الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الرسالة"

جناية أحمد أمين على الأدب العربى

Share

-  ٥ -

رأينا أن نقف وقفة قصيرة نحادث فيها القراء قبل أن نأخذ  فى محاسبة الأستاذ أحمد أمين على الأغلاط التى وقعت فى مقالاته  السالفة وهو يحاول تزهيد الناس فيما ورثت اللغة العربية من ألفاظ  الشعراء والخطباء

فماذا نريد أن نقول اليوم؟ نريد أن نؤرخ الظاهرة العقلية التى بدت شواهدها حين  واجهْنا الجمهورَ بعيوب الطريقة التى يفكر بها الأستاذ أحمد أمين،  فقد انقسم ذلك الجمهور إلى فريقين: فريق راضٍ، وفريق غضبان

والفريق الأول يستأهل اللوم قبل أن يستحق الثناء،  لأن هذا الفريق يمثل جمهور المشتغلين بتدريس اللغة العربية؛  وهؤلاء قد ركنوا في الأعوام الأخيرة إلى التغاضي عن نقد  ما يُكتب أو يقال في السخرية من ماضي اللغة العربية. وقد يكون  لهذا التغاضي أسباب: فهم في كدح موصول بفضل ما يحمل  المدرس من ثقال الأعباء؛ وهم قد رأوا المجادلات السياسية شغلت  الناس عن المجادلات الأدبية؛ وهم قد سمعوا أن كلية الآداب  صار إليها الأمر كله في توجيه التلاميذ والمعلمين إلى قواعد  الدراسات الأدبية، فلا حرج عليهم إن انسحبوا من الميدان

تلك جملة الأسباب التى صرفت أساتذة اللغة العربية عن  المشاركة فى النقد الأدبى

فهل يعرفون أن سكوتهم هو الذى أطمع بعض الناس  فى أن يبغى ويستطيل؟

لو كانت كلية الآداب تعرف أن فى مصر رقابة أدبية لما وقعت  فى المضحكات حين قررت أن تدرس لطلبة السنة الأولى أسلوب  أحمد أمين وأن تمتحنهم فى أسلوب أحمد أمين

ومن المحنة جاء الامتحان! أحمد أمين له أسلوب؟

آمنت بالله! ومن هم المدرسون الذين يدرسون لطلبة كلية الآداب ذلك  الأسلوب (الأحمدى) ؟

هم شبان تخرجوا فى كلية الآداب وموقفهم فى هذه القضية  أحرج المواقف، لأنهم يعرفون أن أحمد أمين من أساتذة الكلية،  ولأنهم يعرفون أنه رجل سريع الغضب والاكتئاب. وهم أيضاً  يعرفون - وا أسفاه! - أن كلمة الحق فى أحمد أمين قد تحمل  بعض المتملقين على وصفهم بالجهل!

ولم يقف الأمر عند كلية الآداب بجامعة القاهرة - جامعة  فؤاد الأول - بل تعداه إلى كلية الآداب بجامعة الإسكندرية  - جامعة فاروق الأول - فهنالك الأستاذ أحمد الشايب وهو  الأديب الفاضل الذى ألف كتاباً لطيفاً سماه (الأسلوب) وفيه  يقرر أن أسلوب أحمد أمين له مزايا وخصائص

فهل لأحمد أمين أسلوب حتى تخلق لأسلوبه مزايا وخصائص؟

أشهد مرة ثانية أن الجامعة المصرية أمرها عجب !فالدكتور طه حسين الذى وقف بقصر الزعفران فى ربيع سنة 1927 يلقى كلمة الجامعة فى مهرجان شوقى ، ثم رأى أن تكون خطلته فى الأخطل لا فى شوقى بحجة أن الجامعة لا تؤرخ الأحياء ، هو نفسه الذى ارتضى أن يدرس أسلوب أحمد أمين بكلية الآداب !

فكيف يكون الحال لو اعتدل الزمان وقيلت كلمة الحق فى  التدريس بكلية الآداب؟

أيستطيع إنسان أن يفرض على مدرس أن يعترف بأن أحمد  أمين له أسلوب؟

وماذا نقول للشبان الذين يفدون من أقطار الشرق وقد عرفوا  من قبل أن أحمد أمين قد يكون من الباحثين ولكنه لن يكون  من الكتاب ولا الأدباء؟

وكيف تكون حجتنا أمام الأقطار العربية إذا سمعت أننا ندرس  أسلوب أحمد أمين كما ندرس أساليب العقاد والمازنى وهيكل وطه  حسين والزيات؟

أتريدون الحق؟ إن أحمد أمين لم يكن له أسلوب يدرس فى كلية الآداب إلا لأنه  أستاذ فى كلية الآداب، وإلا فكيف غابت قيمة أسلوبه عن أساتذة

الأزهر وأساتذة دار العلوم وهم لم يلتفتوا إليه حين التفتوا إلى  أساليب الكتاب فى العصر الحديث؟

إن الرجل لا يكون له أسلوب إلا يوم يصح أنه يحس الثورة  على ما يكره، والأنس بما يحب، فعندئذ تعرف نفسه معنى  الانطباعات الذاتية ويعبر عن روحه وعقله وقلبه بأسلوب خاص

لقد اشتغل أحمد أمين بالقضاء الشرعى بضع سنين، فهل  قرأتم له مقالاً أو قصة تدل على أنه توجَّع مرةً واحدةً للمآسى  الإنسانية؟

لقد عاش أحمد أمين مدة بالواحات، فهل سمعتم قبل أن تسمعوا  منى أنه عاش بالواحات؟

لو كان أحمد أمين أديباً لحدثكم عن تلك المروج التى يجهلها  المصريون

ولكن أحمد أمين لم يكن أديباً، وإنما كان موظفاً مخلصاً  لواجب الوظيفة لا يرى ما عداها من الشؤون، ثم قال له طه حسين  كن أديباً فكان!

وهنا أوجه القول إلى من أغضبهم هجومى على الأستاذ أحمد أمين  فمن هم أولئك الغاضبون؟ منهم محام فاضل ألف عدة كتب فى الحياة الأدبية والاجتماعية  وقد كتب إلى مرتين يدعونى إلى الترفق فى الهجوم على هذا    (الأديب)

وهذا المحامى الفاضل يعجب من أن نصحح رأى الأستاذ  أحمد أمين فى القرآن، وهو يظن أن اللذات الحسية التى سينعم بها  المؤمنون فى الجنة إنما هى لذات روحية

وأقول إن القرآن وعد المؤمنين بأن سيكون لهم فى الجنة لحم  طير مما يشتهون، وحورٌ عِين كأمثال اللؤلؤ المكنون، وسيقال  لهم: (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم فى الأيام الخالية)

وظاهر النصوص هو الأصل، فهل يرى هذا المحامى الفاضل  أن نؤول كلام الله ليصح كلام أحمد أمين؟!

ومنهم كاتب مشهور أخذ يوسوس ذات اليمين وذات الشمال  بأن زكى مبارك مولع بهدم الرجال، وأنه لو عدم مجالاً للخصومة  لخاصم نفسه بلا ترفق!

وأنا أترك الرد على هذه التهمة لمن يعرفوننى معرفة شخصية

من أمثال العقاد والمازنى وهيكل والزيات، بل أترك الرد على هذه  التهمة لحضرة الأستاذ أحمد أمين

كيف تشيع عنى هذه المقالة السيئة وأنا الكاتب الوحيد التى  احترم معاصريه فتحدث عنهم فى مقالاته ومؤلفاته بما يحبون،  وسجل آراءهم فى الأدب بنزاهة وإخلاص؟

ما هو الشر الذى تنطوي نفسى عليه حتى يستبيح الزملاء  اتهامى بحب المناوشات والمشاغبات؟

لقد تأدبت منذ أعوام طوال بأدب أبى منصور الثعالبى رحمه الله  فتحدثت فى رسائلى ومؤلفاتى عمن عاصرت من الرجال كما تحدث  الثعالبى عن معاصريه من الكتاب والشعراء

فأين تكونون يا أدباء الجيل من هذا المسلك النبيل؟ إن أدباء العراق والشام ولبنان ينكرون عليكم ما تتهموننى به  من حب الشغب والصيال، ففى جرائدهم ومجلاتهم وأنديتهم  تحدثت عن أدباء مصر بالخير والجميل

بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأصرح بأنى عاديت كثيراً  من الناس فى سبيل الدفاع عن أعدائى من أهل الأدب والبيان.  ولو شئت لأقمت الشواهد على صحة ما أقول

فكيف يصح أن يتهمنى أدباء مصر بالتحامل عليهم وأنا الذى  أحسنت السفارة عن الأدب المصري فى كل بلد حللت فيه؟

الحق أن أكثر أدباء مصر يحبون أن يعيشوا مدلَّلين فى زمن  لا ينفع فيه الدلال!

الحق أنهم استمروا العافية من مكاره النقد الأدبى، فهم  يصرخون كلما هجمنا عليهم لنعود إلى مهادنتهم من جديد

ولو أنهم فكروا قليلاً لعرفوا أنى أؤدى الزكاة عن النشاط  المصري. فقد شاع فى كل أرض أن الأدباء المصريين تنكروا  للنقد الأدبى ولم يعودوا يعرفون غير مقارضة الحمد والثناء

وأوجه القول مرة ثانية إلى من أغضبهم هجومى على الأستاذ  أحمد أمين فأقول:

إن هذا الرجل أراد أن يؤرخ العصر العباسى من الوجهة  الأدبية فجعله عصر معدة لا عصر روح، وشاء له أدبه أن يختص  البصرة بحكم من أحكامه القاسية فزعم أنها عرفت (نقابة  الطفيليين)

فهل خطر فى بال هذا الباحث المفضال أن البصرة عرفت  أكرم نوع من نكران الذات حين كانت مهداً لإخوان الصفاء؟

هل خطر ببال أن البصرة حين آوت هؤلاء الباحثين العظماء  قهرت التاريخ على أن يشهد لها بقوة الروحانية؟

ومن الذى يصدق أن رسائل إخوان الصفاء وهى أعظم  ذخيرة أدبية وفلسفية وضعت أصولها فى البلد الذى زعم أحمد أمين  أنه أنشأ أدب التطفيل؟

هل يعرف أحمد أمين من هو مؤلف (رسالة الطير والحيوان)   وهى رسالة لم يكتب مثلها فى مشرق أو فى مغرب؟

إن هذه رسالة وضعت فى البصرة، أو ألفها رجل استوحى  أهل البصرة، أفما كانت تصلح هذه الرسالة شفيعاً للبصرة فتنقذها  من قالة البهتان على لسان أحمد أمين؟

ثم ماذا؟ ثم استطاعت البصرة أن تنشئ مذهباً فى النحو شغل الأمم  الإسلامية نحو اثنى عشر قرناً

ولو أن أحمد أمين كان يدقق لعرف أن البصريين لم يصلوا  إلى ذلك إلا بقوة الروح، فكيف شاء له هواه أن يجعلهم أصحاب  معدات؟

لو أن معدتي كانت كما أحب من القوة والعافية لأكلت لحم  الأستاذ أحمد أمين وأرحت الدنيا من أحكامه الجائرة فى الأدب  والتاريخ

ولكن الدهر حكم بأن أكون من أصحاب الأرواح فلم يبق  لى فى محاسبته غير شيطنة الروح، وفى الأرواح شياطين!

وتحامل أحمد أمين على البصرة وعلى العصر العباسى هو الذى  أثارنى عليه، فإن كان فى الناس من يتوهم أن بينى وبينه ضغينة  وأننى أشفى صدري بتنغيصه، فهو من الآثمين وسيلقى الجزاء يوم  يقوم الحساب

ولن ينقصني عجبى من أهل هذا الزمان فما كنت أظن أن أهل مصر يستكثرون على رجل أن يقول  كلمة الحق لوجه الله؟

ما كنت أظن أن من واجبي أن أكف قلمى عن رجل  يتطاول على ماضى الأدب العربى وهو بشهادة نفسه غير أديب!

أليس من المزعج أن يكون من تقاليد الصحافة الأدبية

فى مصر أن تمجد رجال الغرب وتنتقص رجال الشرق؟

أليس من المزعج أن تكون عيوب الناس فى الأعصر الماضية  مقصورة على أسلافنا وهم الذين احيوا الثقافة الأدبية والعقلية  فى عصور ألظلمات، وبفضلهم حُفِظ أكثر تراث الهند  والفرس والروم؟

أليس من المؤلم يقال لمن يغار على ذلك الماضى المجيد (إنك  ذو ضغينة وإنك تشفي صدرك بتكلف الغيرة على ماضى اللغة العربية)؟

إن الرجل الذى يملك الفصل فى هذه القضية هو الأستاذ  أحمد أمين، فليذكر متى عاديته؟ ومتى حقدت عليه؟ ومتى وقع  بيني وبينه ما يورث الشحناء؟

إن أحمد أمين لم يوجه إلى أية إساءة، وربما جاز أن يقال  إنه لم يؤذ أحداً من معاصريه، فقد كان ولا يزال مثال الطيبة واللطف

ولكن أحمد أمين الذى كف شره عن الأفراد وجّه شره  إلى التاريخ، فهو يدوس ماضى اللغة العربية بلا تحرز ولا رفق،  ولو تركناه شهرين اثنين يؤرخ الأدب على هواه لجعل الأمة العربية  أضحوكة بين العالمين.

فإن كان هناك شيء يكتب لوجه الله فهو ما أكتب عنك  يا صديقى أحمد أمين

أما بعد فقد بقيت معركة حامية حول ما سماه أحمد أمين    (جناية الأدب الجاهلى على الأدب العربى)  فإن اتسع صدر      (الرسالة) لتلك المعركة فسأخدم الأدب العربى خدمة باقية.  وإن ضاق صدر (الرسالة) عن هذه المعركة فسأنقل الميدان  إلى مجلة أو مجلتين أو مجلات فى مصر والشام والعراق، وحسبنا الله وهو نعم الوكيل.

(مصر الجديد.)

اشترك في نشرتنا البريدية