الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

جريمة نكراء

Share

في مساء السبت الأسبق وقع حادث إجرامي مروع ذهب ضحيته رجل من رجال السياسة المعروفين هو المغفور  له أمين عثمان باشا . وقد أعاد هذا الحادث للذاكرة مقتل لزعيم السياسي الطيب الذكر المنفور له أحمد ماهر باشا ولم يمض عليه إلا قرابة عام .

وتكرر هذه المأساة في هذا الزمن القصير خليق بأن يفتح العيون على أن هناك عوامل في حياتنا العامة فهي لهذا الهوس الإجرامي ، وهو خليق بأن يحملنا على التفكير الجدي في إقتلاع أسباب هذه الموجة الإجرامية التي تهدد حياة كل رجل يشتغل بالسياسة بغض النظر عن عروبته ومذهبه السياسي .

ومن المقطوع به أن هذه النزعة الإجرامية محصورة دائرة محدودة هى الشبان ذوى الأعصاب المريضة . لا تكن أن يجول بخاطر رجل متزن أن ينتهك حرمات بشعائر ويقدم على قتل رجل لأنه يخالفه في رأي أو لأنه يقيس الأمور العامة بغير مقياسه . وإنما يحوز هذا على شئ تحتمل الأعصاب مضطرب التفكير تأثر الوجدان شل في حياته ، فمن السهل أن يقع مثل هذا الشاب فريسة لثرثرات خاطئة ويندفع بلا روية ولا تبصر في هاوية الإجرام والخطيئة

وأمثال هؤلاء الشبان الشاذين يعرفون في الأوساط التي يعيشون فيها بسيماهم ؛ فهم في الغالب يعتزلون الجماعات  ويفروون من مشاركة رفقائهم في العابهم وحياتهم الأجتماعية ، وهم متمردون لا يخضعون للنظم والأوضاع ، متشائمون ينظرون إلى كل ما يقع عليه بصرهم بمنظار وهم بانطوائهم على ذوات نفوسهم ونفورهم من الأمتسال برفاقهم يعيشون في أحلام وخيالات يستسينون التفكير المنطقي المستمد من الواقع

والمحات . فهم في الواقع مرضي خليقون بأن يوضعوا في المصحات أو ننشأ لهم معاهد خاصة يعالج فيها شذوذهم وتروض فيها طبائعهم المنحرفة

ولكنهم هنا يعيشون كما يعيش الناس ويتصرفون بمطلق حريتهم كثيرهم من الشبان الماديين .

ولو أن الجو المحيط بهم هادئ خال من الزعازع والأعاصير لكان الأرجح أن يقف شذوذهم عند حد العبث بحياتهم الخاصة .

ولكن الجو الذي خلفته الحرب والاضطراب الذي خلقه النزاع السياسي العنيف القائم في هذه البلاد ، هذا الجو قد أناح لشذودهم ميداناً جديداً يعيشون فيه ، وبقضون في مشاكله بعقولهم المعتلة وأذهانهم الكليلة وأعصابهم المختلة المريضة .

 ومما يؤسف له أن الخصومة السياسية لدينا قد جاوزت كل حدود الإعتدال ، وأن كل فريق يصطنع في حملته على خصومه أعنف الأساليب ، وأن الخلاف السياسي قد وصل إلي تقاطع متعصب وإتهام متبادل لا هوادة فيه . فلا غرابة إذا كان لهذه الحملات صداها في تلك النفوس الهوجاء الغريرة ، ولا عجب إذا أنتجت مثل هذه الثمرات المريرة التي نتجرع اليوم غصئها .

فالسيل الصحيح لإيقاف تيار هذه النزعات الإجرامية هو أن يصفو الجو بين الزعماء ، وأن يكون الخلاف بينهم جدالاً متعقلاً عادئاً رزبنا ، وألا يحول تباين الأراء دون معرفة أقدار الرجال وإبلائهم جميعاً ماهم خليقون به من الاحترام .

ولعل من الخير العمل على إبعاد الشباب الناشئ عن دائرة الحياة السياسية العملية ، وقطع إتصال الأحزاب بالطلبة ، وترك الجو الدراسي في دائرته البريئة ، وعدم الزج به في خصومات رجال السياسة .

وكم نود أن تكون هذه الحادثة الأليمة فرصة لتقارب المتنازعين وإصلاح العلاقات بينهم ، وألا يجعل منها بعض قصار النظر فرصة جديدة للتقاطع وإيقاظ الفتن النائمة وتحريك الأحقاد الكامنة .           ( ... )

اشترك في نشرتنا البريدية