توفي هذا الشاعر النقادة الصحافي الإنكليزي الكبير فاندك بموته صرح منيف من صروح الأدب الإنجليزي المعاصر.
نشأ نشأة متوسطة، ولم تعترضه ظروف قاسية كالتي تعترض لذاته من الأدباء عادة، ولذا عاش حياة كلها مرح، وقضى عمره الغنى الحافل في خدمة الأدب في جميع وجوهه، ومال منذ حداثته إلى قرض الشعر فنظم قصائد متواضعة ثم اشتد باعه فنظم القصائد
الرائعة التي مكنت له في عالم الأدب، ورفعت اسمه فوق أسماء الأدباء. وكل عارف بالشعر الإنجليزي لا ينسى قصيدتي تشترتون (نابليون نوتنج هل) ، و (الفندق الطائر) . تشسترتون يشبه رديارد كبلنج في شدة حبه للإمبراطورية، ويشبه جون درانكووتر في تفانيه لخدمة اللغة الإنكليزية والأدب الإنجليزي
بيد أن قيمة تشسترتون كأديب عظيم لا ترجع إلى أشعاره، ولكن إلى كتاباته في نقد الأدب والحياة والاجتماع. فلقد جال جولات واسعة في أمريكا وفلسطين فنقد كل مرافق الحياة في الأولى في مجلد ضخم، ثم كتب تاريخاً حافلاً للحروب الصليبية ضمنه موجزا لتاريخ فلسطين. وقد آمن بعد تجواله في هذه الأقطار بوجوب استقلال الفلاحين وتدريبهم على حياة التعاون فيما بينهم بما ينفعهم، ولم ينس أن ينصح بمثل ذلك للإنجليز أنفسهم عندما كتب تاريخه المفيد
وبالرغم مما يدعيه هذا الكاتب الإنجليزي من كرهه لطرائق السفسطائيين الإغريق فانه لم يكن سفسطائي أكبر منه في إنجلترا ولا في العالم أجمع في العصر الذي نعيش فيه. وكان معروفاً عنه أنه متى ما رأى رأياً ولو كان خطلاً في خطل فانه ما يني عن سنده بالحجج وإقامه بالبراهين، وإن تكن حججه وبراهينه دائماً أوهى من خيوط العنكبوت، ولكن قارئه برغم ذلك يكب عليه إكباباً عجيباً، ويشغفه منه هذا الترقرق في سوق حججه، وذاك البيان السهل، والأسلوب الأخاذ، والعبارة الطلية الهينة التي يغطى بها ضعف براهينه. وكان بطبعه هذا ميالاً إلى المبالغة والتهويل، ولذا كان يقع في التناقض دائماً. واليك مثلاً من تناقضه العجيب في فصل عقده عن (استقامة الرأي) ، قال:
(لا ينشأ الجنون من إدمان التفكير، ولكن من التعقل (!!) فقلما يصاب الشعراء بالخبل، في حين يأفن لاعبو الشطرنج وتنتهي حياتهم إلى العته. والرياضيون والصيارفة كذلك طالما يصيبهم الجنون أو على الأقل اللوثة، في حين يحيا الفنانون حياة سليمةً برغم أنهم دائماً يعملون قرائحهم ويبتدعون ويخلقون. وأنا بقولي هذا لا أناقض المنطق ولا أهاجم المناطقة، ولكني أقرر أن الشر كل الشر في المنطق والمناطقة. . لا في التفكير. . .)
وقد ساق درنكووتر في خلاصته عن الأدب أمثالاً أخرى عن تناقض تشسترتون (ص ٩١٦) نحيل إليها القارئ
والذي سيخلد من كتابات تشسترتون هي فصوله الممتعة في نقد الأدب والأدباء؛ وسيبقى كتابه عن (دكنز) ثروة عظيمة
للمتأدبين بالأدب الإنكليزي.

