هدفت فرق القرامطة والباطنية من بين فرق الشيعة إلى التشهير بشعائر الإسلام وتعاليه ، وتهديد أركان الدولة العربية . فهي لذلك تعد بمثابة أوكار سرية لاذ بها العلويون المضطهدون ، والفارسيون الساخطون ؛ فاختلطت فيها أهواء العلويين في طلب الحكم بنوازع الفارسيين في بعث تراثهم الديني ، وإحياء حضارتهم ، حتى صارت مرتما خصبيا للتذمر العام ، نفث في بعض النفوس بمبادئ متطرفة ضالة ، حضت على الالتجاء إلى أساليب العنف ، واستخدام قوى الفكر في تنفيذ مآربها الخطرة على المجتمع العربي .
ويرجع اضطهاد العلويين ، وسخط الفارسيين إلى عهد يبعد في القدم إلى صدر الدولة الأموية ، التي نظر خلفاؤها إلى العلويين على أنهم ثوار يتآمرون على قلب حكمهم . فأباحوا دمهم ، ولم يتورعوا عن قتل الحسين بن علي ، والفتك بآل بيت رسول الله في ساحة كربلاء ، كما أخذوا في قتل كل من تسول له نفسه طلب الحكم لآل علي بن أبي طالب ، وأخمدوا ثورات الشيعة بكل غلظة ووحشية ، مما دعا رجال الشيعة تحت ضغط هذا الإرهاب الهمجي إلى تحويل حركيهم التي تسعي لتولى خلافة المسلمين ، إلي دعاية خفية مستترة لتأمن شر الحكام ، ولم يرحم العلويين من هذا الإرهاب المتواصل إلا إعلان الفارسيين الحانقين الثورة على بني أمية ، الذين أذلوا كرامتهم ، وحطوا من قدرهم . وأبعدوهم عن المناصب الهامة في الدولة ، فكرهوا الحياة في ظل خلافتهم ، وقام أبو مسلم الخراساني بثورته المعروفة . قفربت قسوة الخلفاء الأمويين بين العلويين والفارسيين ، وتعاونا معا في محاربتهم ، وإن كان غرض كل من الفئتين مختلف عن الآخر في هذه الحادثة ، إلا أن ذلك لم يقف
دون توحيد جهودهما في سبيل إزالة سلطان دولتهم الطاغية الباغية
ولئن كان غرض العلويين من مقاومة بني أمية هو تولي خلافة المسلمين ، فإن غرض الفارسيين الظاهر في ذلك الوقت ، هو طلب حسن الرعاية ، وحفظ الكرامة الفارسية ومساواة الفارسيين بغيرهم من الشعوب الإسلامية ، وكانت رغبة الفارسيين في تحقيق مساواتهم بالعرب على الخصوص من القوة بحيث أشعلت نيران ثورة أبي مسلم الخراساني ، الذي تعمق في فهم مختلف التيارات التي تتضارب في الحياة العربية ، فاستعان لإنجاح ثورته بدعوة عريضة ، تطلب الخلافة لنسل صاحب الرسالة الإسلامية ، فلاقت رواجا واسعا بين جميع طوائف المسلمين إذ كيف يتولي أمر الحكم في الإسلام من لا يتصل بصلة رحم يبرسول الله ، فوجدت هذه الثورة تأييدا عاما ، وساعد على انتشارها في ربوع العالم الإسلامي بنو العباس وهم من أقرباء نبي الله ، وكانوا يدعون سرا لتوليهم مناصب الحكم ، وارتاح إليها الفارسيون الذين ذاقوا مر الهوان من تعسف الاستبداد الأموي ، واغتبط لها الشيعة لأنهم أدركوا أن ساعة تولي أئمتهم خلافة المسلمين قد حانت .
وما إن طوح أبو مسلم الخراساني بالدولة الأموية ، حتى تردد العلويون في تربع كراسي الحكم ، لأن الأهوال التي عاتاها أمراؤهم علمتهم الحذر والحيطة . ولما آلت الخلافة إلى العباسين ، سخطوا عليهم ، ورأوا أنهم أولى منهم بها وقاموا ثورات عديدة في وجه خلفاء بني العباس ، ولكن قضى عليها بسهولة ، واضطر العلويون إلى أن يعودوا إلى أساليبهم السرية ، بينما يهتم الفارسيون كثيرا بتولي
العباسيين دون العلويين ، لأن العباسيين والعلويين حميعا من أقرباء رسول الله ، وكل ما يطمعون فيه هو أن يحظوا بالمساواة بالعرب ، ويعاملوا بالحسني ، ويرد إليهم اعتبارهم وهيبتهم ، ويتحرروا من ضغط الحكم الأموي . وقد كفل العباسيون لهم تحقيق هذه المطالب . ولكنهم بغتوا بعد حين بمصرع أبي مسلم الخراسابي علي يد أبي جعفر المنصور ، فغضب أهل خراسان ، وقامت عدة ثورات متتالية ، أخطرها ثورة سنباذ ، الذي أراد أن يكتسح الملكة العربية ، حتى يصل إلى الكعبة الشريفة ويحطمها انتقاما لمقتل أبي مسلم ! ولكن جيوش المنصور أوقفته عند حده . ولم يكد ينسي الفارسيون هذه الفاجعة ، حتى فوجئوا بنكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد ، فجددت هذه الحادثة الأليمة الأشجان وجعلتهم لا يطمئنون إلى العرب ، سواء أكانوا أمويين أو عباسيين . وأخذت تنتاب نفوسهم عواطف تطلب الثأر ، وتراود عقولهم أفكار تسعى بالانتقام . حتى إن يعقوب بن الليث بعد أن استولى على فارس ، عزم على أن ينتقم لأبي مسلم ، ويثأر لآل يرمك ، وعلم الخليفة المتوكل العباسي ، ولكن المنية وافته قبل أن يشرع في هذا الأمر .
وهكذا ضاق العلويون ذرعا بحكم الأمويين والعباسيين معا ، وكره الفارسون طغيان الأمويين ، وارتابوا في دوام حسن رعاية العباسيين لهم . وكما عضدوا العلويين صراحة في قلب الحكم الأموي ، ساعدوهم سرا في نشر دعوتهم ضد خلافة بني العباس ، حتى لا ينكشف أمرهم فيتعرضوا للاضطهاد أو يستهدفوا للأخطار . وكانت فرق الشيعة هي الخلايا السرية ، التى كانت تجمع بين عرب ساخطين على الحكام لاعتقادهم أن أئمة آل علي أحق الخلق بخلافة المسلمين وبين فرق أذهلهم الفتح العربي ، فتقبلوا تعاليم الإسلام وهم في غيبوبة لم يفيقوا منها إلا بعد أن اشتدت قوة الأمويين عليهم ، وطال أمد احتقارهم لجنسهم واعتزازهم بعنصرهم العربي . وما إن زالت خلافة بني أمية وجاء العباسيون حتى تيسرت لهم سبل الاشتراك في الحكم ، وتولوا أعلى مناصب الدولة وأهمها . فأخذت روحهم المعنوية تنشط تدريجيا .
وتقوى شوكتهم شيئا فشيئا . فأحسوا أخيرا أنهم محكومون بعد أن كانوا حاكمين ، وأن حضاراتهم وثقافتهم ودياناتهم تلاشت ، وطغت عليها الحضارة العربية والثقافة الإسلامية ، فلم يستطيعوا مقاومة انفعالاتهم القومية في استعادة مجدهم البائد وبعث ثقافاتهم الزائلة وإحياء دياناتهم من جديد .
وهكذا أخذت تقوى نزعة الفارسيين المتطرفين نحو تحقيق استقلال الوطن الإيراني عن الإمبراطورية العربية ، خلف صورة رغبة الانتقام من الحكام العرب والسلطان الإسلامي ، وأخذت تتجدد آمالهم في بعث التراث الإيراني ، في صورة الطعن في الإسلام ، ونقد طقوسه ، ومحاربة تعاليمه في تعابير إيرانية هاليفية . وأصبح الفارسيون الوجه الأول لسياسة الفرق الهدامة في الإسلام . فأخذوا في تأييد دعوة الشيعة في طلب إمامة المسلمين بالأفكار الفارسية ، وطلبوا لأئمتهم الحكم كستار لاستعادة نفوذ الفرس على إيران ، كما اندسوا بين صفوف العرب ، وأدعوا أنهم من نسل علي وطالبوا بالخلافة لأنفسهم . وهدأت فرق القرامطة في سوريا والبحرين والعراق ، وفرق الباطنية في فارس تنفذ سياستهم ، فلم تترك وسيلة من وسائل الثورة على العرب والإسلام لم تسلكها ، فلم تتوان في استخدام العنف ما وجدت إلى ذلك سبيلا ، كما برعت في استغلال الفلسفة والأساليب العقلية لنشر تعاليمها بين المسلمين
ويبدو العنف في جرأة القرامطة التي بلغت حد الاستخفاف بالسلطات الحاكمة ، فلم تتورع عن السطو على البصرة والكوفة وغيرهما من البلاد العربية ليلا ، ولم يشق عليها سلب الأموال وقتل الأنفس وسبي النساء ، جل إنهم لم يحجموا عن إبذاء الحجاج في ذهابهم وإيابهم ، وسولت لهم أنفسهم أخيرا غزو مكة المكرمة يوم التروية ، وقلعوا الحجر الأسود ، ونهبوا كسوة الكعبة الشريفة ، وحققوا جزءا من الحلم الذي كان يراود سنباذ في تحطيم الكعبة ، وكشفوا عن حقدهم الدفين لأقدس رمز يعتز به الإسلام . ولم تختلف طرق الباطنية العتيقة عن طرق القرامطة ، فقد كانوا يعمدون للاغتيال ، وقطع الطرق ، واغتصاب الأموال ،
كما كانوا يستولون على القلاع الحصينة ، ويهددون سلطان الخلفاء . وجميع هذه الأعمال تنطق بالتحدي السافر للخلافة الإسلامية ، وتفصح عن رغبات قومية مكبوتة ، نفس عنها بأساليب فوضوية أثيمة ، تتم عن عجز يقصر دون الوصول إلى الحكم والسلطان بالطرق المشروعة ، فلجأت إلى العنف والثورة .
إلا أن أساليبهم العقلية كانت أخطر بكثير على العقلية العربية والمجتمع الإسلامي ، من خطر الفتن التي كان يثيرها القرامطة والباطنية من حين لآخر ضد الحكم العربي ، لأنها كانت تحاول أن تستميل النفوس ، بالغش والخداع ، وتثير الشك والحيرة في العقول ، وتزيغ قاوب المسلمين وتقضي على الائتلاف الديني الذي تقوم عليه الحضارة العربية ، لتدفع المسلمين للانضمام إلى فرقتهم ، وحثهم على اعتناق أفكارهم الممالئة للاسلام وتحضهم على نشر دعوتهم في ريوع العالم الإسلامي . ولقد لجأت كما لجأ كل مفكر حاول أن يحارب الإسلام إلى الفلسفة اليونانية ، واتخذت من مناهجها المنطقية الاستدلالية معولا لهدم الأسس التي تشيد عليها شعائر الإسلام ومبادئه . كما استعانت بطرق ابن الراوندي في إظهار لا معقولية تعاليم الدين الإسلامي ، وانتفعت بعقيدة الرازي في تفضيل الفلسفة على الدين ، لتجعل كلمة الفلسفة والعقل تعلو على كلمة الدين والوحي .
ولدعاة القرامطة والباطنية طرق غريبة في ترويج مذاهبهم ، إذ يندس هؤلاء الدعاة بين الطبقات الدنيا من الشعب ، ويلقون عليهم أنواعا كثيرة من الأسئلة المحرجة ، التى يشق فهمها على الجهلاء وتحيرألباب السذج ، الذين بغيب عنهم مكر هؤلاء الدعاة ، الذين يقصدون من وراء هذه الأسئلة أن يظهروا لهم ما هم عليه من جهل ، وبينوا لهم سعة أفق أئمتهم ، ومعرفتهم بأحوال السكون ، واطلاعهم على أسرار تعاليم الإسلام وخفايا أحكامه ، بأن يطالبوهم مثلا بتفسير ظاهرة ثبات أهداب الإنسان على جفنيه ، وثباتها على جفن واحد فقط عند سائر الحيوانات ، أو يطالبوهم بتعليل غسل جميع البدن بسبب خروج قطرة منى ، وغسل
أجزاء منه فقط بسبب البول ، بالرغم من أنهما يخرجان من موضع واحد ، أو يطالبوهم بتبرير عدم قطع فرج الزاني كما تقطع يد السارق ، حيث إنهما جميعا آلة الخيانة .
فإذا ما عجز هؤلاء العوام عن الإجابة ، يخبرونهم بأن من يلتحق بفرقهم يطلع على كل هذه الأسرار من أئمتهم . ولا ريب أن هذا النوع من الأسئلة يربك العقول الساذجة البسيطة ، ويبلبل أفكارها ويدعوها لطلب معرفة ما يبدو في السكون من غموض ، وما في الإسلام من تناقض ، حتى لا تبقى في حيرة مقلقة ، لا تجد ما يبرر تغاير الظاهرات الطبيعية ، ولا تعثر على ما يوضح لا منطقية أصول الإسلام من عبادات وشرائع ، فتسعى للانضمام إلى سلك هذه الفرق ، لتعرف ما يغيب عنها من أحوال العالم ، وتدرك ما يستعصي فهمه في الشريعة الإسلامية ، من كبار أئمة القرامطة والباطنية ، الذين كشف الله تعالى لهم سره ومنحهم القدرة على فهم غوامض الكون ويسر لهم تأويل آياته ، حتى تزول عنهم شكوكهم ، وتذهب حيرتهم ، وينعموا بالاستقرار العقلي والديني .
ولا يكشف الدعاة عن العلم الذي استقوه من الآئمة ، إلا بعد أن يبذل المسترشد العهد بألا يفشي تعاليمهم ، ويدفع قدرا محترما من المال . ويبدأ الدعاة تلقين المسترشد بمدح الشريعة الإسلامية ، وإعلان فضائل رسول الله ، حتى يكسبوا ثقته ، ويرتاح إليهم ، ثم يستدرجونه عن طريق تأويل الآيات القرآنية تأويلا يتفق مع نزعاتهم وأغراضهم ، إلى إسقاط فرائض العبادات ، ويذكرون له أنها شرائع وضعها الأنبياء حسب حاجة الدهماء ، وأنها لا تليق بخاصة القوم من أصحاب العقول الكبيرة ، ثم يرقونه إلي تحقير الكتب المقدسة من توراة وإنجيل وقرآن لتعارض شرائعها ، ويدفعونه إلى الطعن في النبوة بأن يبينوا له كيف أن الأنبياء يكذب بعضهم بعضا ، وينسخ كل منهم ما جاء به الآخر ، ويوهمونه بأن الوحي ما هو إلا صفاء النفس ، ويحرضونه على إنكار المعجزات ، لأنها تقوم على أساس غير عقلي ، وبشوقونه إلى الفلسفة ، ويرفعون منزلة الفلاسفة في نظره إلى مرتبة تعلو
مرتبة أنبياء الدهماء والرعاع ، لأنهم رسل الخاصة ، ثم يلقنونه آخر الأمر مذاهبهم الفلسفية ، وهي مزيج مشوه من أفكار عنصرية وأفلاطونية محدثة تستعير تعابير إيرانية وتحاول أن تضفي عليها مسحة إسلامية .
وبهذه الطرق التي لا يشك أحد في أنها تطبق تطبيقا عمليا آراء ابن الراوندي والرازي ، وتعتمد على أساليبهما الجدلية ، استطاعت أن تشيع الزيغ في قلوب المسلمين وتضعف من وازعهم الروحي ، وتملأ النفوس بوسوسة تفت في عضد الائتلاف الديني الذي تقوم عليه الخلافة الإسلامية ، وأن تعد العقول لتقبل مجموعة من المذاهب الهللينية معبر عنها بألفاظ إيرانية ، لم تجد المحاولات في صبغتها بصبغة إسلامية ،
وما كنا نستطيع أن نعيب على مثل هذه الفلسفات لو نجحت في مزج أفكار اليونان بأفكار إيران ومبادئ الإسلام مزجا كيفيا ، وابتكرت مذاهب جديدة تتم عن نزعة تقدمية تنشد رضى الفكر الإنساني وازدهار الحضارة - وإنما إخفاق هذه الفرق في إدماج هذه الأفكار في بعضها يحثنا على التنديد بها ؛ وإن دل على شئ إنما يدل علىأن الأفكار غير المتجانسة لا سبيل لاتحادها بل أن السماح بتدخل التراث اليوناني في حياة العرب الدينية ، أدى إلى أنه تبني الميول المنحرفة، واحتضن النزعات المتطرفة ، وزود العقول الملتوية والنفوس المتذمرة بأساليب منطقية ، دعت إلى ضرب من ضروب الإلحاد المفتعل ، الذي أفسد مزاج كثير من المسلمين النابهين ، وشغلهم عن التفكير القويم الذي ينمي الاستعدادات ، ويقوي المواهب ؛ هذا فضلا عن أن الدور الخطير الذي لعبته الفلسفة اليونانية في ذلك النضال الحاد الذي قام بين المسلمين وأتباع القرامطة والباطنية ، قد منع امتزاج الثقافات الفارسية ، التي أرادت أن تشق طريقها في العالم الإسلامي ، بالثقافة العربية ، لأن الفلسفة مدت كلا من الثقافتين بأسلحة عقلية ، أخدتا تتراشقان بها ، حتى يحدث الشقة بينهما ، وأصبح من المحال التوفيق بينهما ، بالرغم من أن مقوماتهما متجانسة ، وروحهما واحدة ، وأن
بينهما وبين التراث اليوناني تفاوتا عميقا في الاتجاهات ، ومفارقات دقيقة في النزعات ؛ ومع ذلك لم تسأم العقول الإيرانية من الطعن في الإسلام متذرعة بالتراث اليوناني ، وإن كان للظروف السياسية والاجتماعية دخل كبير في هذا الطعن ؛ إلا أن الفلسفة الإغريقية وطدت الاتجاهات الضارة في النفوس ، ودعمت الأفكار الهدامة في العقول ، وبررت محاربة الإسلام تبريرا منطفيا ، مما ساعد على تنفير العقول العربية من الثقافة الفارسية ، حتى استحكم الخلاف بينهما ، واستحال تكوين ثقافة روحية مبتكرة ، تحمع بين مبادئ الإسلام وتراث إيران ، مع أن التاريخ شهد بأن تزاوج الثقافات المتجانسة ينبعث منه تبع من الفكر الخصيب القادر على الخلق والإبداع .
