يا أهل مصر، هذا هو الطريق فماذا التردد بين الإقدام والإحجام؟ لماذا تقدمون رجلاً نحو (الجمهورية) وتؤخرون أخرى؟
إن هذه (الملكية الوراثية) بدعة في الإسلام ابتدعها سيدنا معاوية، غفرها الله له، فخالف بها عن طبيعة العرب التي طبعهم الله عليها، وشريعة الإسلام التي شرعها الله لهم، وأحالها كسروية قيصرية، وقد كانت بكرية عمرية، وجعلها ملكية بغي واستبداد، وقد كانت خلافة عدل ورشاد.
بدعة جرت ديلها على تاريخنا , فمحت كثيرا من فضائله , وخلفت فيه رزايا وبلايا , صيرته مثل تواريخ الأمم , وقد كان تاريخا ما ولدت أم التاريخ قبله , ولن تلد بعده تاريخا يساريه او يدانيه . كان تاريخ خير وبر وعدل وإحسان, تاريخ قوم هم لباب البشر , وهم خلاصة الناس, وهم هداة الدنيا ، وهم ملائكة الأرض
أفسدت تاريخا على صلاح الزمان , وأضاعت دنيانا على قوة الدين , واذكت فى النفوس غرائز البغي , طبائع الشر على قرب العهد بالإسلام , فكيف بنا اليوم والزمان فاسد ، والدين ضعيف ، والعهد نعيد "والقلوب قاسية , والمنكرات فاشية ؟
ما لنا نجرب المجرب ومن جرب المجرب حلت به الندامة؟ وتعود فنمد أيدينا إلى الجحر الذي لدغنا منه ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ونرجع إلى الهاوية فنتردى فيها بعد أن أنقذنا الله منها، ولما نكد!
أنتبع الإسلام، ثم نأتي بما ينكره الإسلام؟
إن الحكم في الإسلام جمهورية انتخابية تدوم مدى الحياة، ما لم يبدل الرئيس أو يتبدل، فنستبدل به.
وإن دعائم الحكم في الإسلام هي الانتخاب الصحيح (1)، والديمقراطية الصادقة، والرقابة الدائمة.
ولا عبرة بقول من أخذ من الفقهاء بظواهر الأمور، بلا نفاد إلى بواطنها، وأمسك بطرف المسألة وترك أطرافها، فقال بأن الخليفة تثبت خلافته بانتخاب النفر من أهل الحل والعقد - أخذاً من انتخاب أهل السقيفة أبا بكر، أو بالعهد استناداً على عهد أبي بكر لعمر، فإن أبا بكر ما صار خليفة إلا بالبيعة العامة، ولو خالف عليه أهل قطر من الأقطار لما كان لهم (على الحقيقة) بخليفة - إلا أن يكونوا خارجين على إرادة لأكثر فيعاملوا معاملة الخارجين، وإن عمر لم يستخلف بعهد أبي بكر بل بالبيعة؛ وخلاصة ما جاء في بيعته من النصوص - هو ما جمع في كتابي (أبو بكر الصديق) الذي طبع في دمشق من نحو ثماني عشرة سنة.
وفيه أنه لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه , فقال :
- إنه قد نزل بي ما ترون وما أظنني إلا ميتاً، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني، كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.
فقاموا في ذلك، فلم يستقم لهم أمر، فرجعوا إليه، فقالوا: - رأينا يا خليفة رسول الله رأيك. - قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده
ثم أنه دعا بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف - فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب. - قال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. - قال: وإن! - قال: هو والله أفضل من رأيك فيه.
ثم دعا عثمان , فقال له مثل ذلك . فقال :
- علمي به أن سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله.
ثم شاور سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار - فقال أسيد :
- اللهم، اعلم الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
عند ذلك كتب العهد المعروف وخرج به عثمان على الناس مختوما , واشرف أبو بكر من كونه على الحد ( وقد كان هو البرلمان الإسلامى ), فقال :
- يا أيها الناس إني قد عهدت عهدا , افترضونه ؟ - فقال الناس , رضينا , وقام على فقال : - لا نرضى إلا أن يكون عمر ! - قال : إنه عمر !
فاقروا بذلك جميعا ورضوا به ثم بايعوا )إلى آخر ما جمعت فى الكتاب , من أخبار هذا الباب .) والستة الذين سماهم عمر , لم يكونوا إلا لجنة استشارية . عمليات تنظيم المرشحين , والعمل على فوز مرشح واحد بالتزكية وهذا ما فعله عبد الرحمن , وما ثبتت خلافة عثمان إلا بالبيعة
(البيعة هى الدعامة الكبرى فى الحكم الإسلامى , ولم يستطع الخلفاء المستبدون , فى أكثر العصور ظلما ، وأشدها ظلاما , أن يهدموا هذه الدعامة , فكانت البيعة هي الأساس , وإن تحولت , كما تحولت أكثر حقائق الإسلام عند أكثر المنتسبين إليه - من جسد وروح ، ومظهر وجوهر , إلى أجساد ومظاهر فقط
أما الديمقراطية الصادقة، فهي الدعامة الثانية؛ فالخليفة ليس أفضل الأمة ولكنه أكثرها عملاً، وليس المالك لرقابها ولكنه أجيرها، ولا يمتاز دونها بمطعم ولا ملبس ولا مسكن، هكذا كان الخلفاء الأولون، قبل أن
تصير الخلافة ملكاً، وهذي خطبهم و (تصريحاتهم) ، وهذي سيرهم وأعمالهم، شاهدة على أكثر مما نقول:
والدعامة الثالثة الرقابة، كل فرد من الأمة شرطي يراقب الحاكم، يطيعونه ما أطاع الله، ويقومون بأمره ما أقام الدين، إن أحسن أعانوه، وإن نسي ذكروه، وإن أعوج قوموه، وكان عمر يتمنى أن ينصب الناس أميراً إن استقام أطاعوه، وإن جنف قتلوه.
قال له أحد الصحابة (نسيت اسمه (2)) : - أفلا قلت: عزلوه؟ - قال: لا، القتل أنكى لمن بعده!
ونحن لا نبالي إن اجتمعت لنا هذه الخلال في رجل: البيعة والديمقراطية والاستقامة، أن يسمى رئيساً أو ملكاً أو إماماً أو أمير المؤمنين. هي اصطلاحات لا تقدم ولا تؤخر، لكن منها ما يخفف على الأذن سماعه، وعلى القلب احتماله، كاسم الرئيس، ومنها ما يشعرالظلم والاستبداد والعبودية والمذلة، كاسم الملك.
أما وراثة الحكم، فلا تجتمع مع الإسلام في دستور، أيرث الولد ملك رقابنا، نحن الشعب كله، كما يرث الابن بقرات أبيه وعنزاته؟ أعوذ بالله! وهل بعد هذا مهانة أو ذل
إنه لا شيء أثقل على نفوس الناس، ولا أفسد لنفس صاحبة من ولاية العهد. أتخضع رقابنا، وتنحني جباهنا لطفل يحدث في لباسه؟ لماذا بالله؟
ألأنه خرج من فم أمه أو من أذنها، وسائر الناس يخرجون من حيث يخرج سائر الناس؟ أخلق الناس من ماء وطين، وخلق هو من الحليب (3) والشكولاتة؟
أله دماغان في رأسه - وأربعة عيون في وجهه - ويطير بجناحين، لا يمشي كالناس برجلين؟
لقد ألف الناس الخضوع للرجل القوي الأمين، أما الخضوع لطفل، أمثاله يؤمرون فيطيعون، ويؤدبون فيضربون، أو لامرأة، فشيء لم نألفه، وما نألفه أبداً.
يقولون إن الملك رمز، كملك الإنكليز يملك ولا يحكم والجواب، أنه ليس في الإسلام رئيس يملك ولا يحكم، بل الرئيس في الإسلام يحكم (بحكم الله) ولكن لا يملك؛ لأن الناس في نظر الإسلام أحرار لا يملكهم أحد.
الرئيس عندنا هو الذي يجتهد في وضع الشرائع مستنبطة من أصولها، وهو الذي يقضي القضاء، وهو الذي يدير الإدارة، وهو الذي يقود الجيش، وله أن يوكل عنه من تتحقق أمانته ومقدرته، أي أن أقرب الأنظمة اليوم إلى نظام الإسلام، جمهورية كجمهورية أمريكا، على أن تكون مدى الحياة.
وفي مقابلة هذا السلطان، لا يمتنع الحاكم على انتقاد ولا يترفع عن نصح، ولا يكون له في القضاء ما ليس للناس، وليس في الإسلام تهمة القدح بالذات الشاهانية، ولا محاكم خاصة للملك وأهله، بل ليس لأهل الملك ميزة أبداً، ولا يأخذون من مال الدولة، أو ينالون من خيرها فضلاً (4) عن آخر فرد من الأمة.
وليس للحكم طبقة ولا قبيلة، وما ورد من أن الخلافة في قريش، هو أولاً حديثاً معارض بحديث عمر: لو كان حذيفة حيا لوليته، وحذيفة كان مولى؛ وحديث: لو ولى عليكم عبد حبشي. . . وهو ثانياً حديث مبتور له تتمة، والقاعدة عندهم، أن الزيادة من العدل مقبولة،وتتمته: ما أقاموا الدين.
وطبيعة الإسلام تنافى هذا الحديث إلا أن يكون المراد منه غير عموم لفظه , فالقيم فى الإسلام معنوية , ولا عبرة
بالانساب أبدا . والشريف هو الشريف بعمله لا بنسب إلى الرسول , هر على الغالب نسب ملفق مكدوب كأ كثر انساب ( الأشراف ...) اليوم . والنبى يقول لبنته فاطمة سيدة النساء : يا فاطمة بنت محمد , لا أغنى عنك من الله شيئا
وهذا الحديث إن صح , يدل على أن القرشية تكون من اسباب الترجيح , إن استوى مرشحان للخلافة فى خلال الخير كلها وكان أحدهما من قريش
وإلا فاين قريش اليوم ؟ واين غير قريش من قبائل العرب ؟ لقد تغيرت الدنيا , وتبدل الزمان , وشريعة الرسول لكل زمان ومكان . ولو ان الرسول قال هذا الحديث حقا , وبعث اليوم من رووه عنه لما فهموا منه مايفهمه اليوم من يفكر بعقول فقهاء الظاهرية , وهم اضيق الفقهاء فكرا , واقربهم نظرا , وا بعدهم عن درك مقاصد الشريعة إلا ابن حزم , وما كان ظاهريا مثلهم وإن تفقه بكتبهم
فإذا نحن لم نقبل أن تكون الخلافة قاصرة على قريش وهم سرة الارض , وأسرة النبى , وسدنة البيت الحرام , استقبل أن يكون الملك مقصورا على قريش الأناؤوط , وأسرة فاروق , وأهل قوله (1)؟
حسبكم من فضائل هذه الأسرة، أنها سرقت الأرض، وانتهكت العرض، وأضاعت الدين، وأفسدت الخلق، وأذلت الرقاب!
حسبكم إسماعيل وتوفيق وفاروق، لا تجلبوا لأنفسكم فاروقاً جديداً، كلهم فواريق!
يا أهل مصر، هذا هو الطريق، فاسلكوه. يا أهل مصر لا تترددوا، ليس بينكم وبين الغاية إلا خطوة واحدة!

