تناولت صحيفة المساء أطلب مكانا للتلهى أروح فيه عن النفس من عناء النهار . فنصح لي أحد الحاضرين ان أذهب إلي دار للصور قال إن بها فلما ممتعا .
قلت : ما موضوعه ؟ . قال : الجنون قلت : وهل نحن يا أخي في حاجة إلي استزادة ؟ قال : إن الجنون فنون ، يشفي بعضها من بعض . فهي ككؤوس ابي نواس وداونى بالتي كانت هي الداء
وأخذ يحكي صاحبي ما كان بهذا الفلم الممتع ، فكشف عن امر فيه راحة للفكر المجهد حقا . وقد اقنعني في ترويحه عن ذهني بهذه الحكاية ، ان الفكر ايضا راحته قد تكون بزيادة التفكير ، ولكن في نوع غير ذلك الذي أجهده ، فمتاعب الفكر فنون ، كفنون الجنون ، وككاسات أبي نواس ، يدفع بعضها بعضا ، ويشفي بعضها من بعض .
ولن أحكي كل ما حكي لي الصديق عن فلم رآه ، ولكني اذكر انه احتوى امراتين عانستين ، كانتا من أطيب المخلوقات نفسا ، وأرق بنات حواء شعورا وكانتا وحيدتين ، فهمهما الوحدة هما كبيرا ، وارتأتا فيها شرا من شرور الحياة الكبرى ، فكانتا كلما رأنا رجلا حسبتاه في حياته وحيدا ، شقيا بوحدته ، تفطر له قلباهما ، وهيأنا له سبيل الخروج من هذه الوحدة . من هذه الشقوة . وتسألني بماذا ؟ فأقول بالزرنيخ . . نعم بالزرنيخ . هذا كان دواء الوحدة الشقية عندهما ، تستدرجان صاحبها إلي منزلها ،
ثم تدسان له السم في الطعام . ثم في قاع الدار تحفران له الحفرة ، ثم تقومان على دفنه في خشوع ورهبة ، بين الصلاة والدعوات .
وتزورهما زائرة ، ويزورهما زائر ، فقد يتعثر الزائر والزائرة في صندوق به جثة لم تدفن بعد ، فيسأل او تسأل عما رأي أو رأت ، فيكون الجواب : إنه المسكين الشقي بوحدته التواب الأواب المرحوم فلان .
ويتدخل البوليس أخيرا ، فتهرع المرأتان إليه تحدثانه في ابتهاج وازدهاء بالذي صنعتاه ، وتتحدثان عن نصبهما القليل ومجهودهما الصغير في تخفيف آلام هذا الوجود عن بعض بني الإنسان .
إلي هنا أيها القارئ أرجو أن تكون قد فهمت أن هاتين المرأتين مخبولتان .
وقد رجوت هذا لأن بعضا ممن حضر هذا الحديث فانه جنون المرأتين ، وأخذ يتحدث عن فلسفتهما البالغة . وأخذ آخر يتحدث عن متعة الجنون . اليس من أكبر متع القلب الإنساني في ان يحس بأنه يعمل الخير الأكبر ، وان في مكنته إسداء السعادة للأشقياء . فأي متعة أكبر من متعة هاتين الاختين العانستين وهما تفكان ربقة الشقاء من هؤلاء الاشقياء ممن حذف الدهر وراءه بلا خدين أو معين
وانطلق ثالث يتحدث عن متعة الجنون أيضا ما السعادة وما الشقاء في هذه الدنيا إلا احاسيس . فالمرء يسعد لأنه يحس السعادة ولو لم تكن سعادة حقا ، وهو يشقي لأنه يحس الشقاوة ولو لم يكن شقا حقا . وكم يخشى الرجل العاقل من غده ، فيظل يتقلب الليل في فراشه ، فلا يسكن له رأس على وسادة ، ولا تستقر له قدم تحت قطاع ثم يصبح الصباح فيتكشف له ان ما خافه إنما كان وهما ، فبالوهم شقى طول ليله ، وبالوهم قد يسعد ليله ونهاره . إنه يسعد ويشقي بالأحاسيس ، كاذبة أو غير كاذبة
وانطلق آخر من الحاضرين يعزز رأي سابقه : نعم ، نعم . والرجل النائم ماذا يجد ؟ يجد نفسه يجري ، وتعدو الذئاب والسباع وراءه . وبهرب منها فيكاد يخلص ثم بضيع أمله في الخلاص . وتقترب الذئاب والسباع منه عاوية أو زائرة ؛ وهو يجري ويجري حتى تكاد تنقطع نياط قلبه . ثم يجد نفسه على حافة هاوية . فلا يجد المخلص إلا في إسلام نفسه اليها . وفي هويته يستيقظ فيحمد الله أنه كان نوما ، لقد شقي قبل استيقاظ . شقي بالأحلام والأوهام ، ولم يغنه من شقائه أنه أحلام وأوهام . وليس يعنيه منه أنها أحلام وأوهام . كذلك هو قد يحلم بأنه بين الخضرة والزهر ، على الماء الجاري ، وفي الريح الرخاء العابثة يشعر فتاته وقد أسندت رأسها إلي صدره . وقد يغزل بها وهو يستمتع بالغزل أشد استمتاع . وقد يتراءي له في حلمه أنها ملكة سبأ أو بعض حور الجنان . وهو في كل هذا يستمتع بها استمتاع الحقيقة تماما ، وهو في كل هذا ينفعل جسمه وتنفعل غدده كانفعالها عند اليقظان . ولا يضره في متعته أنه غير يقظان . إنه سعيد لأنه يحس السعادة وكفي . وكذلك أحسب الفتاتين العانسين فيما أسدناه من خير لأضيافهما
وعاد المتحدث الأول يحكي عن الفلم . قال : وكان لهاتين الاختين اخ يحسب انه روزفلت رئيس الولايات ، فيخطب الخطب ويحيي الجماهير
قال المتحدث الثاني : هذا مثل آخر ممن أعني . فهذا الرجل الأخ كهؤلاء الآخرين الذين حسبوا أنفسهم نابليونات وقياصرة . إنهم يبلغون من منع الحياة مالا يبلغه إنسان . ما لم أبلغه أنا وما لم تبلغه أنت . قصور أن لك تلك الجيوش تحركها ، وتلك الجماهير تصطف لك اصطفافا ، وتلك الايدي الملايين ترتفع لك بالتحية أو تصطك بالتصفيق . وتصور تلك الأبسطة الفارسية السميكة تصعد فوقها على الدرج ، أو
تدرج عليها في الردهات ، فتحس أنك إنما تطأ أفرشة لا أرضا . وتصور تلك الفرش والوسائد ، والصالونات الفاخرة والأبهاء بدخان التبع وانفاس النساء العطرة . وتلك الموسيقى التي تهتز أوتارها بعيدا قريبا في ردهات الدار الواسعة . وتصور تلك الانحناءات المتوالية التى تشق بينها سبيلك حينما ذهبت في هذا الجمع الحاشد .
وتصور تلك الخزائن الكبيرة الكثيرة التي تحت يدك ، وعند استجابة امرك ، وبها كنوز قارون . أو تلك البنوك العامرة ترسل إليه الشيك الواحد والعشرة شيكات يحوي أقلها الآلوف و أكثرها الملايين . فان لم تكن هذه السعادة فكيف تكون ؟
قال المتحدث الثالث : إنهم يقولون إن من المجانين . من لا يشفي ابدا ، وإني لاعجب ايها الاخوان من مجنون يشفي من كل هذه السعادة . وإني لأحسب أنه لا يشفي لأنه لا يود أن يشفى. إنه منسجم كل انسجام مع ما هو فيه فكيف يخرج عنه طوعا ؟ إن هذه الملاءمة بينه وبين ماهو واجد من غبطة تمي الأطباء فيستعصي عليهم رده إلى عالم الشقاء الذي نحن فيه . إنه يحس ، والأطباء تطرق بابه ، كما تحسون أنتم ، عندما يأتي بعض أهل الدار يهزكم لتستيقظوا من نوم وانتم في حلم جميل . إنكم عندئد ترفضون اليقظة وقد تغمضون أعينكم من بعد فتحها ، مداومة لهذا الوهم الجميل . وهل يفسد عليكم لذتكم بهذا الحلم الخادع انه وهم كاذب ؟ إن السعادة أحاسيس يا اصدقائى ، فاطلبوها على الوهم وعلى الحقيقة ، وبالجنون .
وعاد المتحدث الثاني إلي حديثه : والحشاشون كذلك سعداء في وهمهم
وعندئذ لم يطق أحد الحاضرين صبرا ، وكان قد سكت دهرا طويلا ، وخشي على نفسه ان يأتيه مس من سعادة ؛ فصرخ في القوم صرخة حسبوا انها بوادر انفعال . فضحكوا وزاطوا واكتفوا من عبثهم بالذي كان .

