يقول سليم بك المتحوري في ترجمته للسيد جمال الدين ، على ما جاء في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام تأليف السيد محمد رشيد رضا :
" وهو بالجملة والتفصيل آية من آيات القرن التاسع عشر ، ومعجزة من بدائع معجزاته"
والسيد جمال الدين الأفغاني ، على اختلاف الناس فيه وعلى كثرة خصومه واعدائه في الحياة وبعد الممات ، آية من آيات القرن التاسع عشر ومعجزة من بدائع معجزاته ؛ بل أمل الشرق منذ قرون لم يلد مثل السيد جمال الدين الأفغاني.
ويقول أرتست رينان في مقال كتبه في جريدة الدببا الفرنسية في مايو سنة ١٨٨٣ :
" لقد تعرفت بالشيخ جمال الدين منذ نحو شهرين فوقع في نفسي منه ما لم يقع لي إلا من القليلين ، واثر في تأثيرا قويا . . وقد خيل إلي من حرية فكره ونبالة شيمه وصراحته وانا تحدث إليه ، أني أري وجها لأحد معارفي من الأقدمين ، وأتى أشهد ابن سينا أو ابن رشد ، أو بعض أولئك الملحدين العظام الدين ظلوا خمسة قرون يعملون على تحرير الإنسانية من إسارها "
اختلف الناس في أمر السيد جمال الدين حتي ليقول الشيخ محمد عبده فيما كتبه من سيرته :
" يحملنا على ذكر شيء من سيرة هذا الرجل الفاضل ما رأيناه من تحالف الناس في أمره ، وتباعد ما بينهم في معرفة حاله ، وتباين صوره في مخيلات اللاقفين لخبره ، حتى كأنه حقيقة كلية تجلت في كل ذهن بما يلائمه من قوة روحية ، قامت لكل نظر بشكل يشاكله ،
يختلف الناس في السيد جمال الدين : هل هو أفغاني
النشأة ، أم هو إيراني ، وهل هو شريف ينتسب إلي الحسين بن علي ، أم هو ليس بشريف ولا حسيني ؛ ويزعم بعض الناس انه من الشيعة ؛ ويقول آخرون بل هو سني حنفي المذهب ؛ ويري رينان وغير رينان انه كان ملحدا من عظماء الملحدين ، ويمثله ببعض المترجمين له رجلا سياسيا ، ويجعله آخرون مصلحا دينيا .
ولسنا نقصد إلي تمحيص ما اختلف الناس فيه من أمر الرجل ، ولا إلي تفصيل سيرته ؛ فقد كتبت في ذلك الكتب باللغات المختلفة ، وسيكتب الناس في السيد جمال الدين ما ذكروا نهضة الشرق الحديثة التى هو بلا ريب حامل لوائها .
إنما تريد أن نعرض لبعض الجوانب التي قد تبدو صغيرة في حياة العظماء . ذلك بأن بعض الجوانب الصغيرة في حياة الناس قد تكشف عن سر عظمتهم بأكثر مما تكشف الجوانب الفخمة التي تسترعى كل نظر .
جاء في ترجمة سليم بك العنجوري التي سبقت الإشارة إليها وصفا للسيد جمال الدين :
" أسمر اللون إلى صفرة ، مفلفل الشعر أسوده ، نحيف البنية ، أهيف القامة ، جذاب الملامح ، خفيف العارضين ، حاد البصر ، يكاد يتطاير الشرر من حدقته ، يابس السواد ويتزيا بزي العلماء ، طلى الكلام ، ذرب اللسان ، فصيح اللهجة ، بليغ العبارة ، مليح النكتة ، سمح الكف ، طلق اللحيا ، وقور السمت ، يجتنب النساء ، ويفطم نفسه عن الشهوات ، يكره الحلو ويحب المر ، وقلما خلت جيوبه من خشب السكينا والراوند ، يتنقل بهما تفكها ، يأكل الوجبة " مرة كل يوم " ولا يأكل إلا منفردا ، يكثر من شرب الشاي والتبغ ، وإذا تعاطي مسكرا فقليلا من الكونياك " .
وبعد ان نقل السيد رشيد رضا رحمة الله عليه ترجمة العنجورى للسيد جمال الدين في شرح سحر هاروت ، علق
عليه بقوله :
" وقد اطلع الأستاذ الإمام علي هذا الشرح أيام كان مقيما في بيروت واجتمع بالكاتب فأقنعه بأنه مخطئ فيما وصف به السيد من الإلحاد فبادر إلى تخطئة نفسه في الجرائد ... أما ما ذكره العنجوري عن عادته في أكله وشربه ففيه الخطأ والصواب ؛ فقد كان يأكل الوجبة ولكنه لم يكن يأكل وحده ، وقد كان يكثر من شرب الشاي ولم نسمع حتي من أعدائه انه كان يشرب المسكرات ؛ فإن لم يكن ما قيل من شربه القليل من الكنياك قرية ، فيحتمل ان يكون له شبهة ، كان يكون رآه الناقل بشرب شيئا يشبه الكنياك ، أو يكون شرب ذلك القليل تداوبا فظنه الناظر عادة "
وهذا الفرض الأخير الذي يفرضه السيد رشيد رضا رحمة الله عليه يتفق مع حال فيلسوف يقول رينان حين رآه أنه خيل إليه أنه يري ابن سينا أو ابن رشد ، وابن سينا يقول في وصيته التي أوصي بها بعض أصدقائه وهو أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي :
" وأما الملذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة وإبقاء الشخص او النوع او السياسة ؛ أما المشروب فإن يهجر شربه تلهيا بل تشفيا وتدويا " .
ومن العجيب ان الناس اختلفوا حتى في صفات السيد جمال الدين الجسمية ؛ فبينما يقول سليم بك العنجورى ما أسلفنا يقول أديب إسحق :
" عرفت صاحب الترجمة بمصر ، وكنت من مريديه ومحبيه طول مدة الإقامة بالمحروسة والإسكندرية ، فكلامي في ترجمة حاله عن علم واختبار . . والعهد بهذا الحكيم انه أحمر اللون ، ربعة ممثلئ ، قوي البنية ، جذاب النظر ، نافذ اللحظ خفيف العارضين ، مسترسل الشعر ، بجبة وسراويلات سوداء تنطبق على الكاهلين ، وعمامة صفيرة بيضاء على زي علماء الآستانة ؛ وانه عزب ، عفيف النفس ، فانت كثير
القيام ، لا ينام إلا الغلس إلي الضحي ، ولا يأكل غير مرة واحدة في اليوم ؛ علي انه يكثر من شرب الشاي والتدخين ، قوي العارضة ، ميال إلى المعارضة ، طويل الحجة ، واسع المحفوظ ، نبيه يكاد يكشف حجب الضمائر ، ويهتك أستار السرائر ، ولكنه على فضله لا يسلم من حدة المزاج " .
فهل كان السيد جمال الدين " أسمر اللون إلى صفرة مفلفل الشعر أسوده نحيف البنية أهيف القامة " كما يقول العنجورى ؛ أم كان قوي البنية . . مسترسل الشعر " كما يقول أديب إسحق ؟
وربما كان أديب إسحق أولى من صاحبه بمعرفة السيد الأفغاني ، وبالقدرة على تصويره ، فإن العنجورى نفسه يصور في ترجمته للسيد جمال الدين صلة أديب إسحق به صلة قوية فيقول :
" وبعد أن ذهب المنشئ الكاتب أديب إسحق إلى الإسكندرية قصد تمثيل الروايات تحت رياسة الفاضل المغفور له سليم نقاش ، سنحت عوارض قضت بإلغاء التمثيل فأصبح أديب خالي الوفاض بادئ الإنفاض فبعث به المرحوم حنين الخوري إلى القاهرة مصحوبا بكتاب وصاة إلى جمال الدين فأحسن هذا لقياه لما توضحه فيه من امارات الذكاء ومخابل النجابة ولزمه ثمة ملازمة اللام للألف ، وأقبل عليه إقبال الهائم العاني الكاف . . "
أما الشيخ محمد عبده فيصف أستاذه بقوله : " ربعة في طوله ، وسط في بنيته ، قمحي في لونه ، عصبي دموي في مزاجه ، عظيم الرأس في اعتدال ، عريض الجبهة في تناسب ، واسع العينين ، عظيم الأحداق ، ضخم الوجنات ، رحب الصدر ، جليل في النظر ، هش بش عند اللقاء " .
يكاد يتفق المؤرخون على أن السيد جمال الدين الأفغاني كان حاد الطبع عجولا يقول العنجورى " ولو لم يكن طموحا إلي المعالي بإفراط وإعجال ؛ وعاجزا عن كتمان مبدئه وغايته ، لرحب به التاريخ وأفرد له
من أصفاره صفحات تتري ، زينها برقم أعمال مجيدة تكون قدوة للآنين وذكرى .
ويقول أديب إسحاق : " ولكنه على فضله لا يسلم من حدة المزاج " . والشيخ محمد عبده يصف أستاذه بحدة المزاج أيضا في أسلوب يكاد ، لما فيه من فرط التلطف مع الحرص على بيان الواقع ، ينتهي إلي شبه تناقض . يقول :
" أما أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفائه ، وله حلم مثل يسع ما شاء الله أن يسع ، إلى أن يدنو منه أحد ليس شرفه أو دينه ، فينقلب الحلم إلي غضب ، تنقض منه الشهب ؛ فيبقيها هو حليم أداب ، إذا هو أسد وئاب . وهو كريم يبذل ما بيده، قوي الاعتماد على الله ، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر ، عظيم الأمانة ، سهل لمن لاينه ، صعب علي من خاشنه طمرح إلي مقصده السياسي الذي قدمناه ، إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان ، وهو قليل الحرص على الدنيا ، بعيد من الغرور بزخارفها ، ولوع بعظائم الأمور ، عزوف عن صغارها ، شجاع مقدام لا يهاب الموت ، كأنه لا يعرفه ، إلا أنه حديد المزاج ؛ وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة "
ما بال هذه الحدة التي شعرت بلطافة السيد جمال الدين الأفغاني ، وخاصة تلاميذه ومريده ، انها كثيرا ما هدمت ما بنت فطنته وجنت على ما كان ينتظر لآثاره من الكل العظمي في التاريخ ؟
ألا يكون خاو حياة هذا الرجل العقيم من كل أثر للمرأة سببا من أسباب هذه الحدة ، وما يتصل بها من عوامل الإخفاق . كان السيد جمال الدين يتجنب النساء كما قال العنجورى . وكل ما عرف من تاريخ السيد يشهد بذلك .
بدأ السيد حياته حياة السفر والجهاد ، واقتحام
القمرات في الثلمنة عشرة من سنه . وظل مجاهدا رحالا مقتحما للقمرات حتي استدرجة السلطان عبد الحميد إلى الأسر الذي مات فيه .
عاش الرجل جنديا في ميدان الكفاح لا هم لنفسه إلا ان يدمر كل صرح للاستبداد والظلم في الشرق الإسلامي العربي ، وأن يشعر أهل ذلك الشرق بعزتهم وكرامتهم وحقهم في الحرية ؛ يعمل لذلك سرا ويعمل لذلك جهرا ، يسهر لذلك ليله فلا ينام الليل إلا غرارا ، ويتبلغ من القوت مما يقيم صلبه فقرا عن رقه العيش وعزوقا عن رقه العيش حتى لقد نسي لذات الحياة وألف عيشة لا يستطيعها إلا رجل عبقري فيه كل ما في العبقرية من شذوذ عجيب :
ومن أجل هنا تكاملت في السيد جمال الدين كل نواحي القوة ، وتضاءات كل نواحي الضعف ، حتى ما كان منها ضروريا بالمتعادل بين قوي الإنسان كيلا يطغى بعضها على بعض
ولقد طنت قوة السيد جمال الدين على الضعف الإنساني كله طنيانا خرج بها عن الحدود القدرة للكمال وللدجاح . لا تذكر للنساء في تاريخ السيد جمال الدين ، ولم يتحدث متحدث عن أم له ولا اخت ، ولم يذكر ذاكر له زوجة ولا صدينة ؛ بل لسنا نجد في شئ من اكاره كلاما في المرأة أتاهم إلا العنجورى يقول في بعض ما كتبه عن السيد ومقامه في مصر أيام إسماعيل :
وكان قبل ذلك قطع في الإسكندرية بضعة أيام خطب في أثنائها بقاعة ( زيزينيا ) خطبة في النساء حيث الوفا من الفرنكات فوزعت بإشارة منه على الفقراء ".
وكنا نود ماذا قال في النساء السيد الافغانى ، وهل كان حين يتحدث فيهن على عهده ؟ كما يقول سليم بك العنجورى : " حاد البصر بكاد يتطاير الشرر من حدقتيه " .
ومن العجيب أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لم يكتب شيئا يتصل بالمرأة إلا في غياب السيد جمال الدين عن مصر .
أما ما كتبه الشيخ محمد عبده في اثناء ملازمته لأستاذه في مصر وفي غير مصر فلا حديث فيه عن النساء وإصلاح حال النساء .
وهذا يدل على السلطان العظيم الذي كان لحكيم الافغانى على نفوس تلاميذه . وهذا السلطان واضح كل الوضوح في تلك الطبيعة الروحية التي تدمغ كل من اتصل بالسيد جمال الدين من التلاميذ والمريدين على تفاوت في الكنية لا في الكيفية .
ومن أبلغ مظاهر هذا الأثر ما كان يصف به تلاميذ السيد أستاذهم حين يوجهون إليه الخطاب . وقد أشار إلى ذلك سليم بك العنجورى إذ يقول في الشيخ محمد عبده وإبراهيم الافغانى : " كما كان بتعليمهما له في الموت والالقاب من مثل - مهبط أسرار الحكمة واسطرلاب فلك البلوم وراسطقس هيولي الفلسفة - إلي غير ذلك مما اعتادا ان يصفاء سبب نماء شهرته وانتشار صيته وتجد في الجزء الثاني من تاريخ الأستاذ الإمام كتابا منه إلى السيد جمال الدين عقب النفي من مصر إلى بيروت أوله :
" أوتيت من لدنك حكمة أقلب بها القلوب ، واعقل العقول ، واذل بها شوامخ المصاعب ، وانصرف بها في خواطر النفوس ، ومنحث من لدنك عزيمة أتمتع بها الثوابت ، وأصدع بها شم المشاكل ، وأثبت بها في الحق حتى يرضي الحق " .
وفي هذا الكتاب : " ونحن الآن في مدينة بيروت نقضي بها مدة ثلاث سنوات لا لذاب جنيناه ولا جرم اقترفناه فقد قضت حكمك القائمة منا منام الإلهام في قلوب الصديقين ان ننال الحق ولنا الحجة الباهرة ، ونصيب الغرض ولما البراءة الظاهرة والذمة الطاهرة .
وقد يكون معذورا من يتسم من أمثال هذه الأساليب أريج بعض التقاليد الشيعية .
واعتماد السيد جمال الدين في مساعية الإصلاحية على الجمعيات السرية في مصر وفي غير مصر قد لا يكون خالصا من أثر بعض الأساليب التي تعتمد عليها فرق من الشيعة .
والسيد جمال الدين من الشيعة كان أم من أهل السنة قد تسامى عن كل معاني التعصب لفرقة من فرق المسلمين بل هو قد تسامى عن كل معاني التعصب الضيق الذي يلقى بين الناس إحنا وعداوات وإذا كان السيد جمال الدين قد اثار في الشرق عاطفة التذمر من الغرب فما ذاك إلا أنه كان عدوا للعالم كله . وكان يحارب في الشرق ظلم الظالمين ، وكان يريد للشرقيين إلا يحتملوا من الغرب ظلما ولا هضما .

