منذ سنة ١٩٣٥ ابتدأت ألمانيا بتأليف فرق الهوابط وتمرين رجالها على هذه الطريقة الحربية الجديدة التي تقتضي مهارة كبيرة وتمريناً طويلاً، لأن الخطر الذي يهدد الهابط ليس في الجوبل عند وصوله إلى الأرض، إذ تنكسر رجله، أو تصدع على الأقل فلا يعود يستطيع أن يقوم بمهمته، وكل هابط يحمل بندقية رشاشة خفيفة ودراجة وكمية من الذخيرة، وعليه أن يحسن جيداً لغة البلاد التي يهبط فيها.
كان الألمان في الحرب الماضية ينشئون وراء خطوطهم مثالاً تاماً من خنادق الحلفاء ويمرنون جنودهم على طريقة مهاجمتها، وهكذا فعلوا في الحرب الحاضرة، فصنعوا بدلاً من الخنادق نموذجاً من البلدان التي نووا اجتياحها تتراوح مساحته بين أربعة وخمسة أمتار، وأثبتوا فيه الطرقات والأشجار والبيوت والأقنية والأنهار وغيرها، فيعكف جنود الهوابط على درسها حتى إذا حانت ساعة العمل قاموا بمهامهم بكل دقة. ولا يبلغ جنود الهوابط أهدافهم بدون مساعدة رجال الطابور
الخامس، وهذا ما دل عليه اجتياح نروج. وفي هولندا هاجم الهابطون الألمان مطاراً وهم متنكرون بالملابس الهولندية فلم يستطيع الهولنديون أن يميزوا بين الأصيل والدخيل. وفي بلجيكا سقط هابط ألماني على سقف بيت في وسط المدينة واختفى فجأة فاحتشد الناس حول البيت وطوقت الشرطة الحي برمته، وطفقت تفتش كل المساكن دون أن تعثر على رسول هتلر. ومر ساعتئذ بين الجمهور كاهن يدل مظهره على ورع، فقال أحدهم مازحاً: (من يدري؟ لعل هذا الكاهن هو نفسه ذلك الهابط الألماني!) وما كاد ينتهي من كلامه حتى رأوا عربة مسرعة تقف فجأة فيدخلها الكاهن ثم تتابع سيرها، فلحق بها رجال الشرطة وقبضوا على الكاهن وهو يصرخ: (إن في ألمانيا ٢٠ ألف هابط، وكلهم مستعدون لبذل حياتهم من أجل زعيمنا هتلر!) . وقبض في هولندا على هابطين من الألمان كانوا متنكرين بأزياء مختلفة وشارات عسكرية منوعة من بلجيكية وهولندية وفرنسية وإنجليزية.
