الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 116الرجوع إلى "الثقافة"

جمال الدين ومحمد عبده

Share

توفي جمال الدين الأفغاني في ٩ مارس من عام ١٨٩٧ م . ويسرنا بمناسبة الذكري الرابعة والأربعين أن نكشف عن العلاقة الأدبية التي كانت قائمة بينه وبين محمد عبده إلي أن نفي من مصر في سبتمبر من عام ١٨٧٩ م

كان جمال الدين الأفغاني فيلسوف الشرق والإسلام قد سافر إلي الهند عام ١٨٦٩ م ، ثم رحلته الحكومة الإنجليزية على باخرة ماضية في طريقها إلى السويس ، فلما وصل إلي مصر لم يمكث بها اكثر من اربعين يوما . غير انه عاد إليها مرة ثانية عام ١٨٧١ م حيث تلقي من المصريين ما حبب إليه الإقامة والعيش في ربوع النيل

وعلم محمد عبده بوصول حكيم الشرق وفيلسوفه العظيم إلي مصر لأول مرة من أحد المجاورين برواق الشوام . . ولما ذهب بصحبه الشيخ " حسن الطويل " لزيارته والتعرف به وجداه يتناول طعام العشاء . وقد حدثهما بعد فراغه من الطعام في تفسير القرآن ، ثم تدرج الحديث إلي التصوف ورجاله وأثره في التفاسير . . وكان جمال الدين صوفيا من كبار الصوفيين ، ملما بكثير من أحوالهم ومعارفهم ، مدركا لكثير من خفايا تعاليمهم . وكان جمال الدين إلي جانب ذلك نافذ البصر ، قوي الملاحظة ، لا تخفي عليه خافية ، ولذلك لم تغب عنه ما كانت تتم عليه نظرات محمد عبده وحيرته عند التحدث عن التصوف وأهله ، كما أدرك بفطنته النزعة القوية التي كانت تتصارع في نفس ذلك الشاب الجالس أمامه ، والذي كان يتشوق إلى المعرفة الصحيحة . . لم يخف على جمال الدين شئ من هذا كله ، ولذلك حدثه بأسلوبه الصافي الجميل المشبع بالثقة والإيمان حتى اطمأن إليه ، ووثق به ، وتعلق بأوصاله . . ولما عاد إلي مصر للمرة الثانية عام ١٨٧١ م أسرع إليه تلميذه الأول ليشبع رغبته في طلب العلم ومعرفة كنوز الفلسفة . ولازمه

محمد عبده منذ ذلك الوقت لا يفارقه ، بل أخذ يدعو اصدقاء ومعارفه إلى غشيان مجلسه والحضور عليه وتفهم أحاديثه والإصغاء لصوته العذب .

ونهج جمال الدين في إلغاء دروسه منهاجا جديدا لا علم للمصريين ، واستطاع بطريقته الآخاذة الساحرة ان يدرب تلاميذه على إنشاء المقالات الادبية والاجتماعية والسياسية ، وان يمرنهم على الخطابة ، وان يخرج منهم بعد ذلك زعماء الأمة وقادتها والعاملين على رقيها والنهوض بها إلى حيث تحتل مكانها اللائق بين الامم ويكفي ان نعرف ان محمد عبده وسعد زغلول وقاسم امين وحسن باشا عاصم وحسن باشا عبد الرازق وغيرهم كانوا من تلاميذه، حتى ندرك ما كانت عليه نفس هذا الفيلسوف من حب السمو الخلق وجهاده في سبيل تكوين خلفاء له ينقذون مصر الاسلامية بل الشرق كله من ظلم المستعمرين واضطهادهم

ولو أردنا أن نحصر الخدمات التي قدمها جمال الدين لتلميذه محمد عبده لوجدناها كثيرة قيمة تذكر بعضها فيما يأتي :

أولا - كان أول ما قدمه جمال الدين لمحمد عبده انتشاله التلميذ الناشئ من الاستغراق في التصوف .

ثانيا - ترغيبه في الإطلاع على ما في الكتب الحديثة التي ترجمت إلي مختلف اللغات . وقد استطاع محمد عبده ان يجد في هذه الكتب لذة اخري جديدة لم يكن يجدها او يحسها فيما كان يقرا من الكتب القديمة . واستطاع ان يجد عالما جديدا أطال التحديق في آفاقه ؛ ذلك هو عالم

الفكر الغربي وما وصل إليه من علم حديث

ثالثا مهد جمال الدين لمحمد عبده طريق الصحافة منذ دربه على الكتابة والانشاء ؛ وكان لهذا التمهيد اثر قوي في حياته ، بل كان لاشتغاله بالصحافة والتحرير فيما بعد اثر قوي ظاهر في حياة الامة كلها . . واستطاع محمد عبده بما بذله له استاذه ان يكون خطيبا بليغا قوي الحجة طلق اللسان ، بل واستطاع ان يعز استاذه في هذا المضمار ، لخلو لهجته من العجمة التي لاذمت جمال الدين طوال حياته .(1)

وكتب محمد عبده في هذا الوقت عدة مقالات نشرت بجريدة الأهرام . من هذه المقالات اثنتان أخذهما عن استاذه جمال الدين ؛ الأولى في فلسفة التربية ، وازن فيها بين سلامة الحياة الخلقية وصحة التركيب الجسماني في حياة النبات والحيوان ؛ وقد بين فيها ان صحة التركيب البدني إنما تأتي من تجمع أصول متضاربة ، إن تغلب أحدها كان في هذه الغلبة فساد التركيب . وكذلك الكمال الإنساني لا يأتي إلا حيث توجد اخلاق متضادة وملكات متخالفة يكون من وراء نضادها واختلافها حقيقة الفضيلة المعتدلة . . وقد جاء فيه :

" وهكذا جميع الملكات الفاضلة الانسانية إنما هي واسطة لطرفين متضادين ، لابد من ظهور اثر كل منهما على نسبة معتدلة ، وبغلبة احدهما على الاخر يختل نظام الفضيلة ، ولا محالة ينهدم بيت السعادة دنيوية كانت او اخروية . "

وأما المقال الثاني الذي نقله عن استاذه وصديقه جمال الدين فيبحث في فلسفة الصناعة ، وهو يتناول الأدوار العقلية التي مرت بالانسان كما يتناول تطوره الاجتماعي

وقيمة الصناعات المختلفة بالنسبة للجماعة ثم ضرورتها للأفراد ومقدار ما تؤديه للجماعة من نفع .

وقد جاء فيه : " الصناعة قوة فاعلة راسخة في موضوع مع فكر صحيح نحو غرض محدود الذات . فالقوة منشأ الأثر مطلقا فعلا كان أو انفعالا . فالعلم مثلا ذو قوة الفعل ، والمتعلم ذو قوة الانفعال ، إلا ان قوة التأثر والقبول لا تعد صناعة . ومن أجل ذلك قيدت بالفاعلة ، وليست كل قوة فاعلة صناعية ما لم تكن تلك القوة راسخة في موضوعها تصدر منها أعمال مستمرة على وجه منتظم " .

وأما المقالات الآخري وعددها خمس فهي تقريظ الأهرام ، الكتابة والقلم ، والمدير الانساني والمدبر العقلي الروحاني ، والعلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم المصرية ، والتحفة الأدبية . . وقد دعا في هذه المقالات إلي إنهاض الشباب . . كما دعا الامة إلى الحذر من تدخل الأجانب في شئون البلاد ، وطرح انظمة التعليم العتيقة ، والأخذ بالنظم الجديدة ، ودراسة العلوم ؛ وفي هذا يقول : " فعلينا أن ننظر في أحوال جيراننا من الملل والدول ، وما الذي نقلهم من حالهم الأول ، وأدي بهم إلى أن صاروا أغنياء أقوياء ، فاذا حققنا السبب ، وجب علينا ان نسارع إليه حتى تتدارك ما فات ، ونستعد لخيرنا فيما هو أت وها نحن بعد النظر لا نجد سببا لترقيهم في الثروة والقوة إلا ارتقاء المعارف والعلوم فيما بينهم . فاذا أول واجب علينا هو السعي بكل جد واجتهاد في نشر هذه العلوم في أوطاننا "

وإذا نحن أمعنا النظر في تلك المقالات التي كتبها أثناء التحاقه بالأزهر استطعنا ان ندرك انها كانت السبب الأول في أن يعرفه الناس زعيما مجددا ، وانه بدأ يشتغل بالأصلاح منذ بكورة شبابه ، وانه كان مهتديا في ذلك بهدى جمال الدين . وتستطيع ان ندرك كذلك كيف تقدم تفكيره عما كان عليه في تلك السنوات التي كان غارقا فيها

في تأملات التصوف وخيالاته .

يقول المرحوم الشيخ رشيد رضا عن تلك المقالات الخمس " هذا آخر ماراينا للأستاذ الإمام من المقالات في السنة الأولى من جريدة الأهرام ، وكان لا يزال مجاورا في الازهر لم يصر مدرسا رسميا ، وهي تدل على انه اوني كمال العقل وسداد الرأي في بدايته " الخ الخ .

واستمرت صلة الإمام بالآزهر على ما علمناه من قبل ، من حضور الدروس التي يرغب في حضورها والاستماع إلي الأساتدة الذين يثق في مقدرتهم العلمية ، والإطلاع خارج الآزهر على ما يري نفسه نزاعة إليه من العلوم والمعارف ، ثم الاختلاف إلى جمال الدين والآخذ عنه ، فلما كان عام ١٨٧٧ م تقدم لامتحان العالية ، ولكنه رأي وجوه الممتحنين عابسة ، وأحس قلوبهم منه نافرة ، ورأي في الأسئلة الموجهة إليه صعوية وشدة ، رغبة في إحراجه ، وتشوقا إلى تعجيزه . ولم يكن من الصعب على محمد عبده معرفة أسباب ذلك كله ، فقد كان مكروها من شيوخ الازهر الذين اشتدت حفيظتهم عليه لأسباب كثيرة . يقول الدكتور تشارلز آدمس : " وبعض هذه الموجدة يرجع إلي كراهيتهم لدروس الفلسفة التى كان جمال الدين يبعثها من جديد ، وبعضها إلي نزعته التجديدية على وجه عام . على انه يبدو انه كان للغيرة أيضا شأن كبير ، فان محمد عبده وغيره من الطلاب كانوا على الأرجح يهملون دروسهم في الأزهر ويتغيبون عنها ليقرأوا على جمال الدين "

ومما يدل على كره الشيوخ للشيخ محمد عبده ، وعلى ان الصعوبة التى وجدها أثناء تأدية امتحان العالمية إنما كانت لتعجيزه انتقاما منه ، تلك الحادثة التى وقعت بينه وبين الشيخ " عليش " راس المتحرجين الغاضبين في ذلك الوقت ، وذلك الخلاف الذي نشب بين الطالب الآزهري وذلك الشيخ ، وترجع اسباب ذلك الخلاف إلى ترجيح الطالب لمذهب المعتزلة على مذهب الأشعرية ، وهو

ما لا يرضي عنه استاذ يعتقد في نفسه عدم صلاحية تلميذه ، بل وعجزه ، عن مثل هذا البحث والترجيح ، والذي يرى عدم جواز إنارة تلك المناقشات ، التى لا يشتغل بها الأساتذة أنفسهم .

كان محمد عبده تلميذ جمال الدين ، وهو على ما علمناه استاذ الفلسفة الاسلامية الحديثة ، وكان محمد عبده يكره الشيوخ المتزمتين ، وكان يسخر من تلك العقول التي لا تحاول الفكاك من قيود فرضتها عصور الجهالة والاستبداد ، وكان محمد عبده يعتز بعلمه وثقافته ، ويغار على كرامته وشرفه ، ولذلك دبرت حوله الدسائس ، ومكر به اساتذته ، وحاولوا تعجيزه في الامتحان ؛ ولكنه استطاع بكثرة اطلاعه وسداد رايه وحسن إجابته ، ومساعدة الشيخ العباسي شيخ الجامع الازهر يوم ذاك ، ان يظفر بشهادة العالمية من الدرجة الثانية . وفي هذا يقول :

" عرضت نفسي على مجلس الامتحان في ١٣ جمادي سنة ١٢٩٤ هجرية ، وابتليت في الامتحان أشد الابتلاء لتعصب الاكثر من اعضائه مع المرحوم الشيخ عليش ، وكان يعاديني على الغيب اتباعا لأراء من لا رشد عندهم من بلداء الطلبة ، وكانوا قد أجمعوا أمرهم على ألا يمنحوني درجة ما في العلم ، وجرت أمور قبل الامتحان يطول شرحها ، ولكن كان امر الله اغلب ، فخرجت من هذا الامتحان بالدرجة الثانية ، وصرت مدرسا من مدرسي الجامع الأزهر ، وأخذت اقرأ العلوم الكلامية والمنطقية .

فرح الامام بنيله هذه الدرجة لا لشئ إلا لأنها ساعدته على ان يخطو الخطوة الاولى في سبيل غاياته الواسعة ، وإصلاحاته التى كان يحلم بتحقيقها منذ زمن بعيد ، وظل الإمام بعد مخرجه في الازهر متصلا بأستاذه جمال الدين الافغاني يستقي من بحر علمه القياض ، حتى فرقت بينهما الحوادث لتجمعهما مرة ثانية في ساحة الجهاد .

اشترك في نشرتنا البريدية