الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 699الرجوع إلى "الثقافة"

جناح وغاندى

Share

زعيمان من الشرق ، ومن الإسلام والهندوسية ، تحقق على يديهما تحرير الباكستان والهند . من ربقة الاستعمار تتشابه نشأتهما وثقافتهما ورحلاتهما ، ثم تختلف حياتهما وأهدافهما بعد ذلك اختلافا بينا .

نشأ كلاهما في الهند ، ولد جناح في كراجى ١٨٧٦ . وولد غاندي في كيثاوار سنة ١٨٦٩ ، من أسرتين عريقتين غنيتين ، وامتص كل منهما ما في تربة بيئته وجيله ودينه ، ثم سافر كل منهما إلى لندن ، ودرس كل منهما الحقوق ، وعاد كل منهما إلى بلاده . . يمنى  نفسه بأن يكون مدره القانون .

وبالرغم من اتفاق الثقافة الأوربية فقد ظلت عوامل الدين والبيئة الأولى قوية في كل منهما ، بعيدة الأثر في توجيه تفكيرهما وعملهما . من بعد .

واتصل جناح بغاندي في إبان الحركة الوطنية ، منذ سنة ١٩١٤ ومضيا معا في طريق واحد ، في سبيل تحرير الهند ، وكان محمد على جناح من أبرز العاملين في حزب المؤتمر ، حتى استحق لقب " القائد الأعظم " .

فلما تكشفت مشاريع استقلال الهند المختلفة عن خطوطها الواضحة ، اتخذ الطريق الذي كان لابد من اختياره لتحرير الهند من استعباد بريطانيا ، وتحرير المسلمين من استبعاد الأغلبية الهندوسية .

وكان هذا منه غاية البراعة وبعد النظر .

ففي الوقت الذي كانت حركة التحرير تتطلب تأزر الجهود ، كان جناح يعمل إلي جانب غاندي ، وكان كلا الرجلين يثق بالآخر .

فلما ان أوان التفصيلات ، دعا إلى الحل الذي كان حاسما في القضاء على صراع الطوائف والفتنة المذهبية .

كان غاندى وجناح متفقفين على شئ واحد ، وهو تحرير

الوطن عن غير طريق العنف ، ولكنهما كانا مختلفين بعد ذلك في كل شئ .

كان غاندي يدعو إلي العصيان . . وكان جناح ينكر العصيان . . كوسيلة فعالة للكفاح ، وفضل اتخاذ الطرق الدستورية القانونية .

كان غاندي يكسب نهايته بالتجرد والصوم واللباس القليل . وكان جناح يكسبها بشخصيته المهيبة ومظهره الأنيق وصوته المؤثر .

لقد لقيا من الاضطهاد والسجن والإرهاب ، صورا وألوانا . . ولكنهما مع ذلك كانا مثلين عاليين على الأخلاق السلبية التي يمثلها غاندي ، والأخلاق الإيجابية التي يمثلها جناح .

ويبدو أن اختلاف الأساليب والوسائل يرجع إلى اختلاف الدين والبيئة والطبيعة النفسية .

فقد كان غاندي هندوسيا ، أحب المسيح وأعجب بتولستوي . . وأخذ منهما ، وكان يري أن التهديد بالصوم سلاح يثار في تحقيق مطالب الهند ، وكان يحيط نفسه بتلك الصورة الشعرية الساحرة . . التي آلت نفوس الجماهير ، وأمدته بالمعنى القدسي . . حتى كانوا بعبدونه في بعض معابد الهند .

وهو الذي استعان بالفكرة الدينية ، وأيقظ في نفوس الهندوس روح التعصب ، وبالرغم من ثقافته الأوربية العالية وقراءاته في الإنجيل فقد كان ضيق الأفق ، يحافظ على التقاليد الهندوسية التي لا تتفق مع العصر . . ولا تجري مع الزمن . حتى انهم بأن سياسته هي التي خلقت التباعد بين الهندوس والمسلمين ، وكانت سببا في تفكير " جناح " في تحرير المسلمين من ريقة الهندوس .

مزج غاندي بين الفكرة الوطنية والفكرة الهندوسية ، وحرص علي أن يلبس مئزرا يغطى وسطه ، وظل باقي جسده عاريا ، وكان يجلس على الأرض ، ويحمل المغزل ويحلب الشاة .

واتخذ من هذه الصورة ، سبيلا للفت الأنظار ، فانضوى تحت لوائه الملايين .

كان غاندي هندوكيا متعصبا ، لا يؤمن بفكرة الباكستان ويعارضها ، وكان يركب الدرجة الثالثة ، ويقضى أيامه في أكواخ المنبوذين ، ولكن عربة الدرجة الثالثة كانت تخصص له وحده ، بعد تنظيفها ، وكان ينتقل من كوخ المنبوذين إلي المحطة أو قصر نائب الملك في أفخم السيارات التى يضعها تحت تصرفه الكبراء .

وكان فقيرا ، ولكن كانت تهدي إليه القواكه التي لا توجد في بعض القصور .

وكان يعلن عداوته للآلات ولكنه يستعمل الساعة .

أماجناح فكان مسلما ، يختلف مع غاندى كل الاختلاف في أساليب معيشته ووسائل زعامته . . كأنما هو النقيض تماما . .

يسكن في دار فخمة في نيودلهي ، أنيق الملبس ، يلبس البذلة الأفرنجية البيضاء . أفاد من قضاياه ثروة ضخمة ، فقد كان يحصل على تعويض يبلغ أحيانا مليون روبية ) ٨ آلاف ( في القضية الواحدة .

وبينما كان غاندي يصر على أن يظل الخلاف بين طبقات الهندوس قائما، كان جناح يمقت الخلاف بين طوائف المسلمين ويدعو إلى الوحدة .

وكانت زعامته في لسانه الطليق ، وبيانه الواضح . . كان عضوا في المجلس التشريعى الهندى ، ثم انضم إلى حزب المؤتمر الوطنى .

ثم صاح صيحته سنة ١٩٠٦ ، وارتبط المؤتمر ، بالرابطة بفضل جهوده . وسمي يومها سفير الوحدة ، وكان لهذه

الرابطة أبعد الأثر فيما تحقق للهند من آمال .

ظل كذلك يغذي الحركة وينميها ، حتى اشترك في معركة من المعارك السياسية الدقيقة الحرجة ، فلقب بالقائد الأعظم .

ولما أعلن نهرو أنه ليس في الهند غير طرفين : هما الحكومة البريطانية وحزب المؤتمر . . قال جناح : إن في الهند طرفا ثالثا هو الشعب المسلم .

كان غاندي وجناح من اقدر رجال السياسة في الشرق . . غير أن جناحا كان لا يستسيغ المناورات السياسية الدينية التي يلجأ إليها غاندي . .

فقد عرض مشروع باكستان ١٩٤٠ في المناطق التي يؤلف فيها المسلمون أغلبية في السكان دون أن يخشى خصومة غاندي أو محاربته للمشروع ، ووقف يظاهره في قوة ، وهو مؤمن بأنه الحل الوحيد للخلاف الداخلي الذي يوشك أن ينشب بين المسلمين والهندوس . . وقد استطاع أن ينشئ دولة دون أن يريق قطرة دم واحدة . .

كان كل منهما زعيما شعبيا ، بعيد الأثر في بيئته ، قوي العارضة ، اكتسب كل منهما مكانته بأسلوبه الخاص .

كان غاندى زعيما من نوع جديد وطابع خاص غير مسبوق ، لفت الأنظار إليه ، وكانت طريقته في مقاطعة البضائع الأجنبية ، والعصيان المدني ، والصيام . . واللباس ، من أسباب بروز شخصيته في محيطه .

أما جناح فكان يعتمد على غير الأساليب التي اصطنعها غاندي ، كان قوى العارضة بشخصيته والفكرة التى يدعو إليها ، والأمل المرسوم وراء حلم " إقبال " .

كان أمل المسلمين الذين كانوا يخشون حركة الاستقلال في الهند ، من أن تصيرهم أقلية تعصف بهم مطامع الهندوس وأهواؤهم .

لقد جاهد كل منهما في سبيل فكرته وبلاده ، وتحقق لكل منهما في حياته أمله في الحرية . .

اشترك في نشرتنا البريدية