الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 192الرجوع إلى "الثقافة"

جمال الدين الأفغانى

Share

يعجبني أحيانا طريقة القدماء في ترجمة العظماء ، فيختفي المترجِـم ويبرز المترجَم ويكتفي بذكر الأحداث التي حدثت للعظيم وتصرفه أمامها ، والكلمات التي فاه بها ، ونحو ذلك ؛ ويترك القارئ يفهم منها ما شاء ، ويستنتج منها ما شاء ، ويقوّم ما شاء ؛ لا علي شرحه وتفسيره ، ولا يفرض على القارئ فهمه ، ولا يتحكم هو في رسم الصورة التي يراها ، وذلك ما فعل الأصفهاني في الأغاني ، وياقوت في معجم الأدباء ، وابن خلكان في وفيات الأعيان ، وغيرهم من مؤرخي العرب .

وقد قرأتُ في هذه الأيام ترجمة للسيد جمال الدين من هذا القبيل ، اكتفي فيها المترجم - غالبا - بنقل آراء الأستاذ وأقواله وأحداثه ؛ وجعل ذلك كله يصور

الأستاذ كما يشاء القاريء(1) ؛ وقد استوقف نظري بعض أحداث وأقوال أعجبتني ، أرويها كذلك من غير تعليق :

١ - قال له " المحزومي " يوما : إن بعض الأصدقاء يرغبون في الحصول على ترجمة الأستاذ ، فقال له : " قل لهم : إن العيان لا يحتاج إلي ترجمان ، قل لهم ما قال فلان عنى ( وفلان هذا عدو من اعدائه ) إنه " بربري " أي متشرد أو أفاق ، وأي نفع لمن يذكر أنني ولدتُ سنة ١٢٥٤ وعمرت أكثر من نصف قرن ، واضطررت لترك بلادى، وأُ كرهت على مبارحة الهند ، وأجبرت على الابتعاد عن مصر ؟ "

٢ - ولما جمع المخزومي هذه الوقائع استشار الأستاذ في اسمها ، فقال : سمها " خاطرات " فقال المخزومي : إن بعض الأصدقاء ، نبهني إلي أن هذه اللفظة غير صحيحة في اللغة ، والأقرب للصواب أن نسميها "خطرات" أو "خواطر " فقال : قل ( خاطرات) ولا تبال بمن فسد لسانـهم ولا يَصلحون إلا للأجوف والمهموز ، ولا يحسنون جملة تنقر حبة القلب أو تطرب السمع ،

وكتبَ يوما كلمة بعنوان " سياسة بقروتية في مملكة فرعونية " فاعترض عليه في كلمة بقروتية ، فقال : كيف صلح قولهم "ملكوت " و " جيروت " ولا يصح لى أن أقول " بقروت" ونظير هذا قوله : لا يصح للسماعي والقياسى أن  يمنع أحدهما الآخر ، فإذا جاز بالسماعي " أن ينحرف " جاز بالقياسى " أن ينعوج " .

٣ ولما جاء مصر أعجبه برنامج الماسونية من دعوة إلي " الحرية والإخاء والمساواة " , فانضم إليها ، وعرض عليهم في الحفل يوماً إعانة لأحد الإخوان ، فسأل " الأستاذ " : هل الأخ مريض ؟ قالوا : لا قال : هل

هو صحيح البنية ؟ قالوا : نعم . فقال : "صحة البدن وذل السؤال لا يصح أن يجتمعا لإنسان " .

وحضر مرة اجتماعاً فيها ، فقال أحد الخطباء : " إن الماسونية لا دخل لها في السياسة " فعجب جمال الدين كل العجب من أن الجمعية التي برنامجها "الحرية والإخاء والمساواة" لا ترفع صوتـها لرد الحرية إلي مسلوبـها ، وانفصل من الجمعية وكون محفلاً وحده .

4- ولما أُخرج من مصر ذهب بعض محبية إلي السويس يحملون له مقداراً من المال ، عرضوه عليه وسألوه أن يقبله قرضاً فقال لهم : " أنتم إلي هذا المال أحوج ، والليث لا يعدم فريسته حيثما ذهب " .

5 - ولما استدعاه السلطان عبد الحميد إلي الآستانة سنة ١٨٩٢ ووصل إليها ، كان في انتظاره الياور السلطاني ، فسأله : أين صناديقك يا حضرة السيد ؟ فقال : ليس معي غير صناديق الثياب وصناديق الكتب قال الياور : حسناً ! دلني عليها . فقال السيد : صناديق الكتب هنا ( وأشار إلي صدره ) ، وصناديق الثياب ( وأشار إلي جِبّته ) .

وقد قال : " كنت أول عهدي أستصحب جبة ثانية وسراويل ، ولكن لما توالي النفي صرت أستثقل الجبة الثانية ، فأترك التي علي إلي أن تخلف فأستبدلها بغيرها .

٦ - وكان يجالس السلطان عبد الحميد كثيراً ، فسئل عن رأيه فيه ، فقال : " إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم : ذكاءً ودهاءً وسياسة ، خصوصاً في تسخير جليسه . ولا عجب إذا رأيناء يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب , ويخرج المناويء له من حضرته راضياً عنه وعن صبره وسيرته ، مقتنعاً بحجته ، سواء في ذلك الملك والأمير والوزير والسفير ؛ ولكن يا للأسف عيب الكبير كبير ،

والجبن من أكبر عيوبه "

٧ - وعرض عليه السلطان عبد الحميد منصب مشيخة الإسلام ، فأبي إلا أن يعمل عمل أساسي يتغير به النظام الحاضر وقال :" إن وظيفة العالِم ليست بمنصب ذي راتب ، بل بصحيح الإرشاد والتعليم ، ورتبته ما يحسن من العلوم مع حسن العمل بالعلم "

٨ - وعاش جمال الدين عزباً لم يقترن في حياتة بامرأة ، وكان كلما شكا له أحد كثرة العيال وقلة ذات اليد يعينه على قدر استطاعته ، فعرض عليه السلطان يوما أن يزوجه جارية حسناء من قصر يلدز ، فامتنع السيد من ذلك ، فسئل : هل تؤيد رأي أبي العلاء :

هذا جنــــــــــــــــــــــاه أبي علـي وما جنيت على أحد قال : كل ,ا وكيف يصح لعاقل أن يعتبر الزواج جناية وبه بقاء النوع واستكمال حكمة العمران ؟ أما أنا فمعرفتي بما تتطلبه الحكمة الزوجية من معاني العدل ، وعجزي عن القيام بأمره دفعني أن أتقي عدم العدل ببقائـي عزبًا " .

فقال له طبيب يهودي كان من خاصته : فهل تفاديًا من الخوف من عدم العدل يجوز أن يخالف الإنسان طبيعته! فتبسم السيد وقال له : " إن الطبيعة أحكم منك ، فهي تدبر نفسها ، ومن ترك شيئاً عاش بدونه " .

قيل له : إنك تقبل من السلطان عطاءه من المال فلم لا تقبل عطاءه من الجواري الحسان ؟

قال : أما المال الذي يعطينية فإني أجد له - علي قدر اجتهادي - أكفاءً يقومون بأداء الواجب نحوه ، وأما الزواج بالجارية الحسناء فما أنا بالكفء لها ، ولست بوليها لأتحرى لها كفؤها .

ثم قال للرسول : " إذا أصر جلالة السلطان وأحب أن يكرهني علي هذا الأمر فلا أظن إلا بأنه يجب أن يراني في عداد الخصيان " .

٩ - وكان السيد جمال الدين كثير الإعجاب بذكاء الشيخ محمد عبده وفضله ، وكان كلما ذكره يقول : " صديقي الشيخ" ، وكان السيد عبد الله نديـم في آخر إيامه يكثر من التردد على منزل جمال الدين ، فقال له يوماً : قد أكثرت من الثناء على الشيخ محمد عبده كأنه لم يكن لك صديق غيره ، وتنعت غيره بقولك صاحبنا ، أو " فلان من معارفنا " . فتبسم السيد جمال الدين وقال : " وأنت يا عبد الله صديقي ؛ ولكن الفرق بينك وبين الشيخ أنه كان صديقي على الضراء ، وأنت صديقي على السراء " ، فسكت النديم .

١٠ - كان جمال الدين يهزأ بمبدأ " دارون " الذي بعنوان " تـنازع البقاء" ويقول : إن المبدأ هو " تنازع الفناء " ويقول : إن البقاء الذي ينبغي أن يطلب ولا يعتريه فناء ليس فيه تنازع ولا نزاع ، والتنازع القائــم الآن إنما هو على أشياء تفني ، والمنزع والمنازع والمنزوع منه سواء في المصير إلي الفناء ، فكان الأولى أن يقال : " تنازع الفناء "  .

قيل له : وهل يجمع العالم المتمدن كله على مثل هذا الخطأ ؟

فقال : وما العالم المتمدن ؟ هل رأينا غير مدن كبيرة  وأبنية شامخة وقصور مزخرفة ينسج فيها القطن والحرير بأصباغ كيمياوية مختلفة ألوانـها ، ومعادن ومناجم ، واحتكار تجارات أتت لهم بثروات ، ثم هل غير التفنن في اختراع المدافع المريعة والمدمرات والقذائف وباقي المخربات القاتلات للإنسان ، تتباري فيها تلك الأمم الراقية المتمدنة اليوم ؟

لو جمعنا كل تلك المكتسبات العلمية ، وما في مدنيات تلك الأمم من خير ، وضاعفناه أضعافاً مضاعفة ووضعناه في كفة ميزان ، ووضعنا في الأخرى الحروب وويلاتـــها ، لكانت كفة العلوم والمدنية والتمدن هي التي تنحط وتفور ،

فالرقى والعلم والتمدن على ذلك النحو إن هو إلا جهل محض ، وهمجية صرفة ، وغاية التوحش . فالإنسان في ذلك أحط من الحيوان .

هل سمعت أن ثلثمائة ألف أفعي وقفت تجاهها مثلها وتقلبت بينها الأنياب وقاتل بعضها بعضاً ؟ أو هل وقفت الأسود صفوفاً وتناهشت لحوم بعضها وسالت دماؤها ؟ فليس ثمة مدنية ولا علم ، ولكن جهل وتوحش .

ثم رويت للسيد جمال الدين كلمات حكيمة كان يقولها في مناسباتها .

كان إذا أقسم قال : " وعزة الحق وسر العدل " - الحقائق لا تزول بالأوهام - من سفه الرأي أن يعتقد الرجل افضليته على الغير بالعمر والمشيب فقط - الفخر بالقول المجرد يبطله المجد بالفعل - لا يؤمن بروبية القوة إلا شبح الضعف - الأكفاء في العصر لا يكونون على الغالب أصدقاء - تطويل المقدمات دليل على سقم النتائج - من رهب الملوك لغير جريرة فهو الصعلوك - صاحب الحاجة إذا لم ينطق بحاجته أولي بالخرس - ألف قول لا يساوي في الميزان عملًا واحداً - إسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بتروته - بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة - القبة الجوفاء لا ترجع إلا الصدي - شر الأزمنة أن يتبجح الجاهل ويسكت العاقل - الأديب في الشرق يموت حياً ويحيا ميتاً - قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام - القوي من الشجر لا يعجل بالثمر - ( اللغة ) العربية وسعها البدو في البراري والقفار ، وضيقها الحضر في المدن والأمصار - العلم قد يكون في الأحداث ولكن التجارب لا تكون إلا في الشيوخ .

وفي هذا القدر اليوم كفاية .

اشترك في نشرتنا البريدية