الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 124الرجوع إلى "الثقافة"

جرائم الريف ومجرموه

Share

الجرائم فى أمة من الأمم بعض أخلاقها . فهى رذائل خلقية لا تقف بصاحبها عند حد تلويثه ، وإنما تدفعه إلى إلحاق الأذى بغيره فتوقعه تحت طائلة العقاب . ويترتب على ذلك أن جرائم الأمة تدل على طباعها العامة وصفاتها الأصيلة ، وأنها وليدة تلك الطباع والصفات .

فالشعب المتصف بالشجاعة تحمل جرائمه طابع تلك الصفة ، والشعب المثقف يرتكب مجرموه من فنون الجرائم ما ينم عن سعة الحيلة وأصالة الرأى ؛ وهكذا تتمشى الجريمة وفق مستوى الشعب الفكرى والخلقى .

وقد تطور تاريخ الجرائم فى مصر مع مختلف العصور ، وعزا الناس ذلك التطور إلى جهود رجال الأمن فى سبيل القضاء على النزعة الإجرامية ؛ ولكن الوقع أن الاجرام فى مصر لم يشذ عن القاعدة العامة ؛ فهو صورة لصفات الشعب النفسية والخلقية .

وقد بلغ من تدهور الصفات النفسية والخلقية لدى العامة فى الريف المصرى أن صارت جنايات القتل فيه اغتيالا ، وجنح الضرب غدرا ، والسرقة خطفا . . . . جرائم تتضح بحقيقة ما انحدرت إليه الطباع .

فالموتور الحانق لا يجابه واثره ، وإنما يتربص به فى حقل نامى الزرع حيث يكمن متدثرا بستار الليل . حتى إذا مر به خصمه أطلق عليه قذيفته القاتلة وولى الأدبار وهو يرتجف رعبا ، ويدور بعينيه هلعا ، وتنقطع أنفاسه جزعا . أما إذا أراد بخصمه شرا أهون من الموت ، جمع عصبته ، وحمل معهم العصى ، وهاجموا ذلك الخصم بينما هو منفرد أعزل ، وبرحوا به ضربا ولكزا . أما السارق فلا يجرؤ

على مداهمة منزل المسروق منه أو حقله ، وإنما ينتهز فرصة غياب صاحبهما عنهما فيملأ أحضانه ما وسعت من المسروقات ويولى هاربا .

ولدى مقارنة هذه الجرائم بما يرتكبه المجرمون فى بعض البلاد الأخرى المتحضرة تزداد خستها وضوحا . فالقاتل فى تلك البلاد يركب ضرورب المجازفة والمخاطرة غير هياب ليفتك بغريمه ، أو يرسم خطة محكمة لارتكاب جريرته . وكم من غاضب حانق تأبى عليه نخوته أن يغتال خصمه ، فيبادر - إذا ما التقى به - إلى تجهيزه بسلاح مماثل لسلاحه ويطلب إليه أن يدافع به عن نفسه قبل أن ينقض عليه ، ويشفى منه أوامه . وكم لجأ المجرمون إلى الوسائل العلمية فتوسلوا بها إلى تحقيق غاياتهم السيئة . .      ولسنا نعنى بما نقول تمجيد أولئك المجرمين . فالجريمة جديرة بالتقزز منها والإزراء بها مهما امتاز مرتكبوها بالجرأة أو الفهم أو بعد النظر . ولكنا نقصد إلى أنها تكشف - كما سبق أن أبنا - عن المرتبة التى وصل إليها البلد الذى ارتكبت فيه من فهم ومن علم . ولا شئ يحز فى نفوسنا مثل ما سجلناه من أن جرائم الريف عندنا تنطق بما آل إليه الروح المعنوى من انحلال مشين ؛ فهى مرآة تعكس حقيقة الخلق العام ، ولا يجوز لنا التستر على الحقيقة المؤلة ، وإنما علينا واجب التنقيب عنها ومواجهتها والتماس أسباب علاجها .

ومما يزيد فى ألمنا ، ويستثير إشفاقنا على هذا البلد من مغبة هذه الحال ، أن للمجرمين فى الريف شأنا لدى الجماهير لا يتمتع بنظيره ذوو الأمر والجاه من سراة القوم أو حكامهم . فالمجرم الذى سبق أن أظهرنا مبلغ لؤم طباعه وإسفاف أخلاقه ، يختال فى طرقات بلده - على ما يتصف به من جبن - اختيال البطل المغوار الفاتك القهار ، ولا يكتفى القوم بتهيبه والتخوف من بطشه ، ولكنهم

يكبرون شأنه ، ويستعظمون تسلله الليل وفتكاته الغادرة تحت ستار الظلام ، غافلين عما تنطوى عليه جرائمه من ضعة نفس وانحلال خلق .

ويرجع السر فى تمتع المجرمين عندنا بتقدير العامة إلى سبين :

الأول - هدوء الحياة فى الريف وإقفارها من أى حادث طريف عنيف يحرك المشاعر ، ويرضى الغريزة الطبيعية النزاعة دائما إلى البطولة ، والتواقة إلى تبجيل الأبطال وتقديسهم ؛ فلا شئ يشغل الريفيين غير خدمة الأرض التى تجرى على وتيرة متسقة مألوفة مملة . والزرع ينمو فى حقولهم بطيئا على نظام طبيعى لا تبديل فيه ؛ ولا غرض يصيبونه من وراء كدهم المضنى طوال النهار ، وفى وهج الشمس اللاذعة ، غير حصد حبوبهم للتبلغ بها ؛ وهم يسمعون مع ذلك فى بعض أمسياتهم الساكنة من شعرائهم الجوالين قصص البطولة العربية القديمة ، فيتقد الدم في عروقهم ، ويصحو روحهم من غفوته ، وبصبو إلى ذلك العهد القديم ، ويحن إلى أبطاله الذين خرجوا على المألوف ، وأتوا بكبريات الأمور ، وخلدوا ذكرهم بالأعمال الخطيرة الباهرة .

وإذا أدخلنا فى حسابنا درجة فهم أولئك القوم وتقديرهم . . لم تدهش لما تراه من خلطهم بين أبطال الحروب الأقدمين وبين مجرمى اليوم السفاكين . فالفريقان عندهم متشابهان فى المخاطرة والتعرض للهلاك فى سبيل التبريز على قرنائهم فى ميدان الفتك والقهر . فالمجرمون فى نظرهم يتحدون سلطان الحكومة ، ويستهينون بصولة رجال الأمن ؛ ولذلك توهموا - على حسب فهمهم السقيم - أن أولئك الخارجين على النظام يحققون خوارق الأمور ، إذ يجابهون - وهم أفراد - قوى الحكومة محشودة مخوفة .

فالآفة عندهم الجهل الفاضح الذى أدى إلى هذا الخطل فى التفكير والاختلال الخطير فى التقدير ، مما يستدعى بذل أقوى الجهد فى سبيل إرشادهم إلى وضح الحق ، وهتك غيابة الحمق والضلال عن أبصارهم .

والسبب الثانى - أنهم يعدون رجال الأمن خصوما لهم ؛ فهم لا يزالون يسيئون الظن بهم ، ويتوجسون خيفة منهم ، ولا يدركون كنه المهمة التى يقوم بها الشرط ! فهم لا يؤمنون بأن هؤلاء منوط بهم المحافظة على سلامة أرواحهم وسلامة أموالهم ؛ وانقلبت عندهم الآية ، فانحازوا إلى الذين يستبيحون ذمارهم ويسلبون متاعهم ، بدل الانحياز إلى حماتهم ونصرائهم ، وقابلوا عصيان العصاة بالتحبيذ والتمجيد ؛ ولم يكتفوا بالسكوت عن جرائرهم ، وإنما بالغوا فى التستر عليهم ، مما ضاعف صعوبة المهنة الملقاة على عاتق القائمين بأمر البلاد ، لأن هؤلاء يعجزون عن أداء واجبهم ، ما لم يساعدهم الشعب على كشف ما يلابس كل جريمة من غموض ، وفضح معميانها ، واقتفاء أثر المجرمين وهتك الأقنعة التى ستروا وراءها حقيقتهم وبقدر ما يبدى الشعب للخارجين على نظمه من آيات الإعجاب والاكبار ، يتمادى أولئك الأشرار فى غيهم ، ويتكاثر عددهم ممن يدخل فى زمرتهم من كل دنئ النفس طامع فى كسب المال والتمتع بالجاه من أهون سبيل . وكيف لا يتسابق مرضى الذمم فى مضار لا يلبث أن ينتهى بهم من غير كبير عناء إلى مرتبة لا يدركها أولو الفضل والاستقامة ، ويصيبوا من الشبع كفايتهم بعد السغب ، ومن نباهة الذكر غايتهم بعد الخمول ؟ كيف يرفض مثل هؤلاء أن يرفعهم الشعب إلى مقام أبطاله من غير أن يكلفهم الأمر غير غارة بعد غارة فى الليالى القائمة ، يتخذون ظلامها ستارا واقيا ، ويعتمدون عند الهرب على سيقانهم العداءة ، وبيتون بعد ذلك فى هدوء واطمئنان بال ، لا يخشون أن

يشى بهم واش ، أو يفضح سرهم نمام ؟ وهكذا تفشت الجرائم تفشى الوباء الذى يربى فى البيئات الرجسة أخطر إرباء ، وينتقل بين واهنى النفوس بالعدوى . ولا يحسن من يريد الوقوف على مبلغ انتشار الجرائم فى مصر أنه يحقق بغيته بمجرد مراجعة إحصائها الرسمى ، لأن ذلك الاحصاء لا يتضمن غير الجرائم التى وصل علمها إلى جهات الاختصاص بها . والواقع أن أكثر حوادث الاجرام تبقى مجهولة لدى أولى الأمر محوطة بسياح من التكتم ، لأن المجنى عليهم يخشون فى أغلب الأحيان انتقام الجناة من كل من يحاول منهم أن يحتمى فى كنف الحكومة من بطشهم . وهم كذلك لا يفقدون الأمل فى تعويض الضرر المحيق بهم عن طريق الاستنجاد بفريق من الأشرار يقتص من الفريق المعتدى ، أو عن طريق دفع ( الحلوان ) لاسترداد المتاع المسروق .

وهكذا اطمأن الجناة فى الريف إلى حصانة يجهل أمرها الحكام ، وظل العدد الأكبر من أوزارهم فى حرز الكتمان . وإذا كان العدد الأكبر من الجنايات يصعب إخفاء معالمه ، فمما لاشك فيه أن بعض جنايات القتل والشروع فيه والضرب المفضى إلى تخلف عاهات مزمنة والحريق والسطو ، يحدث على مرأى من الشهود الجبناء ، ولا يبلغ خبره مسامع الحكام ولا أدل على ذلك من تعدد الأفراد الغائبين من غير أن يعلم أحد بسر اختفائهم ، ومن ظهور جثث مضت على وفاتها حقب من غير أن يكشفها كاشف ، حتى شاهت فاستحالت معرفة أصحابها ، ومن استخراج بعض الرمم من قبورها على أثر بلاغ مرسل من مجهول يزعم فيه أن موت أصحابها كان جنائيا . فتثبت صحة البلاغ بعد الفحص والتحقيق ، ولولا ذلك المجهول لبقيت الجريمة مستورة . ومن يحل جولة فى الريف يسمع أخبار أروع الجرائم التى ارتكبت وبقى سرها مكتوما ، ولا يجد مشقة فى التحقق من صحة ما يقال عنها .

على أن انتشار السرقات من غير أن يلقى مرتكبوها جزاءهم هو أدعى إلى قلق البال وأولى باهتام رجال الحفظ من جرائم القتل والضرب ، لأن رخاء البلاد يتوقف قبل كل شئ على اطمئنان الأهالى على سلامة أموالهم ؛ فما من شئ يشغل بال المجاهدين المنتجين ويثبط هممهم مثل تعرض نتاجهم فى آخر الأمر للضياع . وقد رأينا الزارع فى الريف يعانى من صنوف النصب المنهك ألوانا وهو يبذر حبه ويتعهده حتى يزهر ويثمر ، فلا يأمن فى النهاية جانب الطامعين فيه ، ولا يستطيع رد غائلة سارقيه .

وللجرائم فى الريف مواسم يتفق ميعادها ومواسم المحصولات ، وأكثر ما يسرق محصول الأذرة الذى هو قوام أود الزراع ؛ فلا يكاد صاحب الحقل يفرح بقرب نضج أذرته حتى يبدأ سارقوه بخلع الكيزان من أبراجها . ولما كان ضياع ذلك المحصول معناه لدى صاحبه المنكود الجوع والعرى ، فإنه لا يجد بدا من تعويض خسارته بالتعريج على غيط جاره وسرقته بدوره ؛ ويجنح ذلك الجار إلى الأرض التى تليه فيعبث فيها هو أيضا ، وهكذا ، حتى تضطرب الحال ، ولا يفوز وسط هذه الفوضى إلا من كان أجرأ على النهب وهضم الحقوق . وتجرى هذه السرقات الليلية طى الخفاء ، ولا يفكر واحد من المجنى عليهم فى الالتجاء إلى رجال الأمن لإنصافه ؛ ذلك لأنه يعلم علم اليقين أن أحدا لن ينصفه ، وأن شكواه لا تجدى إذا كان لا يتهم بالسرقة فردا معينا ، ولا يأتى بشهود عدول يؤيدون اتهامه . وأتى له معرفة سارقه الليلى ؟ ومن أين له الشهود فى مثل هذه الحال ؟ .

فإذا أراد رجال الحفظ أداء واجبهم على الوجه الأكمل وجب ألا يخالوا مهمتهم منحصرة فى تمحيص الشكاوى المقدمة إليهم وتحقيقها . وإنما عليهم أن يقوموا بعمل أبعد مدى وأنأى غاية . عليهم بث العيون والأرصاد للتثبت من حقيقة حال الأمن ، والتنقيب عن كل جرم محوط

بسياج الكتمان . عليهم توطيد النفس على محاربة الاجرام ، واستئصال شأفة المجرمين . عليهم أن يفهموا موقفهم على حقيقته ، فهم لو يتولوا وطائفهم إلا للقضاء على كل إخلال بالأمن والنظام . فإذا حققوا هذا الغرض أصابوا الغاية المنشودة ، وإذا لم يحققوه خانوا أجل أمانة طوقت عنق إنسان . إنهم خصوم أولئك الجناة الأشرار . ولا أظن أحدا ممن نيط به شرف حماية الحقوق الإنسانية يقبل على نفسه الهزيمة فى ميدان مثل هذا الكفاح . ولن يتاح له النجاح فى جهادهم إلا إذا قضوا على الوهم المتسلط على عقول الأهلين فيما يتعلق بمكانة المجرمين وعلو شأنهم . وعليهم كذلك أن يشعروهم بإهتمام أولى الأمر بحالهم وحرصهم على حماية كل مجنى عليه من أذى الجناة . ولابد كذلك من إفهامهم أن واجب كل رجل شريف يقضى عليه ببذل جهده فى سبيل التعاون على صيانة الحقوق والضرب على أيدي العابثين بها . فإذا فازوا بعون الأهلين سهل عليهم تدبير حملة منظمة يشنونها على الجناة ويطهرون البلاد من شرورهم . ويستطيع خطباء المساجد والوعاظ أن يقوموا بدعاية جدية واسعة النطاق لتحقيق الغرض الذى بيناه . أما مهمة تطهير البلاد من أشرارها فلن تكون عسيرة بقدر ما يبدو للنظرة العاجلة . ومن رأينا البدء بمكافحة سراق المحصولات ؛ إذ بين هؤلاء يندس سائر المجرمين الذين لا يحجمون عن ارتكاب أية موبقة . هذا إلى أنه يسهل ضبط أولئك السارقين ، لأن المحصول المسروق يباع فى حوانيت البدالين المنتشرة فى الكفور . ويجتمع السراق عندها فى كل مساء بعد العشاء لاستبدال مسروقاتهم بالتبغ والقهوة والشاى . ويجلسون هنالك علانية يدخنون لفائفهم مطمئنين ، ويشربون سوائلهم متفاخرين بما جنت أيديهم . ولا يهتم أصحاب الحوانيت بإخفاء المسروقات المكدسة لديهم . لأن أحدا منهم لم ينله أذى من جراء اتجاره مع المجرمين . . . . ففى هذه البيئات يجد الشرط

الوجوه المشبوهة . فإذا راقبوا أصحابها سرا استطاعوا أن يباغتوهم أثناء ارتكاب جرائمهم .

ويقع جزء كبير من مسئولية انتشار الجرائم فى الريف على عاتق خفراء الكفور ؛ لأن السراق يعودون بمسروقاتهم إلى تلك الكفور ليلا ، فلا يتعرضون لهم ، ولا يعنون حتى بسؤالهم عن سبب حمل ما يحملون فى مثل ذلك الوقت المريب .

فإذا خطا رجال الأمن خطوة فى سبيل تضييق الخناق على المجرمين ، وشعر الشعب بأنهم أخذوا يخضدون شوكة المعتدين ، وبدأ يعاونهم فى جهادهم ، توطد لهم سبيل النجاح ، وحق لهم لدى نجاحهم أن يفخروا بأداء أجل خدمة للبلاد . . . .

اشترك في نشرتنا البريدية