الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193الرجوع إلى "الرسالة"

جميل صدقي الزهاوي، بمناسبة ذكراه الأولى، (٢)

Share

ولد الزهاوي (1) فى يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر يونيو سنة ١٨٦٣  ببغداد لأبوين كرديين كريمين تميزت أسرتهم بالدين والفقه والأدب، فقد كان أبوه محمد فيضي الزهاوي مفتياً لدار السلام وأخوه فقيها من فقهائها، فنشأ بين أبيه وأخيه يرتاض عقله ليتثقف، ويرتاش خياله ليطير؛ ولكن أخاه كما حدثني  جميل، كان حثر اللسان  لا يتذوق الأدب؛ فكان  يذوده عن رواية الشعر، ويصده عن دراسة اللغة، ويأبى عناده هو

وتسامح أبيه إلا أن يديم النظر في الأدب، ويروض القريحة على  القريض. كان هم أخيه وأمل أبيه أن يستقيم على عمود أسرته فيكون  صاحب قضاء وفقه، ولكنه استقام على محتوم طريقته فكان صاحب  دعوة وفلسفة. والاستعداد الموهوب في الطبع هو مشيئة الخالق في  الخلق، جعل من الزهاوي أبا العلاء فقد كان أهله يريدونه أبا حنيفة؛  وجعل من الرصافي أبا نواس وقد كان ألالوسي رحمه يريد أن  يبعث في معروف الرصافة معروف الكرخ!

كان العراق أيام نشأ الزهاوي تركي السلطان سني الحكومة،  فالتعليم المدني فيه كان تابعا في لغته وطريقته وغايته لسياسة الأجنبي  وهواه، فلم يخرج إلا رجال جيش يخضعون للنظام، أو رجال إدارة  يذعنون للحكم. أما التعليم الديني فقد ظل في صحون الجوامع على  ما عهده الناس، عربي اللسان حر النزعة طريق الفكرة مستقل الغاية . وطبيعة هذا النوع من التعليم الجدلي المطلق أن يخلق المجاهل للشعور  البليد فيظل، ويكشف الآفاق للفكر النافذ فيبلغ، ويساعد الجبلة فى  الإنسان على حسب الاستعداد فتعلوا أو تهبط؛ فهو يساعد الهمة  القاعدة على السقوط، والنفس القانعة على القنوط، والذهن المبطئ على  التخلف، كما يساعد العقل الحائر على التزندق، والطبع القلق على التمرد،  والإدارة المستقلة على الزعامة. ورجال الثورة والإصلاح في تاريخنا  الحديث كانوا جميعا من أهل هذه الثقافة، كالأفغاني، وعرابي،  ونديم، ومحمد عبده، وسعد زغلول، والكواكبي، والزهراوي،  والزهاوي، ومن إليهم. والنابهون من أهل هذه الثقافة لا ينفكون دائبين  على القراءة والتتبع والمشاركة ليدفعوا عن أنفسهم معرة القدم. وهم  عسيون إذا جددوا أن يفسروا في التجديد كذا العاهة يدفعه النفور  من ذلة الضعف إلى الإفراط في العسف والتجبر.

فالزهاوي الجريء بطبعه، الطموح باستعداده، تثقف بهذه  الثقافة، ثم تنفست على أعصابه الشاعرة أمواج العروبة ترسلها على  بغداد الصحارى الملهمة؛ ثم نزعه عرق العم والخال من الكردية فجاهد  وجالد وغامر؛ والكرد كالعرب إن لم يكونوا من العرب؛ ثم ابتلى  وهو في الخامسة والعشرين من عمره بداء في النخاع الشوكي لازمه بقية  حياته، ورما بعد ذلك بالشلل في رجله فبرم واكتأب وتشاءم؛ ثم  مني من عصره بفساد السلطان واستطالة الجهل وانحلال الخلق، فدفعته  هذه العوامل كلها إلى موقف المصلحين من الإنذار والتضحية.

رأى وهو في الأستانة عبد الحميد يلقي الأحرار مغلولين في غيابة  السجن أو في قاع البحر فأرسل إليه مع رسبوتينة أبي الهدى قصيدة منها:

أيأمر ظل الله في أرضه بما   نهى الله عنه والرسول المبجل

فيفقر ذا مال وينفى مبرأ   ويسجن مظلوماً ويسبى ويقتل

تمهل قليلا لا تغظ أمة إذا  تحرك فيها الغيضل لا تتمهل

وأيديك إن طالت فلا تغتر بها   فإن يد الأيام منها أطول

فسجنه حيناً ثم نفاه. وسمع وهو عضو في   (مجلس المبعوثان)  عن بغداد مقرر الميزانية  يذكر في وزارة الحربية مبلغاً جسيما من المال جعلوه لقراءة البخاري  في الأسطول. فقال: أنا أفهم أن يكون هذا المبلغ في ميزانية الأوقاف،  أما في الحربية فالمفهوم أن الأسطول يمشي بالبخار لا بالبخاري. فثار  عليه المجلس وشغب عليه العامة.

ورأى ما تعانيه المرأة من عنت الاستعباد والاستبداد والجهل،  فهب لإيقاظها ونصرتها، حتى كتب في   (المؤيد)  مقاله المشهور:   (المرأة والدفاع عنها)  فزلزل الناس في بغداد وفي غير بغداد، فسعوا  به إلى ولاة الأمر ليعزلوه، وحرشوا عليه دهماء الشعب ليقتلوه،  فاضطر إلى لزوم داره.

ونظم في أعقاب عمره   (ثورة في الجحيم)  ففزع المتزمتون من  شرها إلى الملك فيصل؛ فلما كلمه في ذلك قال: ماذا اصنع يا مولاي؟  عجزت عن إضرام الثورة في الأرض فأضرمتها في السماء!

لم يخلد الزهاوي إلى التبطل، ولم يعش على مروءات الناس كأكثر  أهل الشعر، وإنما غامر في خطير الأمور، وطمح إلى بعيد المدارك،  فملأ حياته بالأمل الدافع والعمل المثمر: عيين في بغداد عضواً في  مجلس المعارف، ثم مديراً لمطبعة الحكومة، ثم محرراً للجريدة  الرسمية، ثم انتخب عضوا في محكمة الاستئناف. ودعاه الخليفة حين  نبه ذكره إلى الأستانة فحرك فيها لسان النقد، واقض بها مضاجع  الجاسوسية، فانتقض أمره وساء مقامه. فلما أعلن الدستور عين  أستاذاً للفلسفة الإسلامية في   (المكتب الملكي) ، ثم مدرساً للآداب  العربية في   (دار الفنون) ؛ ثم عاد إلى بغداد فعين أستاذاً للشريعة في  مدرسة الحقوق، ثم انتخب نائباً عن العراق في مجلس المبعوثان؛  وهو في خلال ذلك كله حركة ذهنية دائرة، وجملة عصبية ثائرة،  لا يفتر ليله عن الشعر أو القراءة، ولا يكل نهاره عن الحديث أو  الكتابة، حتى غُلب الترك وأديل منهم في بغداد للعرب، فكان الشأن  لأصحاب الجيش وأقطاب السياسة؛ أما الزهاوي وأمثاله من رجال  الفكر والشعر فاتخذوا طريقهم على الهامش. وكان الشاعر قد ألقى  للمجد معاذيره من السراق القوى واستحكام العلل، فبات يرسل  الأقباس والأضواء من جسمه المتهدم وقلبه المتضرم حتى خمد.

( للكلام بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية