطة إلي المكان وبدأ التحقيق . ولكن الدكتور بيسييو كان على حذر ، فما كاد التحقيق يبدأ حتى تواري عن الانظار ، ولم يعثر إنسان بأثره ، وقبض على زوجه وأخيه ، وبعض الوسطاء . واستمر يبسيو محتفياً زهاء عشرة أشهر حتى تطورت الحوادث ، وبدأ

الغزو ، وحررت باريس ، وما زالت أعين الشرطة ترقبه  وتقتفي آثاره ، حتى جاءت الأنباء الأخيرة بالقبض عليه

ويزعم يبسيو انه برئ ، وأنه ضحية لدسائس الجستابو (البوليس السري الالماني) ، وأنه لم يرتكب إما سوى خدمة وطنه بالانتظام في سلك القوات الداخلية المحاربة ؛ وقد قبض عليه بالفعل وهو في زي ضابط من هذه القوات .

ولكن هذا الزعم تدحضه قرائن وأدلة عديدة استطاعت الشرطة أن تجمعها خلال بضعة أشهر . ومن قبل زعم سلفه لايدرو أنه برئ ، وأنه لم يقتل أية امرأة من اللائى  انهم يقتلهن . وذكر محاميه الأستاذ مورو جافيري أنه برىء يتمتع بقوي روحية خارفة . على أن الذي لاريب فيه أن قضية الدكتور بيسيو سوف تشغل الرأي العام

الفرنسي والصحافة الفرنسية أشهراً ، وسوف تتخذ مكانتها بين أروع المآسي الجنائية التي عرفها القضاء الفرنسي في عصرنا.

وهل لنا أن نقول إن فرنسا تكاد تنفرد وحدها بهذا النوع من الجرائم الاجتماعية الخطيرة ، وأن العالم المتمدن لم يشهد في عصرنا مثل جرائم لاتدرو ويبسيو ، كما أنه لم يشهد مثل الفضائح المالية الكبرى التي اقترنت في فرنسا باسم ستافسكى ومدام هنو ؟ أليس في ذلك ما يتم عن ظاهرة اجتماعية خطيرة ، لعلها تمت بأوثق صلة إلي العوامل التي أدت إلى ذلك الانهيار المؤلم الذي مازالت فرنسا تعاني محنه وآثاره ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية