كنت فى هذا الأسبوع ، أتابع القراءة فى كتاب أحمد حسنين باشا . " فى صحراء ليبياء " فاستوقف نظرى عبارة ، وردت ضمناً فى سياق وصفه لطريق رحلته بين جبال العوينات وبئر اردى ، إذ يقول : -
سحاب صبر ، وريح ساخنة قوية من الشمال الشرقى تهب طول النهار ، ثم تنقلب عاصفة رمل شديدة فى الليل . وأراد محمد ، دليل القافلة ، أن نسير في هذا اليوم مبكرين ، نظراً لوجود " غرد " وعر فى سبيلنا ، لا يمكننا اجتيازه فى الظلام . فقمنا الساعة الرابعة وربعاً مساء ، نسير فى سريرة منبسطة ، خالية من الأعلام ، ويهب علينا نسيم بليل ، من الشمال الشرقى ، وشعرت فجأة فى الساعة الثامنة بريح تهب فى وجهى ، فذعرت ، لأن الريح لا يتغير اتجاهها في العادة بغتة بهذه الصفة ، أضف إلى ذلك أن درجة حرارة الريح لم تتغير . وبالرغم من هبوبها من الجنوب ، فإنها لم تكن دافئة ، وهكذا كان فى الأمر شئ من الغرابة ، فرفعت بصرى إلى النجوم ، ولكن السماء كانت متلبدة بالغيوم من جميع نواحيها ، وأخرجت " بوصلتى " وفزعت ، إذ رأيت أننا نسير صوب الشمال الشرقى ، بدلاً من الجنوب الغربى ، فوضح لى أن محمداً طاحت رأسه ، كما يقول العرب . فقادنا فى الاتجاه المضاد وكانت ساعة عصيبة ، تتطلب حذقاً ، وحسن تصرف ، فإن من الخطر ، أن تهدم الثقة فى نفس الدليل ، ونزلت عن جملى ، ثم امتطيت جوادى ، وعدوت إلى محمد فى طليعة القافلة ، وأدركت فى طريق إليه أن رجال القافلة ، وبينهم الكثيرون ممن اعتادوا المسير فى هذا النوع من الصحراء ، وألفوا هذا الضرب من الطقس ، يشعرون بأننا أخطأنا الطريق ، ولكن آداب الصحراء . تقضى أن لا يتداخل أحد في شأن الدليل ، بأية حالة من الحالات ، لأن الدليل فى الصحراء ، كربان السفينة ، مطلق التصرف في اختيار وجهة السير . . ولكنى كنت أعرف خطر هذه السياسة ، فإن الحائرين فى مثل هذه الحال ،
يقضون الساعات يفكرون فى حتفهم ، ويزدادون ضعفاً ويأساً ... وسكنت الريح لحظة ، فقلت لمحمد بصوت هادئ فيه نبرة اليقين : " إن هذه الريح تهب من الشمال ، شأنها فى الأيام الماضية ، لأنها لو كانت تهب من الجنوب لوجب أن تكون دافئة ، وهذا هو نجم القطب ، وهذا طريقنا السوى " وأشرت إلى الموضع الذى يجب أن يكون فيه " الجدى " ما لم تكن البوصلة غير صادقة ، ثم درت وأشرت إلى الطريق التى يجب اتباعها ، فجمع محمد ما تفرق من نفسه، وقال : " جزاك الله خير الجزاء ، إن الصدق ما تقول " .
وما انتهيت من قراءة هذه العبارة ، حتى قلت فى نفسى، لا والله إن رأس محمد مظلومة ، فإنها لم تطح كما ظن حسنين باشا ، بل الذي طاح به ، وجعله يتخبط هكذا هو رجله اليمنى؛- نعم رجله اليمنى ،فقد دار المسكين فى قوس واسعة - من غير أن يشعر - راجعاً إلى الوراء ، وذلك عندما غم عليه ، بسبب حلول الظلام ، واحتجاب نجم القطب الذى يهتدى به فى سيره بسبب تراكم السحب.
قلت هذا فى نفسى ، وأنا أكاد أجزم بصحة هذا الزعم ، لسبب واحد وهو أن ما حصل لدليل أحمد حسنين باشا فى صحراء ليبياء سنة ١٩٢٣ ، حصل لى مثله تماما فى رحلتنا إلى الغابة المتحجرة فى جبل المقطم قبل ذلك بخمس سنوات. وكادت رجلى اليمنى تودى بى وبصاحبى إلى الهلاك ، لولا لطف الله .
ففى أحد أيام شهر فبراير سنة ١٩١٩ ، خرجت أنا وصديق لى من القاهرة مبكرين فى رحلة إلى الغابة المتحجرة الكبرى ، كان الجو مشرقاً ، والهواء ساكناً ، وكل شئ على ما يرام ، ووصلنا الغابة الساعة العاشرة ، ولم نكد نتاهب للعودة فى منتصف الساعة الواحدة ، حتى شعرنا بريح شمالية غربية باردة تهب فى وجوهنا ، ثم تلبد الأفق بسحب كثيفة ، وانتشر فى الجو ضباب كثيف ، ثم سقط رذاذ خفيف وبدأت الشمس تحتجب وراء السحب ، فعجلنا بالعودة صوب القلعة فى اتجاه الشمال الغربى .
وبعد نحو ساعة بالسير الحثيث ، لحظت أن معالم الطريق قد تغيرت ، فلم أهتم لذلك ، وقدرت أننا ربما تكون قد انحرفنا قليلاً عن الطريق السوى جهة الشرق أو الغرب ، وحاولت عندئذ أن أتبين معالم الطريق جيداً خلال الضباب فلم يتسنى لى ذلك لشدة كثافته ، وبعد ساعة أخرى ، أدركت أنى أسير فى طريق لم اْلفه من قبل ، فساورنى القلق.
كنا قد وصلنا فى هذا الوقت إلي واد صخرى عميق ، ظننته وادى عيون موسى ، ولكن تبين لنا بعد أن نزلنا فيه أنه غيره ، وهنا أمطرتنا السماء مدراراً ، فتبللت ملابسنا ، وتوحل الطريق ، فتعذر السير ، وبعد ساعة اخرى ، أدركت تماما أنى أسير على غير هدى . فتملكنى ضيق شديد ، ولكنى وجدت من الحكمة أن أخفى الأمر عن صاحبى، فكتمت كربى ، وتكلفت الاطمئنان تكلفاً ، ولحظ صاحبى فى وجهى شدة الحيرة والقلق ، فأخذ يشكو الجوع والبرد والتعب ، وزاد الطين بلة أن ثارت فى وجوهنا فى تلك اللحظة زوبعة رملية شديدة ، وهطل المطر كأنه يصب من أفواه الغرب ، فعميت عيوننا ، وأصبحنا غرقى فى لجة من الماء والوحل.
كنا نسير حينئذ على ظهر جبل عال، وعن شمالنا واد ، وعن يميننا واد آخر ، وكان الظلام مخيماً فى كل مكان ، وكانت الريح باردة عالية ، تلقى فى وجوهنا الرمل والتراب باستمرار، فتعذرت الرؤية ، واشتد بنا الكرب ،وتوقعت فى كل خطوة ، أن نهوى فى هوة ، أو نسقط على الأرض من شدة الإعياء.
طلب منى صاحبى ونحن فى هذا الموقف الحرج أن نأوى إلى ملجأ ، وشكا ما حل به من الإعياء ؛ فرجوته أن يصبر ، وقلت له إن الليل قد دهمنا ، وليس لنا واق فى هذه الجبال إلا رحمة الله ، وإن الوقوف عن الحركة ضار بنا ، فملابسنا مبللة ، وبطووننا خاوية والبرد قارص ، ثم رأيت أن أهبط إلى الوادي فراراً من شدة الريح ، وبعد أن سرنا فى الوادى قليلا ، أدركت أن لى به معرفة سابقة من بعض الشواهد والعلامات ، ولم ألبث طويلا بعد ذلك حتى تبين لي أنه وادى دجلة ، فأخذتنى نشوة سرور بالغ لا يشعر بمثلها إلا من كان فى مثل موقفنا وحالتنا ، واطمأن خاطرى,
واشتدت عزيمتى ، فأخذنا بطن الوادى طريقنا نحو مخرجه مسرعين الخطى ، وخرجنا من الوادى والساعة التاسعة ، واتجهنا صوب بلدة البساتين ، وأخذنا نجد فى السير ، نشق طريقنا في ظلام دامس ، وطال بنا السير ، وانتصف الليل ، ولم نصل بعد بلدة البسانين ، فوقفت أنظر حولى ، فإذا نحن لا نزال أمام مدخل الوادى ، حيث كنا منذ كانت الساعة التاسعة ، فاهتاجت نفسى ، وصرخت صرخة عالية مدوية : لقد ضللنا مرة أخري .
لم يكد صاحبى يسمع هذه الصرخة حتى خارت قواه ، وسقط على الأرض ، وهزته رعدة شديدة ، وأقسم ألا يبرح مكانه . ثم استولى عليه النعاس فنام ، وجلست بجانبه تائهاً حائراً لا أدرى شيئاً . ثم بدا لي أن أعود إلى الوادى ، ملتمساً فيه ملجأ نأوى إليه حتى الصباح ؛ بيد أنى رأيت ، قبل تنفيذ هذه الفكرة أن أقوم بمحاولة أخيرة ، فخلعت سترتى وألبستها عصاى . وغرست العصا في الأرض بجانب صاحبى لأستدل بها على مكانه . ثم صعدت إلى أعلى قمة بالقرب منا وأدرت بصرى فى الجهات الأربع ، فلمحت جهة الغرب وراء الأفق ضوءاً ساطعاً ظننته ضوء مصانع شركة الأسمدة " بالمعصرة " . فهرولت نازلاً لأزف إلى صاحبى هذه البشرى ، ولكنى أضعت مكانه . فأخذت أصرخ وأصيح وأنادى كالمجنون ، وأخذت الجبال تردد صدى الصياح بتفخيم عجيب ، حتى خلت الفضاء حولى يدوى بأصوات الجن والشياطين ، فتملكنى رعب شديد ، وانابتنى حالة عصبية ، فصرت أبكى وأنتحب بعويل وحرقة . ثم أخذت أعدو على غير هدى ، أتخبط بجوانب الصخور، واتعثر بالجلاميد ، فأكبو وأقوم ، وطال بى هذا الحال ، وأخيراً اشتبكت رجلى بجسم صاحبى ممدداً على الأرض ، فارتميت عليه ، فقام مذعوراً ، فقلت له : لقد أبصرت ضوءاً شديداً جهة الغرب سوف يهدينى سواء السبيل . فلم يكترث لقولى ويظهر أن النوم كان قد أعاد إليه بعض نشاطه ، فنهض وقال : هيا بنا - ثم اعتمد على كتفى بإحدى يديه ، واستأنفنا السير ، وقد عوات هذه المرة أن ألتزم مجرى السيل من غير انحراف ، وبعد سير طويل آخر ، وصلنا محطة " طره " ونحن فى أسوأ حال ، فركبنا القطار إلى محطة باب اللوق وقد انتصفت الساعة الثانية صباحاً .
( البقية على الصفحة التالية )
وفي القطار ، بعد أن هدأ خاطرى قليلا ، أخذت أستعرض ما حل بنا في تلك الليلة السوداء . وحرت في تعليل سبب هذا التيهان ، خصوصاً وأنى لم أكن حديث عهد بالمنطقة التى ضللنا فيها .
بعد هذا الحادث بسبع سنين ، كنت أتصفح كتاباً فى الرحلات لأحد الأمريكان ، فوجدته يقول : " من الغريب أن يضل الطريق أدلاء القوافل فى صحراء " جوبى " إذا ساروا فى ليلة مظلمة ، مع أن هؤلاء الصينين من خير أدلاء العالم ، وقد علل أحد أصدقائى الأطباء الذين عاشوا طويلاً بالصين ، هذه الظاهرة فأرجعها إلى خطأ فى الرجل اليمنى ، فقال إن الرجل اليمنى للانسان والحيوان على حد سواء ، أطول قليلاً من الرجل اليسرى ، أى أن خطوتها أوسع قليلاً من خطوة زميلتها ، فإذا عصبنا عينى الإنسان أو الحيوان بحيث أصبح لا يرى ، وتركناه يمشى فى أرض فضاء ، فإنه
لا يسير فى خط مستقيم ، بل يسير فى قوس واسع ، تكون رجله اليسرى نحو مركزه . ورجله اليمنى على محيطه ، أى أنه يتخذ اتجاهاً دائرياً في سيره مضاداً لأتجاه حركة عقربى الساعة - ثم أردف قائلا : ويظهر أن هذه الظاهرة قد عرفها الفلاحون من قديم الزمان ، بدليل أنهم يشدون الماشية معصوبة العينين إلى الساقية . بحيث يكون وضع أجسامها مساعداً للدوران ، فتكون الرجل اليسرى فوق حافة " المدق " من الداخل ، والرجل اليمنى فوق حافة المدق من الخارج ".
هكذا وضح السبب : إنه رجلى اليمنى قد حرفتنا - من غير أن نشعر - من اتجاه الشمال الغربى ، إلى اتجاه الجنوب الغربى ، بعد أن احتجبت عنى معالم الطريق ، بسبب الضباب والظلام ، ففقدت الاتجاه الصحيح ، وضللت الطريق .
