لا يزال هواة الموسيقى العالمية يذكرون تلك الحفلة التي أقيمت بكلية العلوم في اليوم التاسع عشر من شهر مارس سنة ١٩٤٢، ويعتبرونها فاتحة عهد جديد في تاريخ هذا الفن
الرفيع. ذلك أن برنامجها اشتمل يومئذ على عشر أغان اختيرت لعباقرة الموسيقى، ونقلها نظماً إلى اللغة العربية الأستاذ كامل كيلاني فسجل بذلك فوزاً مبيناً للعربية في ميادين هذا الفن، وأثبت بالفعل للذين يتهجمون عليها بالقول أنها تستطيع بشعرها العالي
السادة الذين أقاموا الحلفة, ومن بينهم الدكتور عل مصطفى مشرفه بك والاستاذ كامل كيلانى الاغانى, وحسن بك رشيد, فالاستاذ أبو بكر خيرت
ثم قالت فى آخر: (( وقد كان علينا أن تحل مشكلة رئيسة فى التدوين الموسيقى كادت تستعصى على الحل, فإن الموسيقى تكتب من اليسار إلى اليمين , على العكس من الألفاظ التى تكتب من اليسار. وفد وقنتا طويلا أمام هذه المشكلة ثم انتيها إلى حل يجمع بين الحرص على أصول الفن والموسيقى , والوفاء للغة العريبة والمحافظة على تقاليدها , فجعلنا الكلمة وحدة ظاهرة , ولم نكتف بذلك فعمدنا إلى كتابة مقاطع كل كلمة سالكين فى إثباتها الطريقة العروضية , فزال بذلك كل إبهام فى المقابلة بين المقاطع اللفظية والمقاطع الموسيقية وبقيت الألفاظ سيلة القراءة بادية للعيان)).
وعروضها الدقيق أن تترجم أغاني شوبرت وموتسارت ومندلسون وأضرابهم بمعانيها وأوزانها وألحانها دون أن يفقد شيء من جمال المعنى ولا من سلامة الإيقاع. وقد لقيت هذه الحفلة يومئذ من النجاح العظيم والتقدير الحسن ما حفز القائمين بها إلى مواصلة الجهد في هذا السبيل، فألفوا (الجمعية المصرية لهواة الموسيقى) رئيسها الدكتور علي مصطفى مشرفة عميد كلية العلوم، وأبرز أعضائها الأستاذة محمد زكي علي وإسماعيل راتب وكامل كيلاني وعلي بدوي. وكان أول ما عنيت به أن طبعت هذه الأغاني العشر وقدمتها إلى الجمهور بكلمة طيبة جاء فيها: (. . . فنحن نستمع إلى الأغنية أو الأوبرا في كل بلد بلغة أهله. نستمتع إليها في روما بالإيطالية، وفي برلين بالألمانية، وفي لندن بالإنجليزية؛ فإذا استمعنا إليها في القاهرة سمعناها بكل لغة من لغات العالم المتحضر ما عدا اللغة العربية! فكيف نقبل هذه المعرة القومية، ونرضى بهذا الهوان الفكري؟)
وعما قريب تصدر هذه الأغانى المختارة فتسدى إلى اللغة العربية والموسيقى معروفا يخلد الشكر عليه بخلوده.

